التفاسير

< >
عرض

الۤـمۤ
١
-البقرة

جواهر التفسير

كلمات تسرد سردا غير مركبة تركيب الجمل، افتتحت بها هذه السورة، وشقيقتها ثانية الزهراوين من السور المدنية، كما افتتحت بها وبنظائرها من قبل سبع وعشرون سورة مكية، وهي كلمات ذات غرابة طبعا، إذ لم يكن مألوفا أن تسرد هذا السرد في غير التهجي، ومع ذلك لم تكن العرب على معرفة بالقراءة والكتابة إلا قليلا منهم فلا غرو إذا لم يكن جمهورهم بحاجة إلى معرفة هذه المصطلحات في تسمية الحروف التي تتكون منها كلماتهم، لأن السليقة كانت هي الينبوع لبيانهم.
مقاصد هذه الكلمات المقطعة:
وبدهي أن تختلف الآراء وتتعدد الأقوال في تحديد مقاصد هذه الكلمات، واستظهار معانيها.
ومهما يكن فإن هذه الفواتح وأمثالها هي أسماء ومسمياتها الحروف الهجائية التي تتركب منها المفردات، وهذا واضح لانطباق حد الاسم عليها، ولأنها تعتورها علاماته كالتعريف والاسناد، والجمع والاضافة والجر، ووصفها بالحرفية لا يعدو أن يكون مجازا، لأن مدلولاتها - وهي أحرف الهجاء - حروف.
وإيضاح ذلك أن الباء - مثلا - اسم، ومسماه أول حرف من بان وباع، وأوسط حرف من جبن وقبع، وآخر حرف من ضرب وجرّب.
فإذا أردت النطق بالمسمى وحده وهو الحرف، قلت (بَه) بإدخال هاء السكت، وقس على ذلك سائرها، ولا يرد على ذلك ما أخرجه البخاري في تاريخه والترمذي والحاكم وصححاه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول {ألم} حرف، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" . وفي رواية عند الترمذي والدارمي: "لا أقول {ألم} حرف وذلك الكتاب حرف، ولكن الألف حرف، واللام حرف، والميم حرف، والذال حرف، والكاف حرف" . لأن الاصطلاح على تقسيم أنواع الكلام إلى اسم وفعل وحرف إصطلاح طارىء لا يحمل عليه الكلام النبوي الشريف، وقد كانوا قبل حدوث هذا الاصطلاح يطلقون الحرف على الحروف البسيطة، التي يتركب منها الكلام، وهي مسميات هذه الكلمات كما قلنا، وربما أطلقوه تجوزا على نفس الكلمات، والرسول صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: "لا أقول الم حرف .." الخ، دفع ظن التجوز، والظاهر ما حرره بعض المفسرين أن المراد من الحديث بيان أن الحسنات على تلاوة القرآن تكون بحسب حروفه المكتوبة إذ لو كانت بحسب النطق لعدت (ألف) ثلاثة أحرف، ويؤيده ما في رواية الترمذي والدارمي من زيادة: "والذال حرف والكاف حرف" فإن الذال بمدها تتولد من فتحتها ألف، فلو اعتبر التلفظ لكان الجدير باعتبارها مع مَدتها حرفين، ويومئ إلى ذلك التعبير بكتاب الله المفهم للكتابة دون كلام الله أو القرآن.
إعراب هذه الكلمات:
وإذا عرفت أنها أسماء فاعلم أنها غير مبنية، لأن الاعراب هو الأصل فيها، ولكنها سكنت أعجازها هنا لأجل معاملتها معاملة الاسم الموقوف عليه، لأنها سردت سردا من غير أن تلحقها عوامل تقتضي حالة من حالات الاعراب.
معانيها:
أما معانيها في طلائع السور فقد اختلف فيها المفسرون سلفا وخلفا، ونستطيع أن نرد آراءهم إلى موقفين؛ موقف الذين تهيبوا من الخوض في معانيها حذرا من الانزلاق، لأنهم عدوه من التقول على الله بغير علم، وليس الموقف بالهيّن، فالكلام كلام الله، ونسبة ما لم يرده تعالى إليه كنسبة ما لم يقله.
وموقف الذين تجاسروا على القول فيها بحسب ما توحي به القرائن، وترشد إليه الدلائل، ولم نعثر في هذه الفواتح على شيء يعزى إلى النبي صلى الله عليه وسلم من تفسيرها ولو من وجه ضعيف، ولو حصل وثبت لتبخر النزاع، وزال الشقاق لوجوب التسليم له عليه أفضل الصلاة والسلام، فهو أعلم بالتنزيل ومقاصده، والتأويل وطرائقه، ولكلا الفريقين حجة يستندون إليها.
استدلال من لا يرى الخوض في معانيها:
أما الأولون فقد احتجوا بالمعقول والمنقول:
أما المعقول؛ فهو أن الله سبحانه تعبدنا بأعمال منها ما نعرف حكمته، ومنها ما لا نعرف، فالصلاة والزكاة والصوم كلها عبادات ذات أثر واضح، ومنفعة بينة في حياة العابد الشخصية والاجتماعية، فإن الصلاة بما فيها من تذكير بالله وقدرته وسلطانه ومنته وإحسانه، تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تسد بها حاجات الفقراء، وتنتزع من قلوبهم كراهة الأغنياء مع أثرها الطيب في نفس المزكي، عندما تطهرها من رجس شهوة المال، فمنفعتها عائدة على الجانبين، والصوم وسيلة للحد من طغيان الشهوة، وكسر شوكتها، ورد جماحها، مع ما فيه من تذكير الأغنياء بآلام البؤساء الجائعين.
وبجانب هذه العبادات ذات المنافع المعقولة، والحِكَم الواضحة، ثَمّ عبادات أخرى لا سبيل لنا إلى استظهار حكمتها، كرمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة، والرَّمَل والاضطباع، وكما كان لائقا بحكمة الله أن يأمر عباده بالنوع الأول يليق بحكمته كذلك الأمر بالنوع الثاني من غير خلاف، وقد يكون الامتثال في هذا النوع أدل على الاذعان والطاعة، لأن فاعله لا يدرك له حكمة، ولا يلمس منه منفعة عاجلة، بخلاف النوع الأول، إذ ليس من المستحيل أن يكون إتيانه لمعرفته بمنفعته، وإذا جاز ذلك في التعبد العملي، فلم لا يجوز في التعبد القولي؟ وهو أن يأمرنا الله أن نعبده تارة بما نفهم معناه من الكلام، وتارة بما لا نفهم، ليتجلى الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، هذا بجانب كون غموض المعنى من اللفظ داعيا إلى الالتفات إليه، والتعلق به، والتفكر فيه خصوصا عند ما يعلم أنه صادر من أحكم الحاكمين، وهذا التعلق باللفظ هو في حقيقته تعلق بالله عز وجل، الذي أنزله بعلمه، وذلك هو عين الذكر وروح العبادة.
وأما المنقول؛ فهو دلالة القرآن نفسه على انقسامه إلى محكم ومتشابه، وجاء فيه عن المتشابه
{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ } [آل عمران: 7] والوقف هنا ضروري لأسباب؛
أحدها: أنه لو عطف الراسخون في العلم على اسم الجلالة للزم إما انقطاع {آمنا به} عما قبله، وهو غير جائز لعدم إفادته، وإما رجوعه إلى المعطوف والمعطوف عليه، فيترتب عليه أن يكون الحق تعالى قائلا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} واعتقاد ذلك عين الكفر ورأس الضلال.
ثانيها: ان مدح الراسخين في العلم بإيمانهم به دليل على أنه يختلف عن المحكم الذي فهموه، ولو كانا سواء في فهمهم لما كان لهذا التخصيص معنى.
ثالثها: نسبة الزيغ إلى الذين يريدون تأويله ولو كان كالمحكم لكان طلب معرفته موجبا للمدح لا للذم.
وعزّز هؤلاء رأيهم بأنه مروي عن أجلّة الصحابة - رضوان الله عليهم - منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود وابن عباس، وهو قول جماعة من أعلام الأمة كالشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، وكثير من المحدثين.
حجة الفريق الثاني:
وأما الآخرون فاحتجوا أيضا بالمعقول والمنقول، أما المعقول فمن وجوه:
أحدها: أنه لو تعذرت معرفة شيء من القرآن على أفهام الأمة ما كانت لإِنزاله فائدة، وكانت مخاطبة الناس به كمخاطبة العربي بالأعجمية، أو الأعجمي بالعربية.
ثانيها: أن الخطاب إنما يوجه إلى المخاطبين لأجل الافهام، فإن تعذر فهمه عليهم جميعا فهو عبث وسفه لا يليق بمقام الربوبية.
ثالثها: أن القرآن متحدًى به ولا يتحدى إلا بالمعلوم.
وأما المنقول فبعضه من القرآن وبعضه من السنّة، فمن القرآن قوله تعالى:
{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ } [محمد: 24]، فإن التوبيخ على عدم تدبره لا يكون إلا لأن تدبره مطلوب، وهو دليل إمكان فهمه، إذ لو كان متعذر الفهم ما كانت في تدبره فائدة. وفي معنى ذلك قوله: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } [النساء: 82]، ومن البدهي أن معرفة سلامته من التناقض تتوقف على فهم جميع معانيه. وقوله: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [الشعراء: 192 - 195]، فإن الانذار يتوقف على فهم المنذرين بما أنذروا به، وهذه الآيات دالة على أن الانذار بجميع التنزيل، فليس من المعقول أن يكون منه ما لا يفهم معناه، ويزيد ذلك تأكيدا ووضوحا قوله: { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ } [الشعراء: 195]. ومن المعلوم أن العرب أول من خوطبوا به، وهو بلسانهم المبين، ولو لم تصل أفهامهم إلى شيء منه لكان في ذلك ما يدعوهم إلى رفضه، والطعن في وصفه بالإِبانة، فإن هذا الوصف يتنافى مع بقاء شيء منه غامض المعنى. وقوله تعالى: { لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: 83]، فإن الاستنباط يتوقف على الإِحاطة بالمعنى. وقوله: { تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ } [النحل: 89]. وقوله: { قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [المائدة: 15]. وقوله: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [العنكبوت: 51]. وقوله: { هَـٰذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } [ابراهيم: 52]. وقوله: { قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } [النساء: 174] وغير هذه من الآيات الدالة على أن القرآن ميسر فهمه، واضح معناه، مبشر ومنذر، وهاد إلى طريق مستقيم.
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم:
"إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا؛ كتاب الله وسنتي" .
وحديث علي في وصفه: "فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم" الخ.
في المسألة مجال للاجتهاد:
وأنت تدري أن أمثال هذه الحجج التي استند إليها كلا الفريقين، ليس فيها ما يقطع به صحة أحد الرأيين، فتبقى المسألة مجالا للاجتهاد. ومن تجاسر على الخوض في تفسير هذه الفواتح ليس له أن يقطع بأن ما قاله هو عين المراد بها، فإن غاية ما في أقوال الخائضين في تفسيرها، الاستناد إلى قرائن قد تكون صحيحة أو غير صحيحة، وإنما يستأنس بجواز فهم معانيها بعدم وجود ما يدل على استنكار العرب الجاهليين لها مع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن عليهم، بل أثر ما يدل على تأثر بعضهم مع سماع سورة مفتتحة بها، وهو عتبة بن ربيعة، الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه عروضا في مقابل تنازله عن دعوته، فأسمعه النبي صلى الله عليه وسلم سورة (فصلت)، فلما وصل إلى قوله عز وجل:
{ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } [فصلت: 13]، وضع يده على في رسول الله صلى الله عليه وسلم إشفاقا من نزول العذاب، وانصرف إلى قومه طالبا منهم أن يكفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر أنه استنكر شيئا مما سمعه. وكان سبب إسلام عمر - رضي الله عنه - ما قرأه عند أخته من سورة (طه)، ولو كان شيء مما سمعاه لا تستسيغه فهوم العرب لما كان منهما هذا التأثر، بل لأدى ذلك إلى سخريتهما واستخفافهما به، كما يستأنس للجواز بما روي عن الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - من تفسير هذه الكلمات، فإن معظم من روى عنهم التوقف عن القول فيها، رويت عنهم كذلك أقوال في بيان معانيها.
الأقوال الواردة في معانيها:
ونسب ابن عطية وأبو حيان والزمخشري جواز تفسيرها إلى الجمهور ونسبه الفخر إلى المتكلمين، وهؤلاء اختلفوا في المراد بها على نحو مائة قول أكثرها ليس له قسط من الدليل، بل مسحة كذب أهل الكتاب ظاهرة على كثير منها، ورد العلامة ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير) هذه الأقوال بعد حذف متداخلها وتوحيد متشاكلها، إلى عشرين قولا، وقد رأيت أن أقتصر عليها مع الافاضة فيها بتفصيل أدلتها وعزوها إلى أصحابها، وتبيان ما قيل فيها قبولا وردا، وإليكموها على الترتيب:
أولها: أنها حروف اقتضبت من أسماء وصفات لله عز وجل افتتحت بحروف مماثلة لها، فـ {ألم} مثلا؛ الألف تشير إلى أحد أو أول أو آخر، واللام إلى لطيف، والميم إلى ملك أو مجيد أو نحو ذلك. وهو المفهوم مما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: أما {ألم} فهو حرف اشتق من حروف هجاء أسماء الله جل ثناؤه. وأخرج ابن جرير أيضا عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: {الم} و {حم} و {ن}، قال: اسم مقطع. وروي مثل ذلك عن محمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس، واعترض عليه بأن صحة ما قالوه يتوقف على التوقيف وأنى لهم به.
ثانيها: أنها رموز لأسماء الله تعالى وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم والملائكة، فـ {الم} مثلا، الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد. قاله الضحاك، وهو كالذي قبله في توقف صحته على التوقيف.
ثالثها: أنها أسماء للملائكة، وأنها إذا تليت كانت للنداء لملائكتها وتصغي الملائكة إلى ما يقوله التالي بعد النطق بها، فيقولون: صدقت؛ إن كان ما بعدها خبر، ويقولون: هذا مؤمن حقا، نطق حقا، وأخبر بحق، فيستغفرون له، وهو قول محيي الدين بن عربي صاحب الشطحات الصوفية المتطرفة في كتابه (الفتوحات المكية) وما هو إلا خبط بلا هاد ولا نظر، فإنه قول بعيد عن أسلوب القرآن ومقاصده.
رابعها: أنها رموز لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه خاصة، فالألف مكنى به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف، كأحمد وأبي القاسم، واللام مكنى به عن صفاته مثل لب الوجود، والميم مكنى به عن محمد، وما ماثله كمبشر ومنذر، ونسب ابن عاشور هذا القول إلى الشيخ محمد بن صالح التونسي المعروف بابن ملوكة في رسالة له، ثم قال: وعلق على هذه الرسالة تلميذه شيخ الاسلام محمد معاوية تعليقة أكثر فيها من التعداد وليست مما ينثلج بمباحثه الفؤاد، ويرد هذا القول إلتزام حذف حرف النداء، وما قاله من ظهوره في {يس} مبني على قول من قال إن {يس} بمعنى يا سيِّد، وهو ضعيف لأن الياء فيه حرف من حروف الهجاء، ولأن الشيخ نفسه عدّ {يس} بعد ذلك من الحروف الدالة على الأسماء مدلولا لنحو الياء من {كهيعص}.
خامسها: أنها رموز لمدة دوام هذه الأمة بحساب الجمل، قاله أبو العالية استنادا إلى ما رواه البخاري في تأريخه وابن اسحاق وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبدالله بن رئاب، قال:
"مر أبو ياسر ابن أخطب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}، فأتى أخاه حيي ابن أخطب في رجال من يهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله عز وجل عليه {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} فقالوا: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد؛ ألم يذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله جل ثناؤه قبلك أنبياء، ما بيّن لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب - وأقبل على من كان معه -: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، قال: فقال لهم: أتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد؛ هل مع هذا غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: {المص} قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستون سنة، هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال: ماذا؟ قال: {الر} قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مئتان، فهذه إحدى وثلاثون ومئتا سنة. قال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: نعم؛ {المر} قال: فهذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة. ثم قال: لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا، ثم قاموا عنه. فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد، إحدى وسبعون، وإحدى وستون مائة، ومئتان وإحدى وثلاثون، ومئتان وإحدى وسبعون، فذلك سبعمائة سنة وأربع وثلاثون. فقالوا: لقد تشابه علينا أمره" . قال ابن جرير: ويزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم: { هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [آل عمران: 7].
وليس في هذه القصة دليل على صحة هذا القول، ولو قدرنا صحتها - فما بالكم وسندها ضعيف بالاتفاق - فإن القرآن لا يعول في تفسيره على خرافات أهل الكتاب التي لا تستند إلا على الأوهام، وليس في إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم بعدة حروف أخرى من هذه الحروف المتقطعة في أوائل السور تقرير لما ذهبوا إليه من أنها ترمز إلى مدة بقاء هذه الأمة، وإنما يحمل ذلك - لو صح وما هو بصحيح - على قصده عليه أفضل الصلاة والسلام إبطال مزاعمهم وتفنيد فهومهم على الطريقة المعروفة عند أهل الجدل بالنقض، ومرجعها إلى المنع، وقد قيل إن المانع لا مذهب له، ولا يستفاد من ضحكه صلى الله عليه وسلم إلا الاستغراب من جهلهم. أفاد ذلك الإِمام ابن عاشور.
وإن تعجب فعجب كيف يستند أئمة التفسير في بيان مراد الله من كتابه بدعاوى أهل الكتاب الذين لا يتورعون عن تحريف الكلم عن مواضعه في الكتاب الذي أوتوه، فما بالك بتحريف التأويل فيما هم بصدد اللدد والكيد له، وتكذيب الرسول الذي أنزل عليه ومثل هذه الأقوال جديرة بنفيها عن ساحة التفسير، وعدم شغل دواوينه بذكرها، لولا بغية التحذير منها والتنبيه على زيفها حذر اغترار العامة بها أثناء اطلاعهم عليها في أمهات التفسير القديمة.
سادسها: أنها رموز؛ كل حرف منها رمز إلى كلمة، فنحو {الم} أنا الله أعلم، و{المر} أنا الله أرى، و{المص} أنا الله أعلم وأفصل. رواه ابن جرير من طريق أبي الضحى عن ابن عباس، وروى مثله عن سعيد بن جبير، وهو كالقول الثاني مبني على ما عرف عن العرب أنهم يتكلمون بالحروف المقطعة أحيانا بدلا من الكلمات التي تتألف منها، وهو معروف عنهم نظما ونثرا، ومنه قول زهير:

بالخير خيرات وإن شر فا .. ولا أريد الشر إلا أن تا ..

أراد: وإن شر فشر، وأراد: إلا أن تشا، فاكتفى من كل كلمة بحرف، وقول آخر:

ناداهم أن الجموا الا تا .. قالوا جميعا كلهم ألا فا ..

أراد بالأول: ألا تركبون، وبالثاني: ألا فاركبوا. وقول الوليد بن المغيرة:

قلت لها قفي لنا قالت: قاف.

أراد: قد وقفت. وفي الحديث: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" هو أن يقول كلمة: أقـ .. مكان أقتل. وفي حديث سعد بن عبادة عند ابن ماجة: "كفى بالسيف شا.." أي شاهدا.
وقال لبيد:

درس المنا .. فمتالع فابان فتقادمت بالحبس فالسوبان

أراد المنازل. وقال علقمة الفحل:

كان إبريقهم ظبي على شرف مقدم بسبا .. الكتّان ملثوم

أراد بسبائب الكتان.
وهو - كما قال العلامة ابن عاشور - يوهنه أنه لا ضابط له، لأنه أخذ مرة بمقابلة الحرف بحرف أول الكلمة، ومرة بمقابلته بحرف وسط الكلمة، وما ذكر من الشواهد لا يصح حمل فواتح السور عليه لاختلاف المقام، وانعدام النسبة التي تسوغ تخريج القرآن على مثل ذلك.
سابعها: أنها ترمز إلى أحوال نفسية تترتب على تزكية القلب، وتحلية النفس بالحقائق الايمانية، وهو مبني على اعتبار عدد الحروف المفتتح بها بتكرارها فهي ثمانية وسبعون حرفا، ويشار بها إلى شعب الايمان في حديث أبي هريرة:
"الايمان بضع وسبعون شعبة" ، فهذه الحروف هي شعب الايمان، ولا تكمل لأحد أسراره حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها، والبضع يصدق على الثمانية فهي المرادة به، وقد أطال صاحب الفتوحات في الانتصار لهذا القول بما أورده من الرموز الصوفية التي لا يكاد يفهم لها معنى، وتابعه الألوسي في "روح المعاني"، وليس ذلك لعمري إلا من شطحات الغلاة التي يجب تنزيه القرآن وتفسيره عنها، وما كان ذكري لهذا القول إلا للتحذير من الاغترار به كما تقدم في نظيره.
وهذه الأقوال السبعة تخرج من باب واحد وهو اعتبار الحروف رموزا إما إلى كلمات اقتطعت منها، أو إلى حقائق تشير إليها.
ثامنها: أنها أسماء للسور التي افتتحت بها، وهو قول زيد بن أسلم، ونسب إلى الخليل وسيبويه، وقال به جم غفير من السلف والخلف، واختاره الفخر الرازي، وعزاه إلى أكثر المحققين، كما عزاه الزمخشري إلى الأكثر، واقتصر عليه الامام محمد عبده، وأقره تلميذه السيد محمد رشيد رضا في تفسير سورة البقرة من "المنار"، ونظروه بالتسمية لما أشبه أسماء الحروف كـ (لام) اسما لوالد حارثه بن لام الطائي، و(عين) اسما للذهب والشمس ومنبع الماء وحاسة البصر، و(غين) اسما للسحاب، و(نون) اسما للحوت، و(ق) اسما لجبل موهوم، و(حا) اسما لقبيلة من مذحج. وأيدوه بقول شريح بن أوفى:

يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم

واعترض بأمور:
الأول: أن الاشتراك بين مجموعة من السور في فاتحة من هذه الفواتح بعينها كـ {الم} و{حم} يفقد فائدة التسمية لها.
الثاني: أن التسمية تقتضي الاشتهار ولم تشتهر هذه السور بها، وإنما اشتهرت بأسماء أخرى، كالبقرة وآل عمران ويونس وهود ويوسف.
الثالث: أن العرب لم تتجاوز فيما سمت به مجموع اسمين كمعدي كرب، وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء أو أربعة أو خمسة، فالقول بأنها أسماء لسورها خروج عن لغتهم.
الرابع: وجوب التغاير بين الإِسم والمسمى والقول بإسميتها يقتضي اتحادهما.
الخامس: أن هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على جميعه رتبة، واسمه متأخر عنه، فيلزم أن يكون متقدما متأخرا معا، وهو محال.
وأجيب عن الأول بأن الأعلام كثيرا ما تكون مشتركة بين الناس أو البلدان أو غيرهما، وإنما صح الاشتراك لأن العلم يوضع لكل واحد وضعا مستقلا، وما يتبع هذه التسميات من الإِضافات وغيرها كاف لتعيين المراد بها.
وعن الثاني بأنه ورد عنه صلى الله عليه وسلم:
"يس قلب القرآن" ، و "من قرأ حم حفظ إلى أن يصبح" . وفي السنن وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في (ص) وإذا ثبت في البعض ثبت في الجميع إذ لا فارق، واشتهار أحد العَلَمين لا يضير عَلَمية الآخر، فكثير من الأسماء مجهولة لا يتوصل إلى معرفتها إلا بعد التفتيش لغلبة الكنى أو الألقاب عليها، كأبي هريرة وذي اليدين، وقد يكون عدم الإِشتهار لنفس الاشتراك فيترك لاحتياجه إلى ضميمة، كـ {الم} هنا.
وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء فما فوق إنما تمتنع إذا ركبت تركيبا مزجيا، وجعلت إسما واحدا، أما إذا نثرت نثر أسماء الأعداد فلا تمتنع لأنها من باب التسمية بما حقه الحكاية، وقد وردت التسمية بجملة تركبت من أكثر من كلمتين: كشاب قرناها، وسر من رأى، وناهيك أن سيبويه سوى بين التسمية بالجملة، والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم.
وعن الرابع بأن التغاير الحاصل بين الكل والجزء كاف لتسويغ تسمية أحدهما بالآخر، ولذلك كان الحرف الهجائي المسمى جزءا من إسمه في الغالب، فلا مانع من العكس، على أن تسميات سور القرآن غالبا تكون كلمة مأخوذة من السورة المسماة.
وعن الخامس: بأن التقدم والتأخر إنما هما بحسب الاعتبارات، فالجزء مقدم على الكل من حيث ذاته، ومؤخر عنه من حيث الوصف وهو الإِسمية إن اعتبر اسما له، وقد سبق في الجواب الذي قبله أن غالب التسميات المشهورة لسور القرآن تكون بانتزاع كلمات منها كالبقرة وآل عمران والنساء والمائدة، والأنعام وهلم جرا.
تاسعها: أنها أسماء للقرآن ذكره ابن جرير ونسبه إلى قتادة ومجاهد وابن جريج، ونسبه غيره إلى الكلبي والسدي، ورده ابن عاشور لأنه قد وقع بعد بعضها ما لا يناسبها أن لو كانت أسماء للقرآن، نحو {الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ} و{الۤـمۤ أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ..}.
عاشرها: أن كل مجموعة مركبة منها هي اسم من أسماء الله، واستؤنس له بما روي عن علي أنه كان يقول:
يا كهيعص، يا حم عسق. وعليه فالحروف المفردة يرجع بها إلى ما يناسبها أن تندرج تحته من الأقوال، وأبطله ابن عاشور لعدم الإِرتباط بين بعضها وما بعده بحيث يسوغ أن يكون خبرا أو نحوه عن اسم الله، مثل {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} و
{ الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ .. } [إبراهيم: 1 - 2].
الحادي عشر: أنها أفعال، فإن حروف {ألم كتاب} هي نفس الحروف التي في {ألم} بمعنى نزل، فالمراد من {الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ..} نزل عليكم قاله الماوردي، ورد بأنه لا تقرأ بصيغ الأفعال مع عدم إمكان حمل جميعها على هذا التأويل نحو {كهيعص، والر} وهو كما قيل لولا غرابته لكان حريا بالإِعراض عنه.
وهذه الأقوال الأربعة ترجع إلى اعتبار أن هذه الحروف وضعت بتلك الهيئات أسماء أو أفعالا.
الثاني عشر: أن هذه الحروف أقسام أقسم الله بها كما أقسم بالقلم تنويها بشأنها، لأن أسماء الله تألفت من مسمياتها، وهي كذلك أساس التخاطب، ومصدر العلوم، وهذا القول نسبه ابن جرير إلى ابن عباس وعكرمة، ونسبه غيره إلى الأخفش، وضعف بحذف حرف القسم مع أنه لا يحذف عند البصريين إلا مع اسم الجلالة، وورود أقسام بعدها في بعض المواضع نحو {نۤ وَٱلْقَلَمِ} و {حمۤ وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} مع استكراههم الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد، وفي كلا الأمرين بحوث متسعة آثرنا ضرب الصفح عن ذكرها رغبة في تجريد هذا التفسير من التعقيدات الناشئة عن البحوث العربية وغيرها.
الثالث عشر: أنها سيقت على طريقة التهجي مسرودة على نمط التعديد في التهجية، لإِيقاظ شعور السامعين، وإثارة فكرهم، ليدركوا أن هذا الكتاب - الذي تحدوا ببلاغته، وحاروا عندما طولبوا بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله وهم فرسان البلاغة القابضون على نواصيها والرائضون لعاتيها ومستعصيها - إنما هو من جنس كلامهم الذي ألفوه، وحروفه هي نفس الحروف التي يصوغون منها كلامهم، فلو كان صادرا عن ملكات البشر لكان بإمكانهم أن يعارضوه فيقابلوا الكلمة بكلمات، والسورة بسور، ولكن عجزهم دل على أنه فوق مدارك الأفهام، وأسمى من أن تناله ملكات الأنام، فهو من عند الله الذي لا يكتنه عظمه، ولا يقدر قدره.
وهذا القول منسوب إلى المبرد وقطرب والفراء، وعليه ابن تيمية والحافظ المزي شيخ ابن كثير المفسر، وانتصر له الزمخشري في كشافه أتم الانتصار واختاره الامام ابن عاشور، وذكر أن المناسبة لوقوعها في فواتح السور ان كل سورة مقصودة بالإِعجاز لقوله تعالى:
{ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ .. } [البقرة: 23]، فناسب افتتاح ما به الإِعجاز بالتمهيد لمحاولته، وأيده بأن التهجي ظاهر في هذا المقصد، فلذلك سكتت عنها العرب لظهور أمره، لأن التهجي معروف عندهم، فإذا ذكرت حروف الهجاء على تلك الكيفية التي عهدت في التعليم في غير مقامه أدرك السامعون أنهم عوملوا معاملة المتعلم لتشابه الحالين في العجز عن الإِتيان بكلام بليغ، وفي هذا تعريض بهم بمعاملتهم معاملة الصبيان أول تعليمهم القراءة والكتابة، وفي ذلك ما لا يخفى من الإِغراء والإِثارة على التحدي والمعارضة، كما أيده أيضا بأن معظم هذه الحروف نزلت في أوائل السور المكية، وإنما شاركتها من المدنية البقرة وآل عمران، ولعل ذلك لنزولهما بُعَيْدَ الهجرة من مكة، وقصد التحدي في القرآن المكي قصد أولي وعضده أيضا بأن الحروف المختتمة أسماؤها بألف ممدودة كالياء والهاء والراء والطاء والحاء، قرئت في هذه الفواتح مخففة على طريقة تهجي الصبيان.
وللسيد محمد رشيد رضا في تفسير فاتحة الأعراف بحث نفيس بيّن فيه تناسب هذه الفواتح مع ما بعدها، ومن الممكن أن يستنتج من هذا البحث تأييد هذا الرأي، وإن كان هو نفسه أميل إلى القول بأنها أسماء للسور في بعض ترجيحاته، وخلاصة بحثه أن الغرض من افتتاح هذه السور بهذه الفواتح تنبيه السامع بهذا الصوت إلى ما سيلقى إليه بعده من الكلام حتى لا يفوته منه شيء، فهي شبيهة بألا الافتتاحية، وها التنبيهية، وإنما خصت بها سور معينة من الطوال والمئين والمثاني والمفصل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلوها على المشركين بمكة لدعوتهم بها إلى الاسلام، وإثبات الوحي والنبوة، وكلها مكية ما عدا الزهراوين، والدعوة فيهما موجهة إلى أهل الكتاب، وفي كلها يلي هذه الفواتح ذكر الكتاب ما عدا مريم والعنكبوت والروم و(ن)، وفي كل منها معنى مما في هذه السور يتعلق بإثبات النبوة والكتاب، فأما سورة مريم فقد ثني فيها بتفصيل قصتها بعد افتتاحها بقصة زكريا ويحيى المشابهة لها، وتليت القصتان بذكر رسالة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس مبدوءا كل منها بقوله تعالى:
{ وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ .. } [مريم: 16، 41، 56،51].
والمراد بالكتاب القرآن، فكأنه قال في كل من قصة زكريا ويحيى وقصة مريم وعيسى واذكر في الكتاب، وذكر هذه القصص في القرآن من دلائل كونه من عند الله تعالى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم ذلك، ولم يكن قومه على علم به كما صرح به في سورة هود بعد تفصيل قصة نوح مع قومه بقوله:
{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [هود: 49]، وكما قال في آخر سورة يوسف بعد سرد قصته مع إخوته: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } [يوسف: 102]. وختمت هذه السورة - أي سورة مريم - بإبطال الشرك وإثبات التوحيد، ونفي اتخاذ الله تعالى للولد، وتقرير عقيدة البعث والجزاء، فهي بمعنى سائر السور التي كانت تتلى للدعوة، ويقصد بها إثبات التوحيد والبعث ورسالة خاتم النبيين، وصدق كتابه الحكيم.
وأما سورة العنكبوت وسورة الروم فقد افتتحت كل منهما بعد {الم} بذكر أمر من أهم الأمور المتعلقة بالدعوة، فالأول الفتنة في الدين، وهي إيذاء الأقوياء للضعفاء، واضطهادهم لأجل صرفهم عن دينهم بالقوة القاهرة.
كان مشركو قريش يظنون أنهم يطفئون الإِسلام ويبطلون دعوته بفتنتهم للسابقين إليه لا سيما الضعفاء الذين لم يكن لهم ناصر من الأقوياء بحمية نسب ولا رابطة ولاء، وكان المضطهدون من المؤمنين لا يدركون حكمة الله في ظهور أعدائه عليهم، فبين الله في فاتحة هذه السورة أن الفتنة في الدين من سننه تعالى في نظام الاجتماع، يمتاز بها الصادقون من الكاذبين، ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وتكون العاقبة للمتقين الصابرين، فكانت السورة جديرة بأن تفتتح بالحروف المنبهة لما بعدها.
والأمر الثاني الذي افتتحت به سورة الروم هو الإِنباء بأمر وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل وصول خبره إلى قومه، والإِنباء بما سيعقبه مما هو في طوايا الغيب، ذلك أن دولة فارس غلبت الروم في القتال الذي كان قد طال أمره بينهما، فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبأن الأمر سيدول وتغلب الروم الفرس في مدى بضع سنين، وقد صدق الخبر ونجز الوعد، فكان كل منهما معجزة من أظهر معجزات القرآن، والآيات المثبتة لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو فات مَن تلاها عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مِن أولها لما فهموا مما بعدها شيئا، فكانت جديرة بأن تبدأ بهذه الحروف المسترعية للأسماع، المنبهة للأذهان، وكان هذا بعد انتشار الاسلام بعض الانتشار وتصدي رؤساء قريش لمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة وتلاوة القرآن على الناس، ولا سيما في موسم الحج، وكان السفهاء يلغطون إذا قرأ ويصخبون، كما أخبر عنهم سبحانه في قوله:
{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26].
وأما سورة (ن) ففاتحتها وخاتمتها في بيان تعظيم شأن الرسول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، ودفع شبهة الجنون عنه، وهي أول ما نزل بعد سورة العلق وكانت شبهة رميه - حماه الله وكرمه - بتهمة الجنون مما يتبادر إلى الأذهان من غير عداوة ولا مكابرة، فإن رجلا أمينا فقيرا وادعا سَلَماً ليس برئيس قوم ولا قائد جند، ولم يكن ذا تأثير في الشعب بخطابة ولا شعر، يدعي أن جميع البشر على ضلال الكفر والفسق، وأنه مرسل من الله لهداية الخلق، وأن دينه سيهدي العرب والعجم، وإصلاح شرعه سيعم جميع الأمم، لا يستغرب من مدارك أولئك المشركين الجاهلين بسنن الله في الأمم، وآياته في تأييد المرسلين، أن يكون أول ما يصفون به صاحب هذه الدعوة قبل ظهور الآيات والعلوم بقولهم: إنه لمجنون، وبعد ظهورها بقولهم: ساحر أو كاهن أو مجنون، وبعد ظهور العلم والعرفان بقولهم: معلم مجنون:
{ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } [الذاريات: 52 - 53].
نعم؛ قد قيل إن (ن) هنا بمعنى الدواة، ولذلك قرن بالقلم لبيان أن هذا الدين يقوم بالعلم والكتابة، كما قال في أول ما نزل عليه قبلها:
{ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } [العلق: 3 - 4]. وقيل إنه بمعنى الحوت، لأن في السورة ذكرا لصاحب الحوت - يونس عليه السلام -، ولو صح هذا أو ذاك لما كتبت النون مفردة ونطقت ساكنة، بل كانت تذكر مركبة ومعربة، كقوله: { وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً .. } [الأنبياء: 87] وإنما يصح أن يكون فيها إشارة إلى ما ذكر كما يصح في سائر تلك الحروف أن تكون فيها إشارات إلى معاني معينة تظهر لبعض الناس دون بعض، أو غير معينة تذهب فيها الأفهام مذاهب تفيد أصحابها علما أو عبرة، بشرط أن تتفق مع هداية القرآن، وإن لم يصح أن يقال إنها مرادة لله تعالى بحسب دلالة الألفاظ العربية على معانيها.
وأتبع ذلك ذكر أمثلة، منها ما أوردناه في القول السادس عن بعض السلف أن هذه الحروف ترمز إلى أسماء وصفات وأفعال لله عز وجل.
ثم ذكر عقب هذا أن ما أورده من هذه المناسبات اللطيفة لا يتنافى مع ما اختاره في تفسير سورتي البقرة وآل عمران أن هذه الحروف أسماء للسور المصدرة بها.
والخلاصة أنه يستفاد من كلامه أن هذه الفواتح أريد بها التنبيه على ما سيعقبها كسائر أدوات الافتتاح - وهو رأي لعله لم يسبق إليه - غير أن كون القرآن لا يخرج وضعه في حروفه وكلماته عما تعورف عليه بين العرب يمنع ذلك، إذ لم يعهد من العرب التنبيه بمثل هذه الكلمات بل للتنبيه عندهم كلمات معهودة، والأقرب - حسبما أرى - أن تكون هذه المناسبات اللطيفة التي وفق هذا العلامة العَيْلم لاستظهارها مؤيدة لرأي من يرى أن سرد هذه الفواتح لتنبيه الغافلين بأن القرآن لم يأت بجديد من الحروف والكلمات عما هو معهود عند العرب وإنما سرت في حروفه وكلماته نفخة من روح الله عز وجل الذي أنزله بعلمه فتجاوز بلاغات جميع بلغاء الدنيا حتى أن الثقلين لو تظاهروا على الإِتيان بشيء من مثله لارتدوا خاسئين.
وما أروع التذييل الذي أتبعه شهيد الإِسلام سيد قطب في ظلاله، هذا الرأي الذي اختاره وعول عليه حيث قال: والشأن في هذا الاعجاز هو الشأن في خلق الله جميعا، وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس، إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات، فإذا أخذ الناس هذه الذرات فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرَّة أو آنية أو أسطوانة أو هيكل أو جهاز كائن في دقته ما يكون، ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة، حياة نابضة خافقة تنطوي على ذلك السر الالهي المُعْجِز سر الحياة، ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر، ولا يعرف سره بشر، وهكذا القرآن، حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلاما وأوزانا، ويجعل الله منها قرآنا وفرقانا، والفرق بين صنع البشر وصنع الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض، هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة.
الرابع عشرة: أنها أريد بها تعليم العرب الأميين للحروف المقطعة، كما يعلم الصبيان، فإذا وردت عليهم بعد ذلك مركبة كانت أسهل عليهم، وهو قول عبدالعزيز بن يحيى، وهذا لأن العرب ندر فيهم من قرأ وكتب لأن عنايتهم كانت موجهة إلى فنون الفروسية وطرائق القتال وكان جهلهم أهل بادية لا يدعوهم داع إلى تعلم الكتابة والقراءة، وإذا وجد بينهم من تعلمها فلا يكون إلا في الحواضر كحواضر اليمن والحجاز، ومع ذلك كانوا قلة نادرة مغمورة بالسواد الأعظم من الأميين ومن حيث أن القرآن نزل قاضيا على الأمية كانت مجموعة من سوره مفتتحة بهذه الفواتح المقتضبة للتهجي الذي هو مفتاح القراءة والكتابة.
واعترض بأن الحروف المصدرة بها في السور ليست جميع حروف المعجم وإنما هي نصفها كما بينه صاحب الكشاف وسيأتي إن شاء الله.
الخامس عشر: أنها حروف أريد بها التنبيه كأدوات النداء، نحو يا فلان التي يراد بها إيقاظ ذهن السامع وهو محكي عن ثعلب والأخفش وأبي عبيدة.
قال ابن عطية: كما يقول في إنشاد أشهر القصائد لا وبل: وفي معناه قول الفخر الرازي في تفسير فاتحة العنكبوت:
إن الحكيم إذا خاطب من يكون في محل الغفلة أو من يكون مشغول البال بشغل من الأشغال، يقدم على الكلام المقصود شيئا غيره ليلتفت المخاطب لسببه إليه، ويقبل بفكره عليه، ثم يشرع في المقصود، وذلك المقدم قد يكون كلاما ذا معنى مفهوم كقول القائل: اسمع واجعل بالك إلي وكن لي، وقد يكون شيئا هو في معنى الكلام المفهوم كقول القائل: أزيد ويا زيد وألا يا زيد، وقد يكون صوتا غير مفهوم كمن يصفر خلف إنسان ليلتفت إليه، وقد يكون ذلك الصوت بغير الفم كما يصفق الانسان بيديه ليقبل السامع عليه، ثم إن موقع الغفلة كلما كان أتم والمقصود كان أهم، كان المقدم على المقصود أكثر، ولهذا ينادى القريب بالهمزة فيقال: أزيد، والبعيد بيا، فيقال: يا زيد، والعاقل ينبه أولا فيقال: ألا يا زيد. ثم قال: إذا ثبت هذا فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان يقظان الجنان ولكنه إنسان يشغله شأن عن شأن، فحسن من الحكيم أن يقدم في خطابه حروفا هي كالمنبهات، ثم إن تلك الحروف إن كانت لا يفهم معناها كانت أتم فائدة لأن المقصود بها إقبال السامع على المتكلم لسماع ما بعدها، فلو كانت كلاما منظوما وقولا مفهوما لربما ظن سامعها أنها غاية المقصود، وليس شيء وراءها فيقطع التفاته عن المتكلم، أما إن كانت صوتا بلا معنى كانت أدعى إلى إقبال السامع واستدامة إصغائه للمتكلم لعلمه أن وراءها غاية لم يصل إليها.
وهذا القول يتفق مع ما تقدم نقله عن السيد رشيد رضا مما فصله في تفسير سورة الأعراف من المنار، وقد تقدم ما فيه ثم فلا داعي إلى تكراره، غير أني أضيف إلى ما هناك أن مجيء هذه الفواتح على غير وتيرة واحدة مما يضعف هذا القول، فاختلافها بحيث تأتي تارة على حرف وتارة على حرفين إلى خمسة أحرف، يدل على أن هذا التفاوت لحكمة مقصودة، فلا تحمل على قصد إيقاظ السامع وحده.
السادس عشر: أن تصدير بعض السور بهذه الفواتح أريد به شد انتباه السامعين إلى معجزة القرآن المنزل على النبي الأمي، وذلك أن النطق بهذه الحروف مركبة في الكلمات أمر تساوى فيه العرب، فلا فرق بين الأميين وأهل الكتاب منهم بخلاف النطق بأسمائها، فإنه كان نادرا لا يتجاوز القرّاء والكتّاب الذين خالطوا أهل الكتاب فاقتبسوا منهم معرفة الكتابة والقراءة، ويستبعد جدا النطق بها من أمي لم تسبق له قراءة ولا كتابة استبعاد القراءة والكتابة نفسها، كما قال سبحانه:
{ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ } [العنكبوت: 48]، فكان نطقه صلى الله عليه وسلم بها مع اشتهار عدم اقتباس شيء منها من الكتّاب والقرّاء معجزا إعجاز ما احتواه القرآن من أخبار لم يكن هو ولا قومه يعلمونها، ففي كلا الأمرين شهادة على عدم تلقيهما إلا من وحي الله، إذ مثلهما كمثل التكلم بلغة أجنبية لمن لم يسمعها من قبل.
وتعقبه الامام ابن عاشور بأن الأمي لا تعسر عليه التهجية.
السابع عشر: أنها أوردت هكذا ليصغي إليها المشركون لما فيها من الغرابة، فينصب في آذانهم ما يليها من المعاني التي يتدفق بها بيان الفرقان، وذلك أنهم كانوا يتصاممون عنه خشية تأثيره عليهم ببيانه البليغ، ومعناه الساطع، كما حكى الله عنهم قولهم:
{ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [فصلت: 26]، فكانت هذه الفواتح وسيلة لإِنصاتهم. قاله قطرب، وهو قريب من بعض ما تقدم.
الثامن عشر: أنها علامة لأهل الكتاب وعدوا بها من قبل أنبيائهم في سور الكتاب الذي ينزل على النبي المنتظر عليه أفضل الصلاة والسلام.
التاسع عشر: أنها أوردت هكذا تنبيها على تركب كلمات القرآن من الحروف الحادثة التي يتركب منها سائر الكلام، ليكون في ذلك هدم لدعوى من يقول بقِدم القرآن من هذه الأمة، وذلك أن الله سبحانه علم أن قوما سيقولون ذلك، فأنزل هذه الحروف لتكون دليلا على بطلان معتقداتهم.
وتعقبه ابن عاشور بأن هذا وهم، لأن تأليف الكلام من أصوات الكلمات أشد دلالة على حدوثه من دلالة الحروف المقطعة لقلة أصواتها.
العشرون: أنها ثناء أثنى الله به على نفسه، روي عن ابن عباس وهو يرجع أيضا إلى بعض ما سبق.
وأكثر هذه الأقوال ليس بحاجة إلى دليل على ضعفه، ومن ورائها أقوال أكثر منها، فإن ما قيل في هذه الفواتح يناهز مائة قول أو يتجاوزها، فما من اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته فيه حرف من هذه الحروف إلا قيل إنه المراد بذلك الحرف، سواء كان في أوله أو وسطه أو آخره، ومما لا يمارى فيه أن الأقوال - وان جلت منزلة قائلها - إذا لم تعضدها الأدلة لا تعدو أن تكون دعاوى أعوزتها البينات.
وإذا كان العلماء المتقدمون تباروا حسب فهومهم في تبيان المراد بهذه الفواتح، فإن المتأخرين من فرسان علم التفسير المعاصرين لم يكونوا أقل منهم عناية بها، وقد مرّ بكم ما استظهره العلاّمة صاحب المنار من نكت لطيفة، وبدائع ظريفة تتعلق بها.
وممن جرى في هذا المضمار شيخنا العلاّمة أبو إسحاق إبراهيم اطفيش -رحمه الله تعالى -، فقد سمعت منه في دروسه التفسيرية التي كان يلقيها بجزيرة زنجبار أيام زيارته لها عام 1380 هـ، ما رأيته من بعد منقولا عنه في كتاب (إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق) للدكتور حفني محمد شرف، وإليكم نص ما نقله عنه:
إن فواتح السور من كتاب الله العزيز فيها من المعاني ما تحار فيه ألباب أساطين العلماء، فمع جمعها لعلوم شتى، فإن الفواتح المعجمة منها إذا نظرنا إلى كل سورة ابتدئت بحرف أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، فإننا نستطيع إدراك معنى تلك الحروف المفردة في أول السورة بالمعاني التي مضت في السورة التي قبلها، وبالتأمل في هذه الحروف نرى أنها أسماء للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا رأي قال به السيوطي، فنجد قوله تعالى: {نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أن معنى الحرف (ن): نور، وأنه نداء مرخم، ونور من أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول الله تعالى:
{ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [المائدة: 15] وإن ذهب بعض المفسرين إلى معان أخرى في لفظ النون، ولكن القسم والآية بعده يدلان على أن المخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم، أما إذا رجعنا إلى سورة الملك قبلها فإننا نرى في أثناء تلك السورة ما يشعر بتهديد المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له، وفيها من الآيات المقرعة لهم المهددة بالعذاب في الدنيا والآخرة، فما يجتمع من كل هذه المعاني العظيمة يؤكد أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بالنور ليشعره الله بالأنس وارتفاع المكانة، وكذلك فاتحة سورة (ص) ومعناها يا صادق، و{طه} ومعناها يا طاهر، و{الم} ومعناها يا أيها المرسل، و{المر} ومعناها يا أيها الرسول، و{المص} ومعناها يا أيها المرسل الصادق، وأما {حم عسق} فمعناها يتضح بعد قراءة سورة فصلت، وما فيها من تهديدات متعددة لمشركي العرب، ولمشركي قريش، ثم ختم السورة بقوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ.. } [فصلت: 53] الآية، ولو علمنا أن السورة نزلت في مكة وكان بعدها غزوة بدر الكبرى التي انتصر فيها المسلمون انتصارا عظيما كسر شوكة المشركين، فإننا نجد معنى حروف {حم عسق} يتضح ويدل على المعنى الآتي: يا أحمد - وهو من أسمائه - عذاب الله سيأتيهم قريبا. فتكون الحاء والميم إشارة إلى اسم الرسول، والعين إشارة إلى عذاب الله، والسين إلى إتيان العذاب مستقبلا، والقاف للدلالة على إتيانه قريبا. ومعنى {كهيعص} - بعد ما في سورة الكهف من اشتداد الأمر على رسول الله وكثرة همومه من أمر المشركين - الاشارة إلى كمال هذا الأمر وهو النصر اليقيني فعليك بالصبر. فتكون الكاف إشارة إلى كماله، والهاء إشارة إلى هذا الأمر، والياء إلى يقيني بدليل قوله تعالى: { وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ } [الحجرات: 99] وهو النصر قطعا، والعين إشارة إلى الصبر، والمعنى لزم الصبر، كما لزمه زكريا - عليه السلام - ا هـ.
والظاهر أن في هذا النقل سقطا لا تتم الفائدة بدون اعتباره، وتمام العبارة: فالعين إشارة إلى عليك، والصاد إشارة إلى الصبر.
وقد لاحظ الناقل الدكتور حفني محمد شرف أن هذا الرأي ليس بجديد، وإنما الجديد فيه ربط السور القرآنية برباط الوحدة الفنية التي توجد في القرآن، كما أن هذا الرأي قائم على أن ترتيب السور القرآنية ترتيب إلهي، بدليل قوله تعالى:
{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [القيامة: 17]. كما لاحظ على هذا الرأي الاختلاف في معنى هذه الحروف، فمرة يجعلها الشيخ إشارة إلى أشياء، ومرة يجعل الحرف الواحد إسما للرسول ينادى مرخما أو غير مرخم، كما أنه فسر العين بتفسيرين مختلفين.
وأضيف إلى ما قاله الدكتور حفني أن رأي الشيخ في هذه الفواتح لا يختلف عن رأي أغلب الذين حاولوا فك رموزها في عدم استناده إلى دليل، والقرائن التي استأنس بها لا تكفي لأن تكون سندا يُعتمد عليه في بيان ما غمض من معاني القرآن، ومما يوهن رأيه أنه يؤدي إلى الخروج ببعض كلمات القرآن عن مألوف أساليب العرب في الكلام، كقوله إن (ن) ترخيم لنور، فالمعروف في الترخيم أن لا يحذف فيه أكثر من حرف، وحكمته اختصار الكلام، ومن البديهي أن هذه الحكمة تتلاشى عند ما يحذف من نور حرفان، وينطق باسم الحرف الباقي بدلا من المسمى، فإن وزن (ن) هو وزن نور نفسه، فضلا عما في ذلك من مخالفة الأسلوب العربي في الترخيم، على أن استدلاله بقوله تعالى:
{ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } [المائدة: 15] لكون النور من أسمائه صلى الله عليه وسلم لا يتم لجواز عطف اسم على اسم، أو صفة على صفة مع اتحاد حقيقة المعطوف والمعطوف عليه لأجل ملاحظة بعض الاعتبارات، كما في قوله تعالى: { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ } [البقرة: 53] فإن الفرقان هو نفس الكتاب عند كثير من المفسرين، فلا يمنع أن يكون النور هو نفس الكتاب، وقد جاء صريحا تسميته بالنور في قوله عز وجل: { وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } [النساء: 174]، وقوله: { وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا } [الشورى: 52]، وقوله: { فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا } [التغابن: 8] كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نور الله في قوله: "هو حبل الله المتين ونوره المبين .." ويمكن الاستئناس لكون النور هو نفس الكتاب بإفراد الضمير المذكور بعدهما في الآية التالية وهي قوله تعالى: { يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ } [المائدة: 16].
وقد أدلى المستشرقون من جانبهم بدلوهم في تفسير هذه الفواتح، وقد آثرت تنزيه هذا التفسير عن ذكر شيء مما قالوه، فإن آراءهم من السفسطة والسخف بحيث لا ينبغي لعاقل أن يشتغل بها، ولا عجب فإنهم ينطلقون في كل ما يكتبون أو يقولون عن الاسلام من مبدأ كراهيتهم له وحقدهم عليه.
هذا وقد أتبع الزمخشري تفسيره لهذه الفواتح بذكر نُكَتٍ لطيفة ينبغي أن لا نغفل إيرادها لما فيها من الفوائد، وإليكم نص كلامه:
"واعلم أنك إذا تأملت ما أورده الله عز سلطانه في الفواتح من هذه الأسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء، وهي: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون. في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف، بيان ذلك ان فيها من المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المهجورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف، ومن الرخوة نصفها: اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء.
ثم إذا استقريت الكلمة وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة من المذكورة منها فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته.
وقد علمت أن معظم الشيء وجلّه ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم، وإلزام الحجة إياهم، ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعا في تراكيب الكلم، أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين، وهي فواتح سورة البقرة وآل عمران والروم والعنكبوت ولقمان والسجدة والأعراف والرعد ويونس وإبراهيم وهود ويوسف والحجر.
وقد كنت أظن ما يظنه الكثير أن الزمخشري هو رائد المفسرين في التنقيب عن لطائف هذه الأسرار، وممن كان يظن ذلك السيد الجرجاني، فبعد تحليله كلام الزمخشري في حواشيه على الكشاف قال: - مشيرا إلى هذه اللطائف - ربما لم يفطن لها قبل المصنف أحد من حذّاق العلماء المتبحرين. ولكني أثناء مطالعاتي لكتاب إعجاز القرآن للامام الباقلاني رأيت بعض ما أورده الزمخشري وهو دليل على أن الزمخشري مسبوق من قبل غيره من علماء القرآن، فإن الباقلاني سابق عليه زمنا، وذكر الدكتور حفني محمد شرف في كتابه إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق أن الباقلاني هو أيضا مسبوق إلى ذلك، غير أنه لم يذكر هذا السابق وإنما جُل المفسرين الذين عنوا ببحث هذه اللطائف قد اغترفوا من منهل الكشاف ونجد لهم في ذلك موقفين؛ موقف المؤيد وموقف المعارض.
أما المؤيدون فهم الغالبية العظمى، ونذكر من بينهم السيد الجرجاني، وأبا السعود، وناصر الدين بن المنير الاسكندري، وابن كثير، والبيضاوي، وقطب الأئمة، والمحقق الخليلي، ومن هؤلاء من أضاف لطائف أخرى إلى ما أورده الزمخشري، من شاء الوقوف عليها فليرجع إليها في مراجعها كتفسير البيضاوي، وهميان الزاد، وجوابات المحقق الخليلي.
وأما المعارض فهو الشوكاني حيث قال في تفسيره فتح القدير: هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتد بها وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة والتبكيت كما قال فهذا متيسر بأن يقال لهم هذا القرآن هو من الحروف التي تتكلمون بها، ليس هو من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتا وإلزاما يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز وتعمية وتفريق لهذه الحروف في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح، هو أيضا مما لا يفهمه أحد من السامعين، ولا يتعقل شيئا منه فضلا عن أن يكون تبكيتا له وإلزاما للحجة أيّا كان، فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه ولم يفهم السامع هذا ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلا عن كله، ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتمل على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا تتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا مقر ولا منكر، ولا مسلم ولا معارض، ولا يصح أن يكون مقصدا من مقاصد الرب سبحانه الذي أنزل كتابه للإِرشاد إلى شرائعه والهداية به.
وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة ولا بلاغة، حتى يكون مفيدا أنه كلام بليغ أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى يتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل لذلك فيما ذكر، وأيضا فلو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها أو بعدها لم يصح وصفها بذلك لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا أن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة والبلاغة في ورد ولا صدر، بل من عكسهما وضد رسمهما .. إلى آخر ما قاله.
والذي يستخلص من كلامه أن إعجاز القرآن الكريم كان ينبغي أن يكون مفهوما عند العرب الأميين الذين كان يجتاح ضلالاتهم بسبب بيانه، ويبدد شبهاتهم بشمس فرقانه، ولعمري إن القرآن حافل بالآيات البينات التي لم تقف في وجهها ضلالة من ضلالات الجاهلية، غير أن تألق حجته وإشراق معجزته ليسا محصورين إبان نزوله، فهو نداء الحق الذي لا يسكته مرور الزمن وتعاقب الأجيال، فما من زمن إلا وتتجلى فيه منه آيات باهرات تقف بالناس على صدق قوله وعدل حكمه، وأنه يستحيل أن يكون من عند غير الله.
وإذا كان أئمة الضلال وقادة الجاهلية كانوا يتصاممون عن قوارع نذره، ويتعامون عن بوارق آياته، ويتواصون بذلك، فإن تلامذتهم في كل عصر لا ينفكون عن هذا المسلك، وكل رجائهم أن يكدروا صفوه ويطمسوا نوره بما يقذفونه في خضمه النوراني من الأكاذيب والشبه، وهو يغرق في أعماقه قذائفهم من غير أن يكون لها أي أثر على صفوه ونوره، وفي العصر الحديث طائفة من الملاحدة الأفاكين الذين منوا أنفسهم بالنجاح في هذه المحاولة، من بينهم من خلع عليه - من قبل أساتذته الذين اختاروه لهذا الغرض - لقب عميد الأدب العربي، فقد بلغ به جهله ووقاحته أن صرح بمحاولته اختصار القرآن لتجريده من الحشو الذي يدعيه فيه، وقد حفظ الله كتابه من كيد المتآمرين، وصانه عن أيدي العابثين، واستأصل بحجته شُبَهَ دعاوى المبطلين.
وإذا كان هذا ديدن المتنطعين المحرومين من هدايته، في عصر نزوله، فما المانع أن يكون في طوايا آياته ما لم تنكشف أسراره للجيل الذي نزل فيه؟ وأن يكون مخبأ لمن يأتي من بعدهم ممن يكونون على شاكلتهم في الانطواء على عداوة الحق، ومحاربة الحقيقة، فلعل بعض المتنطعين حال تفتيشه عن الثغرات التي يتخيلها في القرآن يواجه بمثل هذه الآيات الدالة على عجز البشر عن الاتيان بمثله فيكون من نتيجة ذلك إما انصرافه عن الغي إلى الرشد، وإما افتضاحه وتحطم كيده، ومما لا يُشك فيه أن الاتيان بهذه الفواتح على النحو الذي أوضحه الزمخشري وغيره ليس من مقدور البشر ولا يضير هذا الإِعجاز كونه لم يتكشف للعرب الذين نزل بين ظهرانيهم، فإن نداء القرآن ليس قاصرا عليهم، وآياته لا تزال تتجدد بتجدد أطوار الناس، وتتجلى في كل عصر بما يقيم حجته على الخلق أجمعين،
{ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } [القلم: 52]، { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } [ص: 88].