التفاسير

< >
عرض

وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
٩١
-الأنعام

هميان الزاد إلى دار المعاد

{وما قَدرُوا الله حقَّ قَدْره} قال الأخنس: ما عرفوا الله حق معرفته، يقال: قدرت الشئ أى عرفت قدره بصفاته، ومن لم يعرفهُ بصفته قيل لم يقدره أى قدره، وفى الحديث: "إذا غم عليكم فاقدروا له" أى فاعرفوه بإتمام عدة شعبان، ولما كان قدر الشئ طريقاً وسبباً إلى أن يعرف الشئ به استعمل لفظ قدر بمعنى عرف، والمراد حق قدره فى النعمة، إذ جعلوا أعظم النعمة وهو بعث الرسل والوحى باطلا غير موجود، أو قدره فى السخط والبطش على من قال مثل ما قالوا من الكفرة، أو قدره فى ذلك كله وسائر صفاته، فعن أبى العالية: ما وصفوا الله حق صفته، ولفظ الفخر عنه: ما وصفوه حق قدرته وعظمته، وعن ابن عباس: ما عظموا الله حق عظمته، هذا لفظ الفخر عنه، وفى رواية عنه: ما آمنوا أن الله على كل شئ قدير، وتلك معان صحيحة يرفع بعضها إلى بعض.
{إذ قالُوا ما أنزلَ اللهُ عَلى بشرٍ مِنْ شَئٍ} لا وحى ولا كتاب ولا رسول ولا نبى من الله، وذلك أن النبوة والرسالة بالوحى، فإنكار الوحى لهما وللكتاب، وضمير قدروا وقالوا لليهود على قول الجمهور وهو الصحيح، وكانوا يختلطون بقريش فى مكة وغيرها قبل الهجرة، وقد قالوا ذلك، فلما أنزلت سورة الأنعام جملة فى مكة، أنزل ذلك فيها رداً عليهم، إذ أنكروا الوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكروا إنزال القرآن عليه، وأنكروا كونه نبياً ورسولا، وبالغوا فى ذلك حتى أنكروا غيره من الأنبياء والوحى إليهم، مبالغة فى إنكار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن ذلك فى اليهود لعنهم الله قوله تعالى:
{قُلْ مَنْ انْزل الكتاب الَّذى جَاء به مُوسَى نُوراً وهُدًى للنَّاس تَجْعلونَه قَراطِيسَ تُبدونَها وتُخْفون كَثيراً} فإن غير اليهود لا يقرون بموسى عليه السلام والتوراة، فكيف يحتج على غيرهم بهما إذ أنكروا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، وقريش لو خالطوا اليهود وذاكرو موسى والتوراة، وتناولوا الإيمان بهما، لكن لم يَبلغوا من الإيمان بهما بحيث يحتج عليهم بهما إذ لم يرسخ ذلك، والذين يجعلون التوراة قراطيسَ يبدونها ويخفون كثيراً هم اليهود لا غيرهم، والخطاب لهم، ومن قرأ يجعلونه ويبدونها ويخفون بالمثناة التحتية وهو ابن كثير وأبو عمرو راعى قوله تعالى: {قالوا} وقوله تعالى: {وما قدروا الله} واليهود ولو لم يقرءوا التوراة وموسى، لكن فيهم من أنكرهما مبالغة لغضبه، وقوله: {قالوا احكم} على المجموع وأيضا أنهم ولو أنكروا ذلك على قائله وعزلوه لم يفعلوا ذلك لله ولا من قلوبهم، لكنهم رأوا منه ما لا يروج عنهم، فأظهروا الإنكار، فلو نفع ذلك فى إبطال دين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لم ينكروه ولم يعزلوه.
"كان مالك بن الصيف يخرج مع نفر إلى مكة معاندين ليسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، وكان من أحبار اليهود ورؤسائهم، وكان سميناً، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله الذى أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ قال: نعم، قال: فأنت الحبر السمين، قد سمنت من أكلتك التى تطعمك اليهود، فضحك القوم فخجل مالك بن الصيف، فالتفت إلى عمر فقال غضباً: ما أنزل الله على بشر من شئ، فلما رجع مالك إلى قومه قالوا له: ويلك يا هذا ما الذى بلغنا عنك؟ قال إنه قد أغضبنى، فلذلك قلت ما قلت، قالوا: أكلما غضبت قلت بغير حق، وتقول غضبت فقلت بغير حق، فأخذوا الرياسة والحبرية منه، وجعلوهما إلى كعب بن الأشرف ونزلت الانعام وفيها هذه الآية ناعية عليه" .
وقيل: قال ذلك فى المدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية، على أن الأنعام نزلت جملة إلا بعض آيات نزلن فى المدينة، قلت: لعله ـ لعنه الله ـ أراد بالبشر سيدنا محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكره تحقيراً له، ولما كانت عبارته توهم تعميم نفى الأنبياء كلهم، والوحى كله، لأن بشراً وشيئاً نكرتان للعموم، ولا سيما شئ لذكر من الاستغراقية معه أنكروا عليه ومنعوه وأخرجوه، وقيل: لما قال: ما أنزل الله على بشر من شئ قال له أصحاب الذين معه، ويحك ولا على موسى، فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شئ قاله عناداً وغضباً إذ أراد أولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما لم يحمل أصحابه كلامه على إرادته، بل على العموم، تعمد زيادة الكفر لزيادة غضب.
وكذلك رد الله عليه كلامه على ظاهر عمومه أو رد عليه بالتوراة، وكون قائل ذلك مالك بن الصيف، هو قول سعيد بن جبير، وقال: إنه قاله بالمدينة بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال السدى: قائل ذلك فى فنحاص بن عابورا فى المدينة بعد الهجرة، وقال مجاهد وابن عباس: إن ذلك منهم نفى للوحى فقط، ولم ينفوا عموم النبوة بالرسالة، بل قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأنبياء تأتينا ولا تأتى بكتاب من الله قط، وأنت تقول جاءنى من الله كتاب.
ومثله ما
"روى عنه أنهم قالوا: يا محمد أأنزل الله عليك كتاباً؟ قال: نعم فقالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، وفى ذلك نزلت الآية" ، وعن محمد بن كعب القرظى، "جاء ناس من يهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً من عند الله؟ فنزل: {يسألك أهل الكتاب} الآية ولما حدثهم بأعمالهم الخبيثة جاء رجل منهم وقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً، فأنزل الله: {وما قدروا الله} الآية أنكروا كون التوراة من الله، فرد الله عليهم بأن قال: من أنزلها؟" وفى رواية عن السدى ومجاهد: أن الآية فى قريش، وصححه الطبرى، لأن من أول السورة الكلام فيهم، ويعترض عليه بأنهم ينكرون أيضا موسى والتوراة وغيرهما، فكيف يحتج الله تعالى عليهم بإنزال التوراة على موسى، ويعترض عليهم أيضا بأن الذين يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً هم اليهود، اللهم إلا أن يقال: إن قريشاً لما خالطوا اليهود وأذعنوا بعض إذعان للتوراة كما قال الله تعالى: { أن تقولوا لو أنزل علينا الكتاب } الآية احتج عليهم فخوطبوا مع اليهود، فقيل: {من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس} خطاب لهم، وتجعلونه قراطيس إلخ خطاب لليهود، ويدل ما قلنا، ومعنى جعلهم الكتاب قراطيس جعلهم إياها أوراقاً صغاراً ليتمكنوا من إخفائه ما أرادوا إخفاءه كصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم، ولا يلزم من ذلك أن لا يظهر وصفه، ولا أن لا يكتب إلا فى أوراق صغار فقد ظهرت آية الرجم بإحضار ورقتها فى كتاب التوراة، بل أخبر الله أن غرضهم تصغير الأوراق لذلك الغرض، ولا يلزم أن تتم حيلتهم والكثير الذى قال الله جل وعلا إنهم يخفوه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم والرحم وغير ذلك من كل ما الذى لهم غرض فى إخفائه.
والآية ذم لليهود، وعلى تجزيئهم التوراة، وجعلهم يكتبون بحقها وكتم بعضها، ويقدر مضاف أن يجعلون كتبها قراطيس، أو جاز ليجعلونها فى قراطيس، وتبدونها نعت لقراطيس، وتخفونها معطوف عليه، وتجعلونه حال من هاء به لا كما قيل إن الجمل الثلاث حال من هاء به.
{وعُلِّمتُم ما لم تعْلَموا أنتُم ولا آباؤكُم} خطاب لليهود، أى علمكم الله ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أمر الغيب، وتأويل التوراة، فدل ذلك على أنه نبى الله، والمراد بالآباء الأجداد ولو علا بعض على بعض وكثروا، وقال الحسن: الآية سيقت فى تضييعهم النعمة، إذ جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وعلمه إياهم ولم ينتفعوا به، بل كفروا به وآذوه، وقيل: لفكار قريش، وقيل: لهم ولليهود، وقيل: للمؤمنين من قريش يذكر الله لهم النعمة بأن علَّمهم من أمر دينهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يعلموه هم ولا آباؤهم، والجمهور على الأول، وجملة علمتم حال من واو تجعلونه على إضمار قد.
وقيل: يجوز قرن الجملة الحالية الماضوية بواو الحال، بل التقدير لقد، والخطاب فى الكل لليهود، ومن قرأ يجعلونه وما بعده بياء الغيبة فعلمتم حال كذلك، والضمير لليهود، وذلك على طريق الالتفات، وأما أن يجعل الخطاب هنا لقوم، والخطاب فى تجعلونه وما بعده لآخرين أو الغيبة، فلا يصح الحال لعدم كونه حالا ممكنة ومقدرة ولا مقارنة.
{قُل الله} أى أنزله الله، أو الله أنزله فاعل لمحذوف أو مبتدأ لمحذوف دل عليها قوله تعالى: {قل من أنزل الكتاب} أمره بالسؤال توبيخا لهم، وأمره بالجواب بما لا يمكن أن يجيبوا إلا به، حيث لا محيد عنه به، ولو سكنوا أو أنكروا أو أشار بالجواب عنهم إلى أنهم بهتوا فلا يقدرون على الجواب.
{ثمَّ ذرْهُم} اتركهم {فى خَوْضهم} متعلق بذرهم أو بقوله: {يلعبونَ} أو بمحذوف حال من هاء ذرهم، أو واو يلعبون والخوض الباطل، ويلعبون يستهزئون وقيل: معنى الكلام التهديد للمشركين، أى تول عنهم يا محمد، فقد أديت ما عليك فما عليهم إلا العقاب، وهذا مما قيل منسوخ بآية الكهف، ويقال: بل هو تهديد باق مستمر لا ينافى القتال إذا جاء، وجملة يلعبون حال من الهاء بين قبلها.