التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ
٢٦
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ
٢٧
-البقرة

جواهر التفسير

كان المشركون واليهود والمنافقون لا يفتأون عن إثارة الشُّبَه حول القرآن الكريم؛ بغية أن يحولوا بين هدايته وبين الناس، وكان الله تعالى ينزل فيه من الآيات ما يبدد الشُّبَه التي ينسجونها، ويفنّد المزاعم التي يفترونها، ومن ذلك استنكارهم ضرب الأمثال، فقد جعلوا منه تكأة لزعمهم أن القرآن ليس هو من عند الله، مع إدراكهم أنه نزل بلسانهم يخاطبهم بما كانوا به يتخاطبون.
الأمثال تزيد المعاني رسوخا:
وضرب الأمثال مما اشتهر عند العرب، سواء فيما صغر أو كبر، ومن ذلك قولهم "أجمع من ذرة" و"أضعف من فراشة"، و"آكل من السوس" و"أسمع من قراد"، واختُلف في السبب الذي نزلت من أجله الآية.
روى الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى لما أنزل قوله:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ... } [الحج: 73]، وقوله: { مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ... } [العنكبوت: 41]، قال المشركون أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.
وروى ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة أن الآية وما بعدها نزلتا ردا على المنافقين الذين استنكروا ضرب المثلين السابقين في السورة، فقالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، وهذا الذي رجحه ابن جرير لأنه أمس بالسورة وأنسب مع السياق.
وروى عبدالرزاق عن قتادة نحو ما رواه الواحدي عن ابن عباس وروى عنه وعن الحسن أنه لما ذكر الذباب والعنكبوت في القرآن ضحك اليهود، وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم.
واستغرب ابن كثير ما أخرجه عبدالرزاق عن قتادة لأنه يقتضي أن تكون الآية مكية وهي بخلاف ذلك، ويمكن الجمع ما بين هذه الروايات جميعا، فاستنكار المشركين بمكة كان عند سماعهم في سورة العنكبوت ذكرها وذكر الذباب في سورة الحج، على أن الصحيح أن سورة الحج مدنية وإن قيل بمكيتها - وأن اليهود استنكروا ذلك عندما تليت عليهم السورتان بالمدينة بعد نزولهما بزمن، بناء على أن السورتين جميعا مكيتان، وأن المنافقين استنكروا ضرب المثلين السابقين في هذه السورة، فجاء الرد مبكتا لهذه الطوائف الثلاث في هذا الموضع، بعد ذكر جانب مما استنكروه من الأمثال.
ومن المعلوم أن اليهود والمنافقين كانوا يشكلون بالمدينة جبهة واحدة، بل جل المنافقين هم من العنصر اليهودي، فلعل الطائفتين جميعا شرقتا عندما أنزل الله المثلين في المنافقين، فأخذوا يتلمسون ما يتصورونه عيبا لا يليق بكلام الله في القرآن، وقد كانت الطائفتان على اتصال بمشركي قريش وغيرهم من المناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمحاربين لدعوته، وقوله تعالى في وصف الذين يضلون بالأمثال: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} يرجح أن استنكار المثل كان من اليهود لأنهم هم المعروفون بهذه الأوصاف، وأضاف إلى ذلك ابن عاشور أنهم كانوا لا حظ لهم في البلاغة، وكانوا من شأنهم التشاؤم من مدلولات الألفاظ.
وفيما أضافه نظر، فإن اليهود بسكناهم بين العرب تعربوا، فأخذوا حظا من البلاغة العربية، كما تدل على ذلك أشعارهم المنقولة، وضرب الأمثال ليس محصورا في العرب بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم كما بينه الفخر الرازي.
وبناء على أن الآية رد على استنكار المشركين ما ضرب من الأمثال في السور المكية، فإن المجيء بالرد بعد ضرب تلك الأمثال بفترة من الزمن إنما هو لأجل رعاية المناسبة، وذكر ابن عاشور أن ذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة منه فيظنها ناس جبنا، فيُسِرُّها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه، فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها، وهي قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ... أو كصيب ..}، (الآيات)، وقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...} أتى إثر ذلك بالرد عليهم ثم قال: "فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي بعدها وقد غفل عن بيانه المفسرون ..".
وما عزاه إلى المفسرين من الغفلة عن ذكر مناسبة الآية غير صحيح، فالفخر الرازي ذكر مناسبة أخرى هي أقوى في الدلالة على ارتباط ما في هذه الآية بما في التي قبلها مباشرة، وهي أن الله تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، أورد بعده شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك، وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل، وذكر هذه الأشياء لا يليق بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فأجاب الله تعالى عنه بأنه صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ذكرها مشتملا على حِكَمٍ بالغة، ثم قال: "فهذا هو الإِشارة إلى تعلق هذه الآية بما قبلها .."، وقد أتى ابن عاشور نفسه بمعنى ما قاله الفخر.
وبالجملة فإن الآية رادة على استنكارهم ضرب الأمثال في القرآن سواء كان استنكارهم لمطلق الأمثال، أم للتمثيل بالمحقرات، فإن القرآن جار على سنن الكلام العربي، وضرب الأمثال شائع عند العرب، وهو مما يزيد المعاني رسوخا في الأذهان وانكشافا حتى تتجسد كالصور الماثلة للعيان، ومثل كل شيء بحسب حاله، فالعظائم تمثل بالعظائم، والمحقرات بالمحقرات وذلك لا يشين الكلام، ولا يحط من قدره، وإنما استنكر أمثال القرآن من استنكرها من الحاقدين لأن شأن المبهوت الحائر الذي انقطعت به الأسباب واستعْصَتْ عليه الحيل أن يتشبث بأي شيء، شأن الغريق في البحر الذي يمد يده لا إلى شيء غير الأمواج التي تُرْديه، وأولئك أغرقهم القرآن في خضم بيانه، وأصماهم ببوارق حججه، فلم يجدوا إلا أن يستعوجوا المستقيم، كمن ينكر ضياء الشمس في رابعة النهار، ويحاول أن يلبسها بوهمه رداءً أسود ليخفي نورها عن الأبصار:

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

ومن المفسرين من يقول: إن الآية مرتبطة بقوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} وعليه فمعني {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} لهذه الأنداد بما كان من المحقرات، وسأذكر لكم إن شاء الله رأي صاحب المنار في المثل وارتباط الآية بما قبلها حسب رأيه.
والحياء عارض نفسي يحدث للإِنسان لصدور ما يعاب منه أو وقوعه عليه، ويظهر أثره على الوجه، وفعله حَيِيَ أو حَيَّ "بالإِدغام" والأصل فيه إصابة الحياة، كما يقال حشى إذا أصيب حشاه، ونسى إذا أصيب نساه، وشظى الفرس إذا أصيب شظاه، وهذا لأن القوة الحيوانية تتضاءل في الإِنسان إذا وقع منه أو عليه ما يستلزم الحياء.
والعوارض مستحيلة على الله سبحانه؛ فلذلك لزم تفسيره هنا بلازمه وهو الترك، فإن من شأن المستحيي أن يترك ما يُسْتَحْيَى منه، وفسّره ابن جرير بالخشية، وعزا إلى بعض من سبقوه أن الحياء والخشية يتعاقبان بدليل قوله تعالى:
{ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ } [الأحزاب: 37]، أي وتستحيي الناس والله أحق أن تستحييه، وتفسيره بالامتناع أولى.
وذهبت طائفة إلى أنه لا داعي إلى تأويله هنا، نظرا إلى أنه منفي عن الله وليس مثبتا له، ورد بأن المنفي هو استحياء مقيد بضرب البعوضة فما فوقها مثلا، وليس الإِستحياء المطلق، على أن هذا التقييد قد يوهم إذا فسر الإِستحياء بحقيقة معناه؛ أن الله يستحيي مما عداه، فلذلك دعت الضرورة إلى تأويله، ويؤيده ما جاءت به الأحاديث من وصف الله بالحياء بمعنى الامتناع، ومنه ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسناد حسن عن يعلىَ بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا" ، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه، ومعنى الإِستحياء في الحديث الإِمتناع من تخييب العبد الداعي.
ومما يستغرب أن ممن قال بعدم الداعي إلى تأويل الإِستحياء في الآية لكونه منفيا من قال في موضع آخر من تفسيره: إن القاعدة أن ينظر إلى إثبات الفعل لمن أسند إليه هل يُحمل على الحقيقة أو المجاز؟ فإن كان إثباته من باب المجاز فكذلك نفيه.
وضرب المثل هو صَوْغه مأخوذ من ضرب الخاتم ونحوه، وقيل هو تطبيقه مأخوذ من ضرب الطين في الجدار، ومنه قولهم ضربة لازب، ولم يكن ضرب الأمثال خاصا بالقرآن من بين الكتب السماوية، فالتوراة والإِنجيل والزبور وردت فيها أمثال مختلفة منها بأشياء مهينة كالنخالة والقملة، كما بينه الواقفون عليها.
ولفظة "ما" كثيرا ما تلي الاسم النكرة لتأكيد تنكيره وإشاعة إبهامه وهي مزيدة عند ابن هشام لهذا الغرض، وعزاه الزجاج إلى البصريين، ووصفها بالزيادة اصطلاحي، وإلا فالمزيد ما أمكن الإِستغناء عنه من غير خلل في المعنى، وهي هنا تفيد فائدة ظاهرة لا يمكن حصولها بدونها، إذ التنكير وحده لا يسدُّ مَسدها، وذهب آخرون إلى أنها صفة للنكرة لإِفادتها مفاد المشتق، وقيل: هي بدل من النكرة وهو {مثلا} هنا، وقيل: هي عطف بيان بناء على القول بجوازه بعد النكرة، وذهب ابن جرير وآخرون إلى أنها اسم موصول، واستشكل بأن صلتها منصوبة، وأجاب عنه ابن جرير بأنها كمن في قول حسان:

كفى بنا فخرا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا

فإن الرواية بجر غير مع أنها صلة للموصول - حسب رأيه - وسوغ ذلك كون "من" و"ما" مبنيتين وهو رأي ضعيف، فإن زيادة "من" في بيت حسان ظاهرة لحصول الفائدة دونها وإنما ألجأه إليها إضطراره إلى محافظته على الوزن، وقد صرح بزيادتها غير واحد من علماء الإِعراب، ولا يصح أن يحمل عليه كلام الله تعالى المنزه عن الضرورات التي تعتور كلام البشر.
والراجح من هذه الأقوال الأول؛ لأن إسميتها مفتقرة إلى دليل ولا دليل، إذ لا تلابس شيئا من علامات الاسم ولا ينطبق عليها حده بل انطباق حد الحرف عليها هو الظاهر فيها، فإنها دالة على مزيد الشيوع والإِبهام في غيرها.
وفسر بعضهم ضرب هنا بجعل على طريق التضمين فعدَّاها إلى مفعولين، وهما مثلا وبعوضة وجعلها آخرون بمعنى بيَّن، وعليه فمفعولها واحد وهو بعوضة، و{مثلا} حال منها، وإنما سوغ مجيء الحال من النكرة تقدمه عليها كقوله:

لمية موحشا طلل

وللنحويين في جملة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى ..} الخ أعاريب مختلفة ليس من غرضنا ذكرها، ومن شاء الإِطلاع عليها فليرجع إلى هيميان الزاد لقطب الأئمةرحمه الله .
وهذا كله على القراءة المشهورة وهي نصب بعوضة، وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج بعوضة بالرفع؛ وحملت قراءتهم على موصولية "ما" وحذف العائد كما قرأ بعضهم "تماما على الذي أحسن" برفع أحسن، وجوز الزمخشري أن تكون استفهامية؛ وذلك أنهم لما استنكروا ضرب الله الأمثال لأصنامهم بالمحقرات قيل لهم: إن الله لا يستحيي أن يمثلها بما شاء من الأشياء المهينة، دعوا البعوضة فما فوقها، كما يقال: إن فلانا يهب المئين والألوف ما دينار وديناران، والبعوضة واحدة البعوض وهو معروف عند أهل عُمان باسمه العربي فلا يحتاج إلى تفسير، وذكر ابن عاشور أنه يعرف في لغة هذيل بالخموش، وأن أهل تونس يسمونه الناموس واحدته ناموسة، وهذه التسمية معروفة الآن في كثير من البلاد العربية، وهو مأخوذ من بعض اللحم بمعنى قطعه، وأنشد:

لنعم البيت بيت أبي دثار إذا ما خاف بعض الناس بعضا

ويحتمل قوله {فما فوقها} وجهين:
أولهما: الفوقية في الوصف الذي ضرب به المثل؛ وهو الحقارة والمهانة، وذلك كما لو وصف أحد غيره ممن يعرف بسقوط القدر وخمول الهمة ورداءة الطبع بالصفات الدالة على المهانة، فقال له آخر ممن خبر أحوال الموصوف وأحاط بدناياه هو فوق ذلك، أي هو أبلغ مما وصفت في الضعة والإِنحدار، وبناء عليه فالمعنى أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بالبعوضة فما هو أحقر منها؛ كجناحها الذي أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن الدنيا لا تسواه عند الله فجعله مثلا لها، وكالميكروبات التي لا تتسلط عليها العين إلا إن استعانت بأشعة المجهر، وهذا الوجه هو الذي اعتمده الفخر في مفاتيح الغيب والقطب في الهيميان ونسباه إلى المحققين.
ثانيهما: أن يكون المراد به ما هو أكبر منها حجما وأعظم منها قوة؛ كالحشرات التي تفوقها في ذلك، وهذا هو الذي عول عليه ابن جرير في تفسيره وبالغ في تضعيف الوجه الأول.
ومثل الآية في جواز الوجهين حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم:
"ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة" فيجوز أن يراد بالفوق فيه مجاوزتها في القلة كنخبة النملة أو في الكثرة كالسقوط من السقف ولدغة الأفعى. ومن غريب التفسير قول الربيع بن أنس الذي رواه عنه ابن جرير؛ وهو أن الله ضرب البعوضة مثلا للدنيا فإنها تحيا إذا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، وهكذا شأن الذين يغترون بالدنيا فيركنون إليها إذا ما امتلأوا أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ثم تلا: { فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } [الأنعام: 44]، وهو أقرب إلى الوعظ والتذكير منه إلى تفهيم معاني التنزيل.
الأمثال يعقلها العالمون:
هذا وإذا كانت سنة الله في كلامه أن يضرب الأمثال لعباده؛ فإن الناس يختلفون في تلقي هذه الأمثال باختلاف استعدادهم الذهني وصفائهم الفطري، فالذين اتقدت أذهانهم بوقود الإِيمان، وصفت فطرهم بعامل اليقين، يتلقون هذه الأمثلة بالوعي التام والإِدراك الشامل، فهم العالمون بحقائقها، المدركون لغاياتها، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}، بخلاف أولئك الذين أظلمت أفكارهم وتلوثت فطرهم وانسدت أذهانهم، فإنهم لا أثر لهذه الأمثال على نفوسهم، بل يزدادون بها كفرا وضلالا، إذ لا يواجهونها إلا بالعتو والاستكبار، والسخرية والاستخفاف، وقد بين ذلك تعالى في قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} فهو تصوير لحال الطائفتين، وموقفهما من ضرب الله المثل.
والفاء هنا تفيد الترتيب الذكري لا الوقوعي، لأنها عاطفة للتفصيل على الإِجمال، ومن شأن المفصل أن يذكر بعد المجمل، وهذا التفصيل بعدما تقدم، لأن الناس بعد سماعهم أن الله لا يستحيي من ضرب الأمثال بأي شيء كان، تستشرف نفوسهم على ما يترتب على ضربها من قبل المخاطبين بها، فكان هذا التفصيل بمثابة الإِجابة على تساؤلهم.
ويستفاد ما ذكرته من التفصيل من أداته الموضوعة له وهي "أما" كما يستفاد منها التأكيد فإنها مقترنة به دائما مع التفصيل وعدمه، فقد يفارقها التفصيل ولكن لا يفارقها التأكيد، كما إذا أردت أن تؤكد اتصاف محمد بالعلم فقلت أما محمد فعالم؛ فهي هنا خالصة للتأكيد.
والحق من حق يحق إذا ثبت، ومنه قوله تعالى:
{ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ } [يونس: 33]، وأصله المطابقة والموافقة، وهو شرعا ما طابق حكم الله من قول أو فعل أو اعتقاد، فهو أعم من الصدق، لأن الصدق ينحصر في القول وحده، ويطلق على ذات الله سبحانه، كما في قوله: { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ } [النور: 25]، لأن معرفة الحق لا تكون إلا به، وحقيقته لا تصدر إلا عنه، ولأنه لا تصدر أفعاله إلا عن حكمة سواء علمها الناس أو جهلوها.
وعِلْم الذين آمنوا أن هذه الأمثال حق من عند ربهم يعني معرفتهم بأنها مطابقة للواقع والحكمة، وأنها صادرة عن الله سبحانه، فهي تزيد إيمانهم قوة، ويقينهم رسوخا، وفي هذا تنويه بهم أنهم أصحاب البصائر وأولو العلم، وتيئيس للذين يحاولون غرس بذور الشك في نفوسهم، ومن ناحية أخرى فإن في ذلك تنبيها على أن عقيدتهم قائمة على العلم، وليست تقليدية كعقائد الكفار التي ليس لها أساس من المعرفة، ولا تنبني إلا على التقليد الأعمى.
وفي قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} تسجيل عليهم بالغباوة والعناد، فقد غلب على عقولهم الهوى، واستولى على نفوسهم العناد، فمعرفتهم بالحق كعدمها من حيث إنهم لا يستفيدون منها شيئا، ولا يزدادون بها إلا عُتُوَّا واستكبارا، ولم يقل سبحانه فيهم وأما الذين كفروا فيجهلون أنه الحق من ربهم، فيُقابل وصفهم بالجهل وصف المؤمنين بالعلم، لأنهم وإن كانوا لا ينتفعون بشيء من العلم، فهم ليسوا من الجهل بحيث تخفى عليهم حقيقة الأمر، بل هم مدركون أنه لا مطعن لطاعن في هذه الأمثال، فإنهم إن كانوا من كفار قريش فهم أعلى العرب كعبا في البلاغة، وأوسعهم ميدانا في الفصاحة، ولذلك كانت العرب في جاهليتها تحتكم إليهم في مساجلات بيانها شعرا ونثرا، وتُقِرُّ لهم بإحرازهم القدح المعلَّى، وإن كانوا من اليهود فهم باحتكاكهم بالعرب - بحكم الجوار - استمدوا من فصاحتهم، ومرنت على العربية ألسنتهم، فصاروا كالعرب في التفريق بين جيد الكلام ورديئه، وإن كانوا من المنافقين فهم أيضا إما أن يكونوا منحدرين من سلالات عربية ذات عراقة في الفصاحة والبيان، وإما أن يكونوا منحدرين من السلالات اليهودية التي تعربت بجوارها للعرب.
وللمفسرين في الذين كفروا اختلاف بحسب هذه الأوجه التي ذكرتها، والكفر ينتظم هذه الطوائف الثلاث، فلا غموض في كفر مشركي العرب الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، وكذلك كفر اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وقتلوا النبيين بغير حق، وكذبوا خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، وحاولوا قتله، وبذلوا جهدهم في وقف دعوته وتشويه دينه، وأما المنافقون فهم وإن جرت عليهم أحكام الإِسلام الظاهرية لتحليهم بمظاهر الإِسلام فإن طواياهم طوايا الكفر، ولهم عند الله حكم الكافرين، فقد قال تعالى فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا}.
وفي {ماذا} وجهان:
أولهما: أن تكون كلمة واحدة يراد بها الاستفهام، وعليه فهي مفعولة لأراد.
ثانيهما: أن تكون "ما" اسما دالا على الاستفهام، و"ذا" اسما موصولا؛ لما عهد أنها تكون موصولة بعد من وما الاستفهاميتين إذا كانت صلتها معلومة، وعليه فما مبتدأ والموصول خبره، و"أراد" وما بعدها صلة للموصول، ولا خلاف بين أئمة العربية - حسبما أعلم - في جواز هذين الوجهين في مثل هذا الموضع، وهذا الذي درج عليه المفسرون، ووهم ابن عطية فزعم أنهما قولان، وتابعه القرطبي والشوكاني في تفسيريهما، ونصوص أئمة العربية ترد عليهم، وفي {ماذا} أوجه أخرى لا داعي إلى ذكرها لضعفها.
وإرادة الشيء ضد كراهته، وهي مأخوذة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء، وجعلوها اسما لنزوع النفس إلى الشيء مع الحكم بأنه ينبغي فعله أو عدم فعله، وذكروا أنها في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل، وهي بحسب ما ذكروه مستحيلة على الله تعالى، ومن هنا احتيج إلى تعريف آخر للإِرادة الربانية، وقد سلك علماء الكلام في ذلك طرائق قددا، والأسلم أن يقال "إن إرادته تعالى هي صفة ذاتية له تنتفي بها صفة الإِكراه كما ينتفي بالحياة الموت، وبالقدرة العجز، وبالعلم الجهل، وتنشأ عنها أفعاله تعالى في الوجود"، ولا يرد عليه كون أفعال غيره مرادة له سبحانه لأنها مخلوقة له تعالى، والخلق فعل له فهي ناشئة عن أفعاله الناشئة عن إرادته.
والإِشارة هنا تفيد التحقير على حد قولهم فيما حكى الله عنهم:
{ أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً } [الفرقان: 41]، ومثلا تمييز من هذا لأنه مبهم فيحق له التمييز، وجوز أن يكون حالا من اسم الجلالة أو من هذا على تأويله باسم الفاعل على الأول، وباسم المفعول على الثاني، أي ممثلا أو ممثلا به.
واختلف في قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} هل هو من مقول الله تعالى، أو من مقول الذين كفروا؟
والأول هو الأرجح نظرا إلى قوله من بعد {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} إذ ليس من المعقول أن يقول ذلك الكفار، وعليه فهاتان الجملتان مبنيتان على الجملتين المصدرتين بأما، لتفسير ما فيهما على طريقة النشر المعكوس، فإن الذين آمنوا هم المهديون، وقد تقدم ذكرهم هناك، وتأخر هنا، والعكس في الذين كفروا، وقيل: هما جواب للاستفهام في قولهم: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} فكأنهم أجيبوا أن الله سبحانه أراد به ازدياد هداية المؤمنين فيغنموا، وضلال الكافرين فيخسروا، وإنما ذكر المراد - وهو الهداية والإِضلال - بدلا من الإِرادة لأنه الغاية منها، ولم ير ابن عاشور جعله جوابا للاستفهام، لأنه ليس استفهاما حقيقيا بل هو إنكاري، ولا جواب لاستفهام الإِنكار اللهم إلا أن يخرج الكلام على الأسلوب الحكيم بأن يحمل الاستفهام على ظاهره، تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن الحكمة في ذلك فيكون قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} جوابا عنه.
ووصف الله المهديين وغيرهم بالكثرة - مع أن الصالحين أقل من غيرهم في جميع العصور - وهو الذي تقتضيه المشاهدة، ويدل عليه قوله تعالى:
{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } [سبأ: 13]، وقوله: { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } [ص: 24]، لأن كثرتهم معنوية وليست عددية، ولذلك أمر الله بادئ الأمر أن يثبت الواحد منهم للعشرة من أعدائهم، ثم خفف عنهم فأمرهم أن يثبتوا لضعف عددهم أو لأنهم كثيرون في حقيقتهم وإن كانوا قلة بالنسبة لأعدائهم، ومن أمثلة الوجه الأول قول الشاعر:

إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا

وقول الآخر:

تُعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل

وبناء على رأي من يقول إن هاتين الجملتين من قول الكفار فهما داخلتان في ضمن ما استنكروه، ومعنى ذلك أنهم استنكروا ما في المثل من تفريق الناس إلى طائفتين ونسبة الهداية إلى طائفة والضلالة إلى أخرى.
وقد أبعد ابن عطية النجعة حيث أجاز أن يكون {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من قول الذين كفروا، و{وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من قول الله ردا عليهم، واستبعد ذلك غيره من المفسرين، وما أحراه بالاستبعاد.
والباء في الموضعين للسببية، ومعنى كون المثل سببا للهداية والضلال أن أصحاب النفوس الصافية والفطرة السليمة لا يرون فيه ما يعاب ويستنكر فيتلقونه بالقبول ويدركون أبعاده، فإن كانوا على إيمان من قبل ازدادوا فيه رسوخا، وإن لم يكونوا على هدى فإنهم بتأملهم في الغاية المرادة من المثل ينجذبون إلى الهدى فيكونون في عداد المؤمنين، فهو على كلا الحالين سبب للهدى بالنظر إلى هذه الطائفة، وأما الذين في قلوبهم مرض فلا يكاد يقرع مسامعهم حتى تستنكره قلوبهم المأفونة، وترفضه عقولهم المريضة، فيزدادون به غيا إلى غيهم، ولذا كان سببا لضلالهم.
وتفسير المثل الذي ذكرته هو الذي عول عليه جمهور أهل التفسير، ولم أجد خلافا في ذلك عن أحد منهم إلا ما ذكره صاحب المنار عن بعضهم - ولم يسمِّه - وهو أن المثل في الآية ليس مثلا يقال بل هو مثل يُحتذى، أي القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وعليه فالمراد بقولهم {بهذا} رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم استنكروا أن يرسله الله من بينهم إليهم وإلى الناس، لعدم تميزه عنهم بكونه من جنس آخر غير جنس البشر، كما يُسْتَفَادُ من قولهم فيما حكى الله عنهم:
{ أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا } [ص: 8]، وقولهم: { لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } [الفرقان: 7]، وقد أيد صاحب المنار هذا التفسير للمثل بوروده بهذا المعنى في القرآن، في قوله تعالى: { فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ } [الزخرف: 56]، وقوله: { وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } [الزخرف: 57]، وقوله: { إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } [الزخرف: 59]، فمن هذه الآيات انتزع الشاهد بصحة تفسير المثل بالذي ذهب إليه، وحمل هذه الآية على دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق - وهم مشركو العرب - والذين أنكروا أن يكون نبيا مع كونه عربيا - وهم اليهود -.
وقد أقام الله عليهم الحجة بقوله: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}، وأتبعه بوعيد من أعرض عن الإِيمان بعد قيام البرهان - وهم الكافرون - وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم المؤمنون - وبعد أن قرر عليهم حجته - وهي تحديهم بسورة من مثله - كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشرا رسولا من عنده.
ومحصل ذلك - على هذا التفسير - أن الله تعالى خالق كل شيء فله أن يجعل ما شاء من الفوائد والمنافع والعبر فيما يشاء من خلقه ومن يشاء، ويضربه مثلا للناس يهتدون به، وليس هذا نقصا في جانب الألوهية، فيستحيى منه، بل من الكمال والفضل أن يجعل في المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العُرف كالبعوض فوائد ومنافع، فكيف يستنكر أن يجعل من الإِنسان الكامل - الذي خلقه في أحسن تقويم ورفع قدره بما اختصه به من المزايا والتكريم - مثلا لأمته به يهتدون، وإماما لهم بهديه يقتدون؟
وبناء على هذا التوجيه في المثل فيراعى توجيه بقية معاني الألفاظ بما يتفق مع هذا المعنى؛ وهو أن الذين آمنوا يعلمون أن هذا الإِمام أرادته عناية الله بأن يتبوأ هذه المنزلة مهما كان ضعيفا في نفسه، فإن الله هو الذي يعضدُه ببرهانه، ويمده بتوفيقه، وأما الكافرون فيستنكرون ذلك لأن غيره - في رأيهم - أجدر بهذه المنزلة.
وقفّى صاحب المنار ما ذكره في تسويغ هذا الرأي وترجيحه بذكر أن أصحاب البصائر لا يفوتون الاستفادة الحاصلة من الإِقتداء بالحيوانات في أعمالها، ومن ذلك أن أحد كبار الصوفية قال: "تعلمت المراقبة من القط"، وأن بعض حكماء المسلمين قرأ كتابا نحوا من ثلاثين مرة فلم يفهمه فيئس منه، ثم رأى خنفسة تتسلق جدارا وتقع فعد عليها الوقوع فزاد على ثلاثين مرة ولم يصبها اليأس حتى تمكنت من مرادها، فقال: لن أرضى أن تكون هذه الخنفساء أثبت مني وأقوى عزيمة، فرجع إلى الكتاب فقرأه حتى فهمه، وذكر عن تيمور لنك أنه كان طموحا إلى الملك من أول نشأته مع ما كان عليه من الفقر والمهانة، وكان لصا، فسرق مرة غنما وفطن له الراعي فرماه بسهمين أصابا كتفه ورجله فعطلاهما، فآوى إلى خربة وأخذ يفكر في مهانته ويوبخ نفسه على طمعها في الملك، ولكنه رأى نملة تحمل تبنة وتصعد إلى السقف وعندما تبلغه تقع ثم تعود، وظلت على ذلك عامّة الليل حتى نجحت في الصباح، فقال في نفسه: والله لا أرضى بأن أكون أضعف عزيمة وأقل ثباتا من هذه النملة، وأصر على عزمه حتى صار ملكا، وكان من أمره ما كان.
هذا معنى كلامه، وهو تفسير ذو رونق براق ولكن ما ثبت عن سلف هذه الأمة من سبب نزول الآية يخالفه، وقد روي ذلك في أسباب النزول عن جماعة من الصحابة؛ منهم إماما التفسير ابن مسعود وابن عباس، وتعاقب المفسرون على حمل المثل على ما تقتضيه الروايات، ولو كان المراد بالمثل ما ذهب إليه صاحب المنار لما كان للسلف جميعا أن يعدلوا عنه حتى لا يكون له وجود فيما أُثر عنهم، ومع ذلك فليس احتماله ببعيد.
وأصل الفسق الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذا سميت فويسقة، وأطلق في الشرع على الخروج عن أمر الله بارتكاب ما حظر أو ترك ما فرض، سواء كان خروجا يؤدي إلى الانسلاخ من الملة أم لا، وهذا الذي تدل عليه الآيات القرآنية نحو قوله تعالى:
{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } [السجدة: 20]، فإن تكذيبهم بعذاب الله المدلول عليه بالنصوص القاطعة مخرج لهم عن ملة الإِسلام، ومثله ما في هذه الآية بدليل أنها سيقت لوصف الذين يكفرون بما يضر به الله من الأمثال، وقد واطأ الفسق النفاق في قوله تعالى: { إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } [التوبة: 67] وجاء مقابلا للإِيمان في قوله سبحانه: { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } [السجدة: 18]، وقوله { أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ } [المجادلة: 22].
وخصته المعتزلة بما دون الشرك من الكبائر، وهو اصطلاح خاص بهم كالمنزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفسق بين الإِيمان والكفر، لأنهم لا يقولون بكفر النعمة، وأول من حدَّ له هذا الحد منهم إمامهم وَاصِل بن عطاء حسبما ذكر الزمخشري، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح غير أنه لا ينبغي أن يقصر مفهوم لفظ عما أطلقه فيه القرآن.
وإسناد الهدى والضلال إلى الله إسناد حقيقي، لأنه تعالى الخالق للضلال والهدى، خلافا للمعتزلة، ولذلك اضطروا إلى التأويل فعدوه من باب المجاز العقلي، فمن حيث إن الله تعالى هو ضارب المثل الذي ضل به قوم واهتدى به آخرون كان السبب لضلالهم وهداهم، فصح إسناد الفعلين إليه.
والنقض حل ما أُبرم بطريقة معاكسة للإِبرام، وأصله في المحسوس كنقض الحبل لفسخ فتله، ونقض الجدار لهدم بنائه، واستعمل في الأمور المعقولة كنقض العهود للجامع بين المحسوس والمعقول كالحبل والعهد فإن كلا منهما موصل بين طرفين، وفي استعارة النقض لترك العهد وعدم الاكتراث بميثاقه كما في هذه الآية الكريمة إيماء إلى أن الحبل يستعار للعهد، كما في قول مالك بن التيهان رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية: "إن بيننا وبين القوم حبالا وإنا لقاطعوها" فإن مراده بالحبال ما كان بينهم وبين غيرهم من العهود السابقة في الجاهلية، وبهذا تدرك أن الاستعارة هنا مرموز بها إلى استعارة مطوية لم تذكر في الكلام؛ ولكن يقتضيها المعنى.
والعهد يطلق على الإِدراك، كعهدت فلانا بمعنى أدركته، ويطلق على الوصية كعهد إليه بكذا بمعنى وصاه، ويطلق على معان فيها ملاحظة التوثيق والربط، واختلف في المراد بعهد الله في هذه الآية قيل هو عهد فطري، وهو ما أودعه الله في فطرة كل إنسان من معرفة أن لهذا الكون مكونا، وقاهرا يدبره، وأن الإِنسان مفتقر إلى الصلة بهذا الكون من طريق العبادة والطاعة والإِذعان، فإذا ما عكس هذه الفطرة فهو ناقض لعهده تعالى، وقيل: هو ما أخذه الله على الأمم من طريق أنبيائهم من عهد الإِيمان بالنبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك قوله تعالى:
{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ } [آل عمران: 81 - 82].
وقيل: هو العهد المأخوذ على أهل الكتاب بأن يبينوا الحق ولا يكتموه؛ وهو المراد بقوله تعالى:
{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } [آل عمران: 187]، وعلى ذلك فالمقصودون اليهود الذين كانوا يشككون الناس في القرآن وفي نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بما كانوا يلقونه من الشبه ويلفقونه من الأكاذيب، وقيل: العهود ثلاثة؛ عهد خاص بالنبيين، وعهد خاص بالعلماء، وعهد لجميع الناس، فالأول هو المراد بقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً } [الأحزاب: 7]، والثاني هو المعنى بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}، والثالث ما دل عليه قوله: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } [الأعراف: 172]، وقيل: المراد في الآية هو هذا العهد البشري العام الذي أخذه الله على جميع بني آدم.
ولصاحب المنار في معنى العهد كلام خلاصته أن العهد هنا مجمل لم يسبقه ولم يتله ما يبينه، لأن الواقع هو الذي يكشف عن المراد به، وفي ذلك غنى عن التفصيل القولي، ويرشد إلى فهم العهد الإِلهي هنا معنى الفسوق المتقدم بيانه، فإن الفاسقين هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وقد سبق أن الفسوق - على رأي صاحب المنار - هو الخروج عن سنن الله تعالى في خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصة، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به بمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس للنظر والاعتبار، والتجربة والاختبار، أو العقل والحواس المرشدة إليها وهي عامة والحجة بها قائمة، على كل من وهب نعمة العقل، وبلغ سن الرشد سليم الحواس، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالا صحيحا، حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها، كما قال تعالى:
{ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ } [الأعراف: 179]، وكما قال فيهم أيضا: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [البقرة: 171]، هذا هو القسم الأول من العهد الإِلهي وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني الذي هو الدين، فالعهد فطري خلقي وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعا، ومن هذا النقض إنكارهم ضرب المثل.
هذا رأيه في العهد ونقضه وهو صادر عن فرط تقديره لمواهب الإِنسان كالعقل والوجدان، ومأخذه قوي غير أني لا أجد داعيا إلى التفرقة بين العهد الفطري والعهد الديني، فالدين ما هو إلا توجيه إلهي لهذه الفطرة، ولذلك يأتلف معها ولا يختلف، وصدق الله
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ } [الروم: 30]، ومهما يكن فإن الدين هو الصلة بين الخلق وربهم، والعقل البشري لا يُصْدَر عنه في الأحكام التعبدية وإن جاز استلهام بعض الحقائق منه فإن مصدر الأحكام وحي الله تعالى، لذلك أجنح إلى رأي من رأى أن المراد بالعهد دين الله سبحانه، وأن نقضه كل مخالفة له، وفي هذا ما يدل على عموم الذين كفروا، وشموله أهل الكتاب وغيرهم ممن كَذَّب برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وخرج عن دعوته، ولا داعي إلى التفريق بين أهل الكتاب والمشركين باعتبار الأولين ناقضين لعهدين والآخرين لعهد واحد، فإن حجة الله بما أبدع وما شرع قائمة على كلا الفريقين، ومع ذلك فإن أهل الكتاب أولى بالحفاظ على هذا العهد لتأكده عليهم بتكراره على ألسنة رسلهم، وقد حكى الله ذلك في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ..} (الآية)، وقوله بعدها: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ..} (الآية)، وقوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}، وقوله: { وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً } [المائدة: 12]، وغيرها من الآيات الدالة على أن بني إسرائيل كانوا أثقل حملا وأعظم مسئولية لتكرر النبوات فيهم، وتعدد المواثيق عليهم.
والميثاق إما مصدر كالميعاد والميلاد، وإما اسم مصدر بمعنى الوثق أو الإِيثاق أو التوثيق، والمؤدَّى واحد، ويراد به توثيق عهد الله الذي جاءهم على ألسنة رسله بما أيد به الرسل من المعجزات، ويصح أن يكون ما بثه الله تعالى في هذا الكون من آياته الباهرة داخلا في هذا التوثيق لدلالته على وحدانية الله، وقدرته وإحسانه.
والأمر هنا واحد الأوامر لا الأمور، وهو طلب فعل من غيره تعالى، واشترط بعضهم علو الطالب، وآخرون استعلاءه ولم يشترط ذلك آخرون، ويخرج بقيد كون الطلب من غير الله الدعاء فإنه وإن اتفق مع الأمر في صيغة الطلب فلا يجوز أن يسمى أمرا لتعذر أن يكون المخلوق آمرا للخالق تعالى، ويطلق الأمر على واحد الأمور لأنها لا تكون إلا لداعٍ وهو شبيه بالآمر، فلذا أطلق عليه المصدر من هذا اللفظ، وهو من باب إطلاق المصدر على المفعول فإنه مأمور به، ومثله الشأن لأنه مأخوذ من شأنت شأنه بمعنى قصدت قصده.
واختلف في المراد بقوله {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قيل: هو الأرحام التي قطعوها، ورجحه ابن جرير ورواه عن قتادة، وقال به جماعة من العلماء، واستدلوا له بقوله تعالى:
{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } [القتال: 22]، وعليه فالمراد قطعهم صلة رحمهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بإيذائه وإلجائه إلى الهجرة، وهو مبني على أن المعنيين هم كفار قريش الذين لم يرعوا قرابته صلى الله عليه وسلم، أو قطع اليهود لأرحامهم كما يدل عليه قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ.. } [البقرة: 83] إلى قوله: { .. ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ } [البقرة: 85]، أو قطع المنافقين لأولي القربى منهم من المؤمنين إذ لم يبالوا بالدس عليهم والمكر بهم، أو أن المراد ما يشمل كل ذلك.
وقيل هو التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه إذ آمنوا ببعض وكفروا ببعض، واستدل له بقوله تعالى فيهم:
{ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } [النساء: 150]، وعليه فهو خاص باليهود، وقيل: هو القول والعمل أمروا بوصلهما فقالوا ولم يعملوا، وعليه فهو خاص بالمنافقين.
وذهب السيد محمد رشيد رضا إلى أن الأمر هنا شامل لأمر التكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، لأن الله سمى التكوين أمرا حيث عبّر عنه بـ "كن" في قوله:
{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [يس: 82]، وأمر التشريع وهو ما أوحاه إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به، ومن النوع الأول ترتيب النتائج على المقدمات، ووصل الأدلة بالمدلولات، وإفضاء الأسباب إلى المسببات ومعرفة المنافع والمضار بالغايات، فمن أنكر نبوة النبي بعد ما قام الدليل على صدقه أو أنكر سلطان الله على عباده بعد ما شهدت له به آثاره في خلقه، فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل بمقتضى التكوين الفطري، وكذلك من أنكر شيئا مما علم أنه جاء به الرسول لأنه إن كان من الأصول الاعتقادية ففيه القطع بين الدليل والمدلول، وإن كان من الأحكام العملية ففيه القطع بين المبادئ والغايات، لأن ما أمر به الدين قطعا فهو نافع، ومنفعته تثبتها التجربة والدليل، وكل ما نهى عنه حتما فلا بد أن تكون المضرة عاقبته، فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه هم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل بغايته، أما بالنسبة إلى الإِيمان بالله تعالى وبالنبوة فيقطعون ما أمر الله به في كتبه أمر تشريع وتكليف، وصلة الأرحام تدخل في كلا القسمين.
وذهب قطب الأئمة -رحمه الله تعالى - في التيسير إلى أن المقصود به هو الإِيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء وعدم التفرقة بين رسول وآخر، وكتاب وآخر، وأداء حق الرحم والمؤمنين، والجهاد وسائر الدين. قال: "وما ذكر من العموم أولى من تفسير {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإطلاق (ما) عليه، ومن تفسيره بالقرآن أو الرحم ومن تفسيره بوصل القول بالعمل، ومن تفسيره بالأنبياء".
وقال في الهيميان بعد حكايته الخلاف "والذي عندي أن المعنى أنهم يتركون ما أمر الله به أن لا يترك فيدخل فيه الإِيمان بالأنبياء كلهم، والكتب، وصلة الرحم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وقراءة القرآن، ونحو ذلك من أحكام الدين، ووصل كل شيء من ذلك هو فعله، وقطعه هو تركه، وأما فعل المحرمات فداخل في قوله بعد ذلك {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ}، وإن شئت فقل يدخل في قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}، فالوصلة بين المكلف والنهي عن المحرمات أن يتبع النهي فيترك المحرمات، فإذا طرح النهي وراء ظهره واقتحم المحرمات فقد قطعه".
والتماس الترجيح في ذلك إنما يكون بالرجوع إلى طبيعة الإِنسان والتأمل في علاقاته مع بني جنسه وغيرهم، فحياته حياة اجتماعية بحيث لا يمكن لأي فرد من أفراد نوعه أن يستقل في حياته بمنافعه ومصالحه، وبهذا يتضح أن ما أمر الله به أن يوصل يراد به كل علاقة بين شخص وآخر، أو بين فرد ومجموعة، فالعلاقات البشرية يجب أن تكون قائمة على أسس تعاليم الله عز وجل، ومراعاة هذه التعاليم هو وصل لها، والإِنحراف عنها هو قطْع لها، فتدخل في ذلك العلاقات بين الأصول والفروع، وهي صلات الآباء والأمهات من جهة بالأبناء والبنات من جهة أخرى، وما لكل من الجهتين من حقوق على غيرها، والعلاقات التي تكون بين شركاء الحياة وهم الأزواج والزوجات، وعلاقات الفروع الباسقة من دوحة واحدة، وهم الإِخوة والأخوات، وعلاقات الجنس البشري، وعلاقة الإِنسان بسائر الكائنات، فهي جميعا يجب وصلها حسب تعاليم الله سبحانه التي أنزلها في كتبه أو لقنها رسله فتلقيت عنهم، ويدل على شمول ذلك كله التعبير بـ "ما" التي هي من صيغ العموم.
المعاصي تسبب الفساد العام:
واختلف في المراد بالإِفساد في الأرض، ذهب فريق إلى أنه قطعهم الطرق على المهاجرين إلى الله ورسوله، وذهب آخرون إلى أنه مطلق ارتكاب المعاصي لأنها أعظم أسباب الفساد في الأرض، وأمحق لخيراتها، وأسحق لبركاتها:
{ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ } [الروم: 41]، فالمعصية لا تلبث أن تحول المنافع إلى مضار والمصالح إلى مفاسد خصوصا عندما تتفشى في أوساط الناس ولا تجد لها مقاوما، فلا تقف آثارها عند الراكبين لها بل تشمل الساكتين عنها، فيعم الجميع سخط الله المؤدي إلى هوان الدنيا وعذاب الآخرة والعياذ بالله، أَوَلَمْ تسمعوا إلى قوله تعالى: { لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [المائدة: 78 - 79].
وإن من أخطر المعاصي على الناس، وأعمها ضررا، وأشدها بلاء هجران الأمة لكتاب ربها الذي ينير لها البصائر، ويوضح لها المسالك، ويقف بها على أسباب الخير، ويبين لها أسباب الشر، فإن هذا الإِعراض عنه واستبدال تعاليم الطاغوت بتعاليمه، وأحكامه بأحكامه هو أقطع المدى لأوصال الأمة، وأخطر الأسباب المؤدية بها إلى المهانة والذلة، وهذا الذي وقع فيه المسلمون عندما هجروا القرآن وصدقت عليهم شكوى الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام:
{ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً } [الفرقان: 30]، فما أحراهم بالخسران إلا إذا ارعووا عن غيهم وثابوا إلى رشدهم، وأنابوا إلى ربهم، وحطموا أغلال الجاهلية وقيودها، فصاروا بدينهم أحرارا أعزة. أسأل الله أن يكون ذلك قريبا.
وقوله {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} بيان لعاقبة فسقهم ونقضهم العهد وقطعهم ما أمر الله بوصله وإفسادهم في الأرض، فإن مآل أمرهم خسران الدنيا والآخرة: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}، أما خسران الآخرة فبيِّن، كيف وهم المحرومون من رضوان الله سبحانه ورحمته في جنة عرضها السماوات والأرض، وليس لهم في الآخرة إلا النار؟
وما أعظم خسارة من لم تسعه جنة عرضها السماوات والأرض وكان قراره في عذاب لا ينتهى في نار حامية ليست لأحد طاقة بعذابها، وأما في الدنيا فإنهم لا يبارحهم فيها القلق ولا يفارقهم الاضطراب، فلا يذوقون فيها طعم الطمأنينة ولا يعرفون راحة الإِستقرار بخلاف المؤمنين المتقين المطمئنة قلوبهم بذكر الله:
{ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } [الرعد: 28].