التفاسير

< >
عرض

وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
٤٧
-الأنفال

هميان الزاد إلى دار المعاد

{ولا تكُونوا كالَّذينَ خرجُوا من دِيارِهم} وهم أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير {بَطراً} فخرا وكفرانا للنعمة بصرفها فى غير محلها {ورِئاءَ النَّاسِ} الرئاء فعال كقتال من الرؤية فهو بالهمزة بعد الراء، لأن عين راء همزة والألف بعدها زائدة، والهمزة الآخرة بدل من الباء التى هى لام الكلمة، وقد تسهل الهمزة الأولى إلى الباء، أظهروا شجاعتهم وسماحتهم للناس ليثبتوا عليهم وهو شرك صغير، وقيل: نفاق، وترك العمل لأجل الناس شرك، وحقيقة النفاق فى عرف فقهائنا عمل الموحد الكبيرة سرا أو جهرا غير كبيرة الشرك، ويطلق أيضا على أسرار الشرك، وإظهار التوحيد، هذا تحقيق المقام.
نهى الله المؤمنين أن يكون خروجهم إلا شكرا وتواضعا لله، وإخلاصا له عكس هؤلاء الكفار فى خروجهم، وزادوا أيضا بطرا ورياء حين بلغوا الجحفة، أرسل إليهم أبو سفيان: ارجعوا فقد نجت عيركم ورجالكم، فقال أبو جهل: لا والله حتى نرد بدرا ونشرب الخمور، وتعزف أى تغنى وتضرب الدفوف القينات، أى الإماء، ونطعم من حضر من العرب، وتسمع بنا العرب، فلا تزال تهابنا.
وذكر الشيخ هود: أن إبليس آتاهم فى صورة سراقة بن مالك، فقال: يا قوم لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، وإنى جار لكم من كنانة أن يأتيكم من كنانة ما تكرهون، والمشهور أن هذا حين الخروج من مكة لا فى الجحفة، ولعله قاله أيضا فى الجحفة لئلا يستعجل الرجوع مخافة من كنانة، وتفسير بعضهم البطر فى الآية والرياء بما قالوا وبما فعلوا فى الجحفة، لا يصح إلا على قول من لم يشترط فى المفعول لأجله اتحاد زمانه وزمان عامله، فإن بطرا ورياء مفعول لأجلهما، والثانى بواسطة العطف، أو على جعلهما حالين مقدرتين على طريق المبالغة، بأنهم نفس البطر والرياء، أو على تقدير ذوى بطر ورياء، أو بطرين ومرائين، لكن على أن التقدير فى الحال المقدرة يجوز من غير صاحبها، ولم يجوزه ابن هشام.
قال جار الله: فوافوها يعنى بدرا، فسقوا كأس المنايا مكان الخمور، وناحت عليهم النوائح مكان القينات. انتهى، ولله در ابن جابر الأندلسى إذ قال:

بدا يوم بدر وهو كالبدر حَوله كواكبُ فى أفْق المواكب تتجلى
وجبريلُ فى جُند الملائك دونه فلم تغْنِ أعداد العدو المخذلى
رمى بالحصى فى أوجه القوم رميةً فشرَّدهم مثل النعام المجفَّل
وجادلهم بالمشرفىّ فسلَّموا فجادله بالنَّفس كل مجدل
عبيدةُ سَل عنْهم وحمزة واسْتَمع حديثهم فى ذلك اليوم من عَلى
هم عتبُوا بالسَّيف عتبة إذ غدا فذاقَ الوليدُ الموتَ ليس لَه ولى
وشيبةُ لما شابَ خوفاً تبادرت إليه العوالى بالخِضَاب المعجَّل
وجال أبو جَهْل فحقق جهله غداة تردَّى بالرَّدى عن تذلل
فأضحى قليباً فى القليب وقومه يؤمُّونه فيها إلى شر منهل
وجاءهُم خير الأنام مُوبخاً ففتَّح من أسماعهم كل مقفل
وأخبر ما أنتم بأسْمع منْهم ولكنَّهم لا يهتَدون لمقْوَل
سلُوا عنْهم يومَ السَّلا إذ تضاحَكُوا فعادَ بكاءً عاجلا لم يؤجَّل
ألم يعلَموا علم اليقين بصدْقِه ولكنَّهم لا يرجِعُون لمعقل
فيا خيْرَ خَلق اللهِ جاهكَ مُلجئٌ وحبُّك ذُخْرى فى الحساب وموئلى
عَليك صلاةٌ يشْمَل الآل عرفها وأصْحابك الأخْيار أهل التفضُّل

{ويصدُّونَ} يمنعون الناس {عَنْ سبيلِ الله} الجملة مستأنفة أو حال بتقدير المبتدأ أو بلا تقديره عند بعض أو معطوفة على بطرا أو رياء إذا جعلا حالين، وأولى ببطرين ومرائين، أو على خرجوا أو على بطرا أو رياء إذا جعلا مفعولا لأجلهما على حذف حرف المصدر، ورفع الفعل، والأصل وإن يصدوا أى وصدا لكن هذا يصح على عدم شرط اتحاد الزمان، أو يكون الصد فى خروجهم نفسه {واللهُ بما يعْملُون مُحيطْ} لا يخفى عليه شئ فهو معاقبهم عليه.