التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ
٣٤
-البقرة

جواهر التفسير

أُسند القول فيما تقدم إلى الرب مضافا إلى الضمير المخاطب المقصود به الرسول صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من التنبيه بأن مراد الله بهذا الاستخلاف تربية هذا الجنس المستخلف في هذه الأرض بما يمنحه من مواهب وينمي فيه من قدرات ويودع في تكونيه من طاقات حسية ومعنوية، وذلك مفهوم من لفظة الرب فإنها بمعنى المربي والمصلح كما تقدم في الفاتحة، وإضافته إلى ضمير الخطاب العائد إليه صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم بلغ أرفع رتبة يصل إليها أفراد هذا الجنس فإنه نال من التربية الإِلهية الظاهرة والباطنة ما لم ينله أحد من الخلق، وأحاطت به عنايته تعالى في كل شيء فخرج لهذا الوجود وقد اجتمعت فيه جميع صفات الكمال التي وهبها الله هذا الجنس الإِنساني من بين مخلوقاته.
وقد عُدل عن هذا الأسلوب هنا إلى أسلوب آخر حيث أُسند القول إلى ضمير المتكلم الآتي بصيغة الجمع لإِظهار عظمته، وهذا العدول مما يسمى في عرف علماء البلاغة بالالتفات، وقد سبق ذكره في سورة الفاتحة، وأنه يأتي لنكتة عامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه، وقد تكون مع هذه النكتة نكت خاصة بحسب ملاءمات مقام الخطاب، والنكتة الخاصة هنا أن الأمر بسجود الملائكة لأدم معاكس لما كانوا يتصورونه من فضلهم عليه وأحقيتهم بالخلافة دونه، فكأنما أراد به تعالى تأديبهم بعد أن أظهر لهم مزيته، فلذلك حكى هذا الجانب من القصة بهذا الاسلوب، وفي هذا السجود ما يشبه الاعتذار منهم إليه مما قالوه في شأنه.
قصة الأمر بالسجود لآدم
والعطف هنا من باب عطف القصة على القصة كما تقدم، وما قيل في "إذ" هناك قيل هنا، وإعادتها بعد العاطف المغنى عن إعادة الظرف للتنبيه على أن هذه القصة مقصودة بذاتها، فكانت حرية بالاستقلال والاهتمام، ومن هنا لم تُعطف بالفاء الدالة على الترتيب والتفريع مع أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها غير أن مراعاة استقلالها والعناية بها كانت أولى من مراعات التفرع المذكور، ويتضح لكم مما ذكرته من أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها أن الأمر بالسجود كان على أثر ظهور مزية آدم بعلمه الأسماء وتعليمه إياها للملائكة، وذهب الفخر الرازي إلى أن الأمر بالسجود سابق على تلك المقاولة المتعلقة بالأسماء لقوله تعالى:
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر: 28 - 29]، وقوله: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ص: 71 -72]، فإن الظاهر من ذلك أنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود عندما آذنهم بخلق آدم، والمجيء بفاء الترتيب في جواب الشرط مؤذن بأن السجود كان مطلوبا عند حصول نفخ الروح وهو بلا ريب سابق على تعلميه الأسماء وما ترتب عليه، ولا بد هنا من وقفة تأمل فيما تدل عليه آيات (الحجر) و(ص)، وما تدل عليه سائر الآيات، فإن من المعلوم أن الأصل في ترتب الحكايات أن يكون بحسب ترتب المحكيات، وقد سردت هنا قصة آدم مبتدأة بإيذان الله الملائكة أنه مستخلفه في الأرض مع ذكر المراحل التي مر بها إلى أن أُهبط من الجنة إلى الأرض. والظاهر أن كل ما ذكر في القصة كان مرتبا بحسب ترتبها الزمني، وهذا يعني أن أمر الملائكة بالسجود كان إثر ما تقدم ذكره من ظهور تفوق آدم على الملائكة في معرفة الأسماء، ومقدرته على تعليمها لهم، ويرجح ذلك المناسبة التي ذكرتها وهو أن يكون في هذا السجود اعتذار منهم إليه عما قالوه في شأنه، أما ما في سورة (الحجر) و(ص) فهو يشعر بأن الله تعالى عندما أخبر الملائكة بخلقه آدم تضمن إخباره أمرا تعليقيا بأن يسجدوا له عندما يكتمل خلقه ويتجلى فيه السر الإِلهي وهو ما عبر عنه بالنفخ فيه من روحه ويجمع بين ما ذكر في تينك السورتين وما ذكر في هذه السورة وسائر السور المشتملة على قصته من الأمر التنجيزي بالسجود بأن ذلك الأمر ظل معلقا إلى أن تم وجود ما تعلق عليه فأُكد لهم بالصيغة التنجيزية، هذا ما ظهر لي من الجمع بين ما ورد في هذه القصة وأنا أستغفر الله مما خالفت فيه الحق.
معنى السجود لآدم
ولا يبعد أن يكون الأمر بالسجود ما كان إلا مرة وإنما حُكي تارة معلقا وأخرج منجزا بحسب اختلاف المقامات، فإذا أورد حالة ذكر الإِعلام بخلقه ذكر معلقا نظرا إلى عدم وقوع ما علق عليه عندئذ، وإذا ذُكر مع ذكر هذا المعلق عليه ذكر منجزا، ويرجح ما ذكرته من قبل قوله تعالى:
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } [الأعراف: 11] اللهم إلا (أن) تحمل (ثم) على المهلة الرتبية كما هو شأنها اذا عطفت الجمل، وهذا الذي استقر عليه رأيي أخيرا وسأزيده بيانا في سورة الأعراف إن شاء الله.
ولعله مما يستشكل أن يكون السجود لآدم بعد تلك المقاولة في الأسماء مع قوله سبحانه:
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ص: 72] فإن الظاهر من الآية أن السجود مطلوب عقب نفخ الروح وذلك لمكان الفاء التي يقترن عطفها بالتعقيب غالبا وتوسط الكلام في الأسماء بين نفخ الروح والسجود مناف لهذا التعقيب.
والجواب أن الفاء هنا رابطة وليست عاطفة حتى تكون دالة على التعقيب وإنما دلالتها على السببية وحدها.
والملائكة الموجه إليهم هذا هم جميع ملائكة الله كما يفيده التعريف والتأكيد بكلهم وأجمعون في قوله سبحانه:
{ فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ص: 73] وهو يدل على رجحانية ما رجحته من قبل من أن الملائكة الذين قال لهم الله إني جاعل في الأرض خليفة هم جميع ملائكته تعالى خلافا لمن قال إنهم ملائكة الأرض وحدهم كقطب الأئمة في الهيميان، ووجه هذه الدلالة أن الأصل في الاسم إذا أعيد معرفة أن يكون مدلوله نفس المدلول السابق، ومما يستغرب أن قطب الأئمة -رحمه الله - اختار في هيميانه وتيسيره أن لفظ الملائكة هنا صادق على جميع أفراده مع ما سبق نقله عنه من أن الملائكة الذين خوطبوا أولا هم ملائكة الأرض وحدهم.
وقد سبق أن ذكرت أن الألوسي نقل عن الصوفية أن المأمورين بالسجود من عدا العالين مِن الملائكة، وأن العالين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات، وحملوا على ذلك قوله تعالى:
{ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ } [ص: 75]، ولا يجوز التعويل على هذا الرأي إذ هو من شطحاتهم المألوفة، وسيأتي إن شاء الله بيان المراد من العالين عندما نصل إلى تفسير الآية من سورة (ص) بعون الله وتوفيقه.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق خلقا آخر فقال: إني خالق بشرا من طين - اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ}، قالوا نعم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم، وهذه رواية باطلة إذ في اسنادها مبهم، وهي مصادمة لنصوص القرآن الدالة على عصمة الملائكة عن مخالفة أوامر الله، ومن ناحية أخرى فإنها تقتضي أن خلق آدم سابق على خلق الملائكة، والآيات دالة على أنهم أوذنوا بخلقه قبل أن يُخلق، وهو يقتضي أن يكون وجودهم سابقا على وجوده، ومن التناقض البَيِّن في هذه الرواية زعم راويها أن إبليس كان مندرجا في تلك المجموعة التي رفضت السجود فأحرقت بالنار، ويلزم من هذا أن يكون إبليس ممن أتت عليه النار، وبالجملة فلولا خشية أن تكون هذه الرواية سببا للبس الحق بالباطل لكان الأولى عدم ذكرها رأسا.
وسجودهم لآدم لم يكن عبادة له فإن العبادة لا تكون إلا لله رب العالمين، ولم تُشرع عبادة غير الله عند أية طائفة من الخلق ولا في أية رسالة جاءت من عند الله
{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ } [الأنبياء: 25]، وإنما هو سجود إجلال وتكريم أذن به الله تعالى لإِعلاء شأن الجنس البشري في الملأ الأعلى، وامتثال الملائكة لأمر الله به معدود من عبادة الله سبحانه التي لا يفتأون عنها، واختُلف في نوعه، فقيل كان سجودا شرعيا وهو عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، وقيل: لم يكن الا سجوداً لغويا وهو عبارة عن تواضعهم وتطامنهم بين يديه، ولا يشكل مجيء ألفاظ في القرآن والسنة مستخدمة في معانيها اللغوية الأصيلة مع أن الشرع حولها إلى معان أخرى، وذلك كالصوم في قوله تعالى: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً } [مريم: 26] فإنه بمعنى الإِمساك مع أن الصوم منقول في الشرع إلى إمساك خاص ليس هو المراد هنا، والكفر المدلول عليه بقوله عز وجل: { أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ } [الحديد: 20] فإنه مستعمل في معناه اللغوي - وهو التغطية - مع أن الشرع نقله إلى مفهوم آخر، ومن العلماء من يرى الوقوف عن تحديد كيفية هذا السجود، وهو أولى لعدم قيام حجة على تعين أحد القولين.
واختُلف أيضا هل كان مقصودا بهذا السجود آدم نفسه أو أنه كان سجودا لله، وكان آدم قبلة للساجدين كما هو شان الكعبة المشرفة؛ ويرجح الرأي الأول تعدية فعل السجود باللام الدالة على أن مدخولها هو المقصود به، ولا يُسْتشكل سجود مخلوق لمثله مع الأمر بذلك ممن له الخلق والأمر على أن سجود بعض الناس لبعض كان مباحا في بعض عهود النبوات السابقة، كيف وقد حكى الله عن أبوي يوسف عليه السلام وإخوته أنهم خروا له سجدا، ومهما يكن فليس في ذلك ما يلمح منه قصد عبادة مخلوق لمخلوق مثله، وإنما حرم السجود لغير الله في رسالة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه حتى لا يكون في هذه الأمة تعظيم لغير الله عز وجل، فلا تخر جبهة على الأرض ولا يتطأطأ رأس ولا ينحني ظهرا لغير جلاله تعالى، ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من هم بالسجود له.
وتأول القائلون بالقول الثاني "اللاَّم" بمعنى "إلى" واستشهدوا لذلك بقول حسان:

أليس أول من صلى لقبلتكم وأعلم الناس بالقرآن والسنن

ومنهم من حمل اللام على معنى "عند" مستدلا بقوله سبحانه: { أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } [الإسراء: 78]، والأكثرون ضعّفوا ذلك.
أصل إبليس
واختُلف في استثناء إبليس هل هو متصل أو منقطع؟ وعلى الأول فإبليس من جنس الملائكة غير أنه شذ عنهم بغروره وكفره لما سبق في علم الله من شقائه، وعلى الثاني فهو خارج من جنسهم وإنما شمله الأمر بالسجود معهم لدخوله ضمنهم بعبادته وطاعته من قبل؛ والقول الأول مروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما كما في تفسير ابن جرير وغيره ونُسب إلى الجمهور، والقول الثاني رُوي عن ابن عباس أيضا ورواه ابن جرير باسناد صحيح عن الحسن ونص ما رواه عنه "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإِنس"، ومثله رُوي عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وشهر ابن حوشب وعليه أصحابنا - رحمهم الله - حتى بالغ بعضهم فقال بإشراك من زعم أنه من الملائكة لمنافاة ذلك قوله تعالى:
{ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } [الكهف: 50] ورده القطب -رحمه الله - لأن قائله تأوله من الاستثناء، والاتصال هو الاصل فيه، وحجة هؤلاء هذا النص الصريح في سورة الكهف الدال على أنه من جنس الجن وليس من جنس الملائكة، وما ثبت بالنصوص القرآنية من عصمة الملائكة المنافية لما صدر من إبليس، وقوله تعالى: { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ } [الكهف: 50]، حيث أثبت له ذرية والملائكة لا يتوالدون إذ لا يتصفون بذكورية ولا بأنوثية وبأنه مخلوق من نار كما خُلقت الجن منها حسب ما صرحت نصوص الكتاب العزيز، والملائكة خُلقوا من نور كما يدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم.
وتكلف أصحاب القول الأول رد هذه الأدلة بضروب من التأويل كقولهم إن الجن المعنّيين هنا طائفة من الملائكة لأن لفظه مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار واستأنسوا لذلك بقوله تعالى:
{ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً } [الصافات: 158] مع أن العرب كانت تزعم أن الملائكة بنات الله فاستظهروا من ذلك أنهم المقصودون بالجِنّة، وجوز بعضهم أن تكون كان بمعنى صار وهو يعني انتقاله بعد الطرد والمسخ من الصفات الملكية إلى صفات الجن الشيطانية فلذلك جاز عليه ما لم يجز على الملائكة، وأما خِلقته من نار فلا تنافي - عندهم - أن يكون كالملائكة مخلوقا من النور لأن النار من طبيعتها الإِنارة.
وما أوهى هذه الردود وأخفى حجتها فإن الأدلة ظاهرة في كون الجن جنسا موازيا للإِنس وليس من الملائكة، ولا يبعد أن يكون مشركو العرب قالوا فيهم ما قالوه في الملائكة من وجود النسب بينهم وبين الله تعالى عما يقولون، فلا يدل قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} على قصد الملائكة بذلك، وقد قال غير واحد من المفسرين: إن المراد بالجنة هنا الجان لا الملائكة، والنار وأن كان من شأنها الإِنارة فإن خاصيتها المعروفة هي الإِحراق، فالجن خلقوا منها متلبسين بهذه الخاصية المزعجة، أما الملائكة فهم مخلوقون من النور والنور لا يلزم تلبسه بالإِحراق كما هو معروف على أن قوله تعالى في سورة الكهف:
{ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } واضح في أن فسقه ناشئ عن كونه من الجن.
والقول الفصل في هذا المسألة هو ما قاله الإِمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو أن إبليس كان مع الملائكة بصورته مع اختلاف عنصره عنهم فهو من نار وهم من نور، وأن النافي لكونه من الملائكة، والمثبت لم يتواردا على محل واحد، وبهذا يرجع القولان إلى قول واحد.
وجمل {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} مستأنفة استئنافا بيانيا لتبيان سبب خروجه عن الملائكة بعصيانه أمر الله واعتراضه عليه وذلك أن من شأن مثل هذا الخبر أن يثير تساؤلا في نفوس سامعيه، كيف لم يمتثل إبليس أم ربه مع الحاقه إياه بالملأ الأعلى وتأثره بالصفات الملكية وإن لم يكن منهم؟ وتوجيه الخطاب إليه ضمن خطاب الملائكة في قوله: {ٱسْجُدُواْ} على أن من طبيعة المخلوق التأثير بالمقارن، وكراهة شذوذ الفرد عن الجماعة، وفي هذه الجمل الإِجابة عن هذه التساؤلات كلها.
معنى الإِباء والاستكبار
والإِباء الامتناع عن الشيء لكراهته، ويُستعمل فيما اذا كان الامتناع والكراهة لترفع الأبي عن المأبى عنه، والاستكبار والتكبر بمعنى غير أن الاستكبار يُشعر لفظه بالمبالغة في طلب الكبر وهو جبلة ذميمة تدع النفس تركن إلى اعتقادها أنها أرفع من المتكبر عليه وهذا يعين أن الكبر لا يكون إلا مع وجود المتكبِّر والتكبِّر والمتكبِّر عليه مع داعية الكبر وإن كانت وهمية، ومن هنا يختلف عن العجب فإنه يتوقف على الْمعجَب وداعية العجب فقط.
وذهب بعض المفسرين إلى أن المعطوفات هنا لم تأت على نسق ترتبها الواقعي، فإن الكفر سابق على الاستكبار، والاستكبار سابق على الإِباء، فكان من حق الترتيب أن يُقال كان من الكافرين واستكبر وأبى، ورده الإِمام محمد عبده بأن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر، فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولا لأنه المقصود بالذات وهو الإِباء، ثم يذكر سببه وعلته وهو الإِستبكار، ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.
وذهب بعضهم إلى أن "كان" هنا بمعنى "صَار"، وقائل ذلك نظر إلى أن صيرورته إلى الكفر إنما كانت بسبب إبائه واستكباره، ورده ابن فورك قائلا: إن الأصول ترده، وانتصر له ابن عاشور بأن استعمال كان بمعنى صار نوع من أنواع استعمالها كما في قوله تعالى:
{ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ } [هود: 43] وقوله: { وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً } [الواقعة: 5، 6] وقول ابن أحمر:

بتيهاء قفرٍ والمطي كأنهاقطا الحزم قد كانت فراخا بيوضها

وقال كثير منهم: إن المراد بقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أنه كان كافرا في علم الله عز وجل، والداعي إلى هذا القول عند قائليه ان إبليس قبل هذا الإِباء لم يكن في ذاته كافرا وإنما كان كفره مما طواه الغيب في علم الله وحده، وذهب آخرون إلى أنه كان كافرا في سره وإن ظهر خلاف ذلك من علانيته، وجميع هذه الأقوال غير صادرة إلا عن التكلف الذي ألجأ قائليها إليه نظرهم إلى أن دلالة كان على المضي، وإبليس لم يكن في ماضي أمره حسب علانيته كافرا، والصحيح ما استحسنه ابن عاشور وهو أن "كان" هنا دالة على رسوخ معنى خبرها في اسمها وإلا فالأصل أبى واستبكر وكفر، ولما أُريد تعميق مفهوم الكفر الذي انطوى عليه إبليس ليكون سامعوا خبره على بينة من أمره جيء بكان كما فُعل في قوله عز وجل: { إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ } [الأعراف: 83]، وقوله: { نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ } [النمل: 41]، وعُدل عن نحو وكان كافرا إلى {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} مع أنه لم يكن له ثان في الكفر يومئذ فضلا عن وجود مجموعة من الكافرين ينضم إليها لأن التعبير المعدول إليه أدل على تعمق الكفر فيه وتمكنه منه، فإن الواحد يزداد تمسكه بمبدئه وإصراره عليه إذا علم ان له شركاء يساندون رأيه ويقفون معه، فإبليس وإن كان هو الإِمام للكافرين ورفضه لما أمره الله به هو الخطوة الأولى إلى الكفر، فإن استشعاره أنه سيكون له أتباع وأعوان وشركاء فيما اختاره لنفسه من الكفر كان له حافزا إلى الإِصرار على ما أخلد إليه والعياذ بالله، وقد ذكر الاستكبار هنا مجملا وبُين في قوله تعالى حاكيا عنه: { أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ص: 76، الأعراف: 12] وفيه دليل على أن منشأ استكباره نظره إلى العنصر الذي خُلق منه، والعنصر الآخر الذي خُلق منه آدم، ولم يدر بباله أن قيمة كل أحد عمله وليست عنصره، وفي هذا عبرة للذين يتفاخرون بالأنساب ويتكلون على الأحساب تاركين العمل الصالح جانبا عنهم كأنما يجازي الناس يوم القيامة بأنسابهم.
المفهوم الخاطئ عن الملائكة
هذا وقد سبق لي أن أشرت في مقدمة التفسير إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده وتابعه عليه تلميذه العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير قصة آدم عليه السلام وقد رأيت أن اورد هنا ما قالاه في تفسير هذه الآية الكريمة وذلك بإيراد نص كلامهما تارة ومضمونه تارة اخرى ثم أتبع ذلك كشف الستار عن هذه المسألة وبيان مخالفة رأيهما لمدلولات النصوص القرآنية وما اتفقت عليه هذه الأمة جيلا بعد جيل مع شرح الأسباب التي دفعت بهما إلى اتباع هذا المسلك الملتوي في تأويل كتاب الله.
سبق أن أشار الأستاذ الإِمام في الآيات السابقة أن الناس وقفوا من هذه القصة موقفين: موقف التفويض وعدم الخوض في بيان تفاصيلها وعزا ذلك إلى السلف، وموقف التأويل وأمثل وجوهه عنده أن يكون المراد بهذه القصة مجرد التمثيل، وقد سبق أن ذكرت في بداية تفسيرها بطلان حمل القصص القرآنية على التمثيل فحسب، فإن للتمثيل طرقا في القرآن ليست هذه القصة منها ولا إليها.
وفي حمل الأستاذ هذه القصة على التمثيل توطئة لما سيقوله بعد فإنه تدرج في تأويلها وتأويل ما انطوت عليه من أسماء الأجناس الغيبية حتى انتهى إلى النقطة النهائية التي لم يبرحها وهي ذلك التأويل البعيد الذي أشرت إليه في المقدمة. ولنبدأ هنا بنقل كلامه حسب تلخيص السيد رشيد رضا له. قال:
"تقدم أن الملائكة خلق غيبي لا نعرف حقيقته وإنما نؤمن به بإخبار الله تعالى الذي نقف عنده ولا نزيد عليه، وتقدم أن القرآن ناطق بأن الملائكة أصناف لكل صنف وظيفة وعمل، ونقول الآن إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم وقد أُسند إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهاما، وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح، فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا ونحن لا نحس بشيء يتصل بأبداننا، لا عند الوسوسة، ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس، فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعا، والواجب على المسلم في مثل هذه الآية الإِيمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ثم الإِعتبار بها بالنظر في الحِكَم التي سيقت لها القصة".
وبعد إيراد هذه الفقرة من كلام الإِمام في المنار قال السيد رشيد رضا: "إن إسناد الوسوسة إلى الشياطين معروف في الكتاب والسنة، وأما إسناد الحق والخير إلى الملائكة فيؤخذ من خطاب الملائكة لمريم عليها السلام، ومن حديث الشيخين في المحدثين وكون عمر منهم - والمحدَّثون بفتح الدال وتشديدها الملهمون - ومن حديث الترمذي والنسائي وابن حبان وهو "إن للشيطان لَّمة بابن آدم وللملك لّمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان" ثم قرأ:
{ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ } [البقرة: 268].
وكانت هذه خطوة يخطوها الإِمام إلى إيضاح رأيه الذي اقتنع به، ثم جاءت ال خطوة الثانية في قوله: "وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخة الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يُقال في الحيوان والإِنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإِلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي سُمى في لسان الشرع ملكا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإِمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها وبه قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، فلا يعلم إلى الله عَلاَمَ يختلف الناس؟ وكل يقر بوجود شيء غير ما يُرى ويُحس، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه، وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما أُجيب عنه لو قال أصدق بغيب أعرف أثره وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤنمين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي، ويُحظى بما يُحظى به المؤمنون".
وخلاصة ما ذكره هنا أن المراد بالملائكة هذه القوى الغيبية التي تكمن وراء الكائنات الإِنسانية والحيوانية والنباتية، وهي ما تسمى بالأرواح عند المتدينين وفقا لنصوص الوحي، وبالقوى الطبيعية عند غيرهم وهو كما تراه يعزو ذلك إلى بعض المفسرين ولم يحدده، وقد فتشت فيما وصلت إليه يدي من كتب التفسير عن هذا الرأي فلم أجد مّعزوًّا إلى أحد الإِسلاميين سواءك ان من المفسرين أم من سائر العلماء، وإنما وجدت رأيا قريبا منه معزوا إلى النصارى، وآخر إلى فلاسفة اليونان، كما سيأتي إن شاء الله، ولست أدري هل يقصد الأستاذ بالبعض الذي ذكره هؤلاء؛ أو أنه يريد به نفسه فورى عنها بكلمة بعض المفسرين؟ ويتضح لمن قرأ كلامه هذا أنه أراد بهذه المحاولة التقريب بين عقائد المسلمين وأفكار الماديين الذين ران الباطل على قلوبهم فلم تتمكن من إبصار الحقيقة وإدراك الحق، وهيهات أن يُلَزّ الحق والباطل، أو الهدى والضلال في قرن.
ثم ذكر عقب ما تقدم ما يُحس به كل أحد عندما يهم بأمر حق أو باطل من تنازع في نفسه بين دواعي الخير ودواعي الشر - وهي خواطره المترددة - إلى أن يترجح أحد الجانبين فيقدم على الفعل أو الترك في الأمرين، وأجاز أن تسمى الخواطر الخيرية باسم الملائكة لأن التسميات لا حجر فيها على الناس، فكيف يُحجر على صاحب الإِرادة المطلقة، والسلطان النافذ، والعلم الواسع؟ وذكر السيد رشيد رضا عقب كلامه هذا أن الإِمام الغزالي سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب، وقال إنه سمي ملكا، وذلك أنه بعدما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال: "ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث، ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب، هذا ما عُرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا، والذي يتهيأ به لقبول الشر يسمى إغواء وخذلانا، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة".
والفرق واضح بين كلام الغزالي هذا وكلام الإِمام محمد عبده، فإن الغزالي لم يزد على أن خواطر الخير تكون بإلهام الملائكة فإنهم يتولون بأمر الله إلقاءها في نفس الإِنسان، وخواطر الشر من أمر الشيطان، وهذا هو الذي تفيده دلائل القرآن والسنة، ولا يدل كلامه من قريب ولا بعيد أن خواطر الخير هي نفسها الملائكة، وخواطر الشر هي الشياطين كما يقتضيه كلام الإِمام محمد عبده، وإن عد كلاميهما صاحب المنار من باب واحد.
وبعد هذه التوطئة الطويلة من الإِمام محمد عبده لغرضه المقصود أتى ببيت قصيده حيث قال: "فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يُستبعد أن تكون الإِشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصا بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حُدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإِنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعدا للتصرف بجميع هذه القوى، وتسخيرها في عمارة الأرض وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له والتصرف الذي لم يعط لغيره، خليفة الله في أرضه، لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس، وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزًّا وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مبدأ الوجود لترده إلى العدم أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء أو التي تعارض في اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير وتنازع الإِنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خُلق مستعدا للوصول إليها، تلك القوة التي ضللت آثارها قوما فزعموا أن في العالم إلها يسمى إله الشر، وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته الا هو - قال - ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق".
واذا كان الإِمام قال هنا بجواز هذا التأويل ورد الأمر فيه إلى اطمئنان القلب وسكون النفس، فإنه تجاوز ذلك إلى القول بوجوبه بعد أن طمّت عليه موجة من الاستنكار من العلماء الذين لم يألفوا مثل هذا التأويل البعيد عن مدلولات ألفاظ القرآن بحسب وضعها اللغوي والاصطلاحي فأصر على قوله إصرارا ولم يعر عاذليه إلا أذنا صماء، وقد وقف بجانبه تلميذه السيد رشيد رضا الذي بين هدف الإِمام من هذا التأويل، ومهد لنقل ما رد به الإِمام على خصومه بقوله: "إن غرض الأستاذ من هذا التأويل الذي عبّر عنه بالإِيماء وبالإِشارة اقناع منكري الملائكة بوجودهم بتعبير مألوف عندهم تقبله عقولهم وقد اهتدى به كثيرون وضل به آخرون فأنكروه عليه وزعموا أن جعل الملائكة قوى لا يُعقل فرد عليهم كتابة بما نصبه بحروفه "ولست أحيط علما بما فعلت العادة والتقاليد في أنفس بعض من يظنون أنهم من المتشددين في الدين إذ ينفرون من هذه المعاني كما ينفر المرضى أو المخرجون من جيد الأطعمة التي لا تضرهم، وقد يتوقف عليها قوام بنيتهم، ويتشبثون بأوهام مألوفة لهم تشبث أولئك المرضى والمخدجين بأضر طعام يفسد الأجساد ويزيد السقام، لا أعرف ما الذي فهموه من لفظ روح أو ملك؟ وما الذي يتخيلونه من مفهوم لفظ قوة؟ أليس الروح في الآدمي مثلا هذا الذي يظهر لنا في افراد هذا النوع، بالعقل والحس، والوجدان والإِرادة والعمل، وإذا سُلبوه سُلبوا ما يسمى بالحياة؟ أو ليست القوة هي ما تصدر عنه الآثار فيمن وهبت له، فإذا سمي الروح لظهور أثر قوة، أو سميت القوة لخفاء حقيقتها روحا، فهل يضر ذلك بالدين أو ينقص معتقده شيئا من اليقين؟".
"ألا لا يسمى الإِيمان إيمانا حتى يكون إذعانا، ولا يكون كذلك حتى يستسلم الوجدان وتخشع الأركان لذلك السلطان الذي تعلق به الإِيمان، ولا يكون كذلك، حتى يُلقي الوهم سلاحه، ويبلغ العقل فلاحه، وهل يستكمل ذلك لمن لا يفهم ما يمكنه فهمه، ولا يعلم ما يتيسر له علمه؟ كلا إنما يعرف الحق أهله ولا يضل سبله، ولا يعرف أهل الغفلة لو أن مسكينا من عبدة الألفاظ من أشدهم ذكاء وأذربهم لسانا أخذ بما قيل له إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل، ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معنى نورانية الأجسام، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصا ممتازا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف، ثم ينعكس عنه كذبالة المصباح أو سلك الكهرباء؟ ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشيء الواحد أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد، وكيف يكون ذلك؟ ألا يقع في حيرة، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث في لسانه من العقد ما لا يستطيع حله؟ أليس مثل هذه الحيرة يعد شكا؟ نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه، وكلف نفسه علم ما لا تعلمه، فلا يُعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانا صحيحا واطمأنت بإيمانه نفسه، وأذعن له قلبه، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله كما هو شأن صاحب الإِيمان الصحيح".
"فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر فيها تقاليد حُفَّت بالمخاوف لا علوم حُفت بالسكينة والطمأنينة، هؤلاء لم يشرق في نفوسهم ذلك السر الذي يُعبر عنه بالنور الإِلهي، والضياء الملكوتي، واللألاء القدسي، أو ما يماثل ذلك من العبارات، لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق، ولو علموا أن العالم بأسره فان في نفسه، وأن ليس في الكون باق كان أو يكون إلا وجهه الكريم، وأن ما كثف من الكون وما لطف وما ظهر منه وما بطن إنما هو فيض من جوده، ونسبة إلى وجوده، وليس الشريف منه إلا ما أعلى بذكره منزلته، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته، فإن كل مظهر من مظاهر الوجود في نفسه واقع موقعه ليس شيء أعلى ولا أحط منه، فإن كان كذلك - ولا بد أن يكون كما قدره - لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول في تلك الشؤون حتى تصل الى مستقر الطمأنينة حيث لا ينزاع العقل شيء من وساوس الوهم، ولا تجد طائفة من الخوف، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ".
"هذه القوى التي نرى آثارها في كل شيء يقع تحت حواسنا وقد خفيت حقائقها عنا، ولم يصل أدق الباحثين في بحثه عنها إلا إلى آثار تجل إذا كشفت، وتقل بل تضمحل إذ حُجبت، وهي التي يدور عليها كمال الوجود، وبها ينشأ الناشئ، وبها ينتهي إلى غايته الكامل، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل أليست أشعة من ضياء الحق؟ أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه؟ ألا تعد بنفسها من عَالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة؟ ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والإِختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا؟ ألا تراها توافي بأسرارها من ينظر في آثارها ويوفيها حق النظر في نظامها؟ يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها"؟.
"أليس الوجود الإِلهي الأعلى من عالم الغيب وآثاره في خلقه من عالم الشهادة؟ أليس هو الذي وهب تلك القوى خواصها وقدر لها آثارها؟ لم لا تقول أيها الغافل إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة بها ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفي حيوان مثلك؟ مع أنك لو سئلت عن الذي تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفا ولا لفعله تصريفا؟ لم لا تقول كما قال الله وبه نقول:
{ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإِسراء: 44].
"أفلا تزعم أن لله ملائكة في الأرض وملائكة في السماء؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟ وهل حددت أمكنتها ورسمت مساكنها؟ وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك ومن يكون عن يسارك؟ هل ترى أجسامهم النوارنية تضيء لك في الظلام أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟ فلو ركنت إلى أنها قوى او أرواح منبثة فيما حولك أو ما بين يديك وما خلفك، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك، وبالعبارة التي تلقفتها عنهم كي لا يوحشك بما يدهشك وترك لك النظر فيما تطمئن إليه نفسك من وجوه تعرفها، أفلا يكون ذلك أروح لنفسك وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟ أفلا تكون قد أبصرت شيئا من وراء حجاب ووقفت على سر من أسرار الكتاب فإن لم تجد في نفسك استعدادا لقبول أشعة هذه الحقائق وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول:
{ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [آل عمران: 7] فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته وهم في إيمانهم أعلى منك كعبا وأرضى منك بربهم نفسا، ألا إن مؤمنا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة ومن فضل ربه في سعة".
هذا ما قاله الإِمام في هذا الموضوع، وأقره وتابعه عليه السيد رشيد رضا، ويتلخص رأيهما فيما يلي:
1) عدم التفرقة بين الملائكة والأرواح التي هي قوام أجساد الأحياء.
2) تفسير الملائكة والأرواح بالقوى الطبعية الكامنة وراء العالم البشري وغيره من المخلوقات.
3) تفسير إبليس والشياطين بقوى الشر الكامنة وراء هذه المخلوقات التي تدفع بالإِنسان الى ما فيه ضرر نفسه وجنسه ومصيبة مجتمعة وأمته.
وقد جاء رد الإِمام على خصومه في هذه المسألة مليئا بعارات التشنيع عليهم والاستخفاف بهم، خاليا من الحجج التي يمكن أن يعول عليها في اثبات أمر أو نفيه بل كان وحيا من عاطفته الجياشة الثائرة بعيدا عما يجب أن يكون عليه البحث الموضوعي، وقد حشر فيه ما لا صلة له بما يتحدث عنه، وسفه رأي من قال إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل وعده من دواعي الحيرة والشك في العقيدة لعدم استيعاب الأفهام لهذا المنطق، ووافقه السيد رشيد رضا في تعليق له على كلامه في حاشية المنار ونصه: "هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام وغيرها وأول ما يعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة، ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما".
هذا وإذا كنت قد أُعجبت بكثير من آراء هذين الإِمامين في تفسيرهما لكتاب الله كما تجدون ذلك واضحا في هذا التفسير فإن ذلك لا يمنعني من التنبيه على خطئهما عندما يحيدان عن الصراط السوي في الرأي، وما من أحد إلا وفي كلامه ما هو مقبول وما هو مردود إلا المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، وبناء على هذا فإنني أقول:
الملائكة والشياطين من عالم الغيب
لا ريب أن الملائكة والشياطين من عالم الغيب الذي لا يمكن أن نفسره وفق المقاييس التي نعتمد عليها في فهم عالمنا المشهود، وإنما يجب استنادنا في اكتناه حقائقه على ما نفهمه من كتاب الله، وما ثبت عندنا من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لنا أي اتصال بالغيب إلا من طريقهما، وإذا استقرينا نصوص الكتاب والسنة نجد أن هذا التفسير الذي قاله الإِمام واعتمده تلميذه صاحب المنار ليس من الصحة في شيء بل هو بعيد من الصحة بعد تخوم الأرض عن الأفلاك المتناهية في العلو، فالله عز وجل يخبرنا عن الملائكة بقوله:
{ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ } [فاطر: 1]، وقوله: { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ } [الأنبياء: 26 -29]، فإن هذه الأوصاف - بحسب مقتضيات اللغة العربية - لا تكون إلا لأولي ذوات مستقلة، وهو يتنافى مع تفسيرهم بالطاقات الطبعية، فإنه من المعلوم أن الطاقة الطبعية لا توصف بأنها عاقلة، وكل من لفظتي "أولى" و"عباد" لا تطلق إلا على جنس العقلاء فضلا عن إطلاقهما على الحقائق المعنوية وحدها كالقوى الطبعية، ومثل ذلك وصف العباد بالصيغة الدالة على جمع العقلاء في قوله {لاَ يَسْبِقُونَهُ}، و{يَعْمَلُونَ}، و{بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}، و{لاَ يَشْفَعُونَ}، و{هُمْ}، و{مُشْفِقُونَ}، و{مِنْهُمْ}، ويقول تعالى: { وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ } [الأنعام: 93] وهو دال على استقلال ذواتهم كما قلت، ويقول في زبانية النار - والعياذ بالله - { عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6]، وصيغة أوصافهم في هذه الآية دالة أيضا على أنهم من العقلاء كما سبق، ويقول في جبريل عليه السلام: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ } [النجم: 5 -13]، فبالله عليكم هل تنطبق هذه الأوصاف على القوى الطبعية؟ ويقول فيه أيضا: { رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } [التكوير: 19 -21].
ومثل ذلك ثبت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة معنى، فقد أخرج الإِمام الربيع والشيخان
"عن مسروق أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ}، وقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء ساداً عظيم خلقه ما بين السماء والأرض" وثبت عند الشيخين أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضور بين يديه في صورة رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة وأخذ يسأله عن أركان الإِيمان، وروى الربيع والشيخان "عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس وهو أشده علىّ فيُفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" ففي هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة وأمثالها ما يكفي العاقل حجة على استقلال ذوات الملائكة وعدم كونهم قوى متلبسة بسائر الذوات، وهي صريحة في تشكلهم متى أرادوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدل قوله: "لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين.. إلى أخره" على أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرى جبريل عليه السلام في سائر المرار في صورة أخرى يتمثل بها لتقوى نفس النبي صلى الله عليه وسلم على إبصارها، وهو الذي صرح به حديثا الإِيمان والوحي، بل صرح القرآن بتمثل جبريل في صورة إنسان في قوله تعالى حاكيا قصة مريم: { فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } [مريم: 17]، أما كونهم أجاسما نورانية فيمكن أن يُستدل له بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند مسلم أن الملائكة مخلوقون من نور، ومثل ذلك مثل خلق إبليس والجان من نار المنصوص عليه في قوله تعالى حاكيا عن إبليس: { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } [ص: 76]، وقوله: { وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ } [الحجر: 27]، وقوله: { وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ } [الرحمن: 15]، والنور مشتركان في عالمنا الأرضي المحسوس في كونهما لا يقوم أحدهما بنفسه، وإنما يتوقف وجودهما على وجود جرم آخر كثيف يتلبسان به، غير أن الله عز وجل الذي جعلهما في هذا العالم بهذه الصفة قادر على جعلهما في ما وراء العالم المحسوس بصفة أخرى، وعلينا أن نؤمن بما أخبر به أو أخبر به رسوله الأمين عليه افضل الصلاة والسلام.
ولا يلزم من تفسير جمهور الأمة للملائكة أن نعرف أين مساكن ملائكة الأرض وتحديد أمكنتها، وبيان موقع من يكون منهم عن اليمين ومن يكون عن اليسار، ورؤية أجسامهم النورانية تضيء في الظلام كما قال الإِمام محمد عبده، فإننا مع تسليمنا بما جاء به الوحي نعترف بالعجز عما طوى الله علمه عنا، ونعلم أن طبيعة اتصال الملائكة بنا تختلف عن طبيعة اتصال بعضنا ببعض، وإذا كان الله عز وجل ميّز طبائع بعض الموجودات في عالمنا عن بعض أفلا يكون ما أوجده وراء هذا العالم أجدر بأن تتميز طبيعته، وأن تختلف أحواله، فنحن هنا على ظهر الكرة الأرضية نسبح في خضم من الهواء يحيط بنا من أعلانا، وأمامنا، وخلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، غير أننا لا نشعر بملامسته لأجسادنا مع كونه جسما لطيفا، وإنما نحسن به في سرعة جرينا، وفي حالة اضطرابه، هذا مع العلم بأن الهواء أهم عنصر مادي في قوام أجسادنا، ولا يمكننا الاستغناء عنه لحظة واحدة.
واذا كنا نسلم أن للشيطان تأثيرا على البشر في الإِغواء والإِضلال ولا يحس أحد بحرارة أجسامهم مع خلقهم من نار، وإنما يحس بآثار وحيهم عندما تميل نفسه إلى جانب الشر وتنزع إلى الباطل والفساد، فما المانع من أن يكون اتصال الملائكة بالبشر لا تحس معه طبائعهم الخلقية على أننا نقول: إن تأثير كلا النوعين على الناس هو تأثير روحاني بما أودع الله فيهما من قوى لا يمكننا تصورها، واذا كان البشر مع كونهم أجساما كثيفة يمكن لبعضهم أن يؤثر على بعض تأثيرا نفسيا بما يسمى التنويم المغناطيسي حتى بمجرد حديث في الهاتف، فما بالك بالملائكة والشياطين مع ما اختصوا به من قدرات لم تُعط للإِنسان... وانت تعجب فاعجب للسيد رشيد رضا إذ قال - في تعليق له على المنار بعد إيراده انتقاد الإِمام لتعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية قابلة للتشكل - ما نصه: "هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام، وأول ما يُعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة، ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما". إذ تجده يستنكر هذا التعريف للملائكة ويقول بعدم صحته لغة بينما تجده في تعليقه على كتاب "الوحي المحمدي" يثبت خرافة لا يصدقها العقل السليم ولا يقرها النقل الصحيح إذ قال ما نصه: "قال بعض من شاهد في فرنسا روح امرأة تجسدت: إنها ظهرت أولا بشكل بخار أو ضباب، ثم تكاثف فكانت جسدا تام الجمال في ثوب أبيض فسألها أن تعطيه قطعة من ثوبها فسمحت له، فقصها فلم تلبث أن تكون مثلها في موضعها، ثم عرضها على معارض النسج في باريس وسألهم هل يود مثل هذا النسيج المهلهل؟ قالوا "لا" ولكن يمكن إيجاده إذا طُلب".
فانظر كيف أثبت تطور الروح مما هي عليه إلى بخار أو ضباب حتى صارت جسما تام الجمال... الخ ما ذكره، فبالله عليكم هل صاحبة الروح كانت حية أو ميتة؟ فإن كانت حية فكيف يمكن انفصال روحها عن جسدها مع استمرار حياتها؟ وإن كانت ميتة فأنى لأحد سلطان على الروح وهي من أمر ربي؟ وقد قال تعالى:
{ { ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } [الزمر: 42]، فكيف يمكن لأحد أن يسترد ما أمسكه الله؟ ويقول سبحانه: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } [مريم: 98]، ولم يقف السيد رشيد رضا عند هذا الحد بل أتبع هذه الخرافة الأوروبية بخرافة صوفية تحسب على الإِسلام خصوصا عندما يقرها مثله في كتابه فقد قال عقب ما تقدم: "وهذا مثل ما يحكيه صوفيتنا عن الذين يتجردون من أجسادهم تارة ويتشكلون كابن عربي ومنهم قضيبُ البان الذي طُلب مرة فوجد مالئا للبيت الذي كان فيه حتى يتعذر خروجه بجسده ذاك، ثم صغر فخرج، ومن لم يصدق هذا من علماء الكيمياء لأنه لم يشاهد مثله لا ينكر إمكانه".
فانظر أليس ما نسبه إلى قضيب البان من هذا التحول هو التشكل الذي استبعده من الملائكة؟ فكيف يثبت لإِنسان خُلق مطبوعا بالطبائع البشرية ما ينفيه عن الملائكة الذين أوتوا من القوى الغيبية ما لم يؤته أحد سواهم. ونجده في الوحي المحمدي يصرح بثبوت التشكل للمؤمنين في الدار الآخرة إذ يقول: "ويؤخذ مما ورد في الآيات والأحاديث النبوية من صفة حياة الآخرة أن القوى الروحية تكون هي الغالبة والمتصرفة في الأجساد فتكون قادرة على التشكل بالصور اللطيفة وقطع المسافات البعيدة في المدة القريبة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة وأهل النار".
وأغرب من هذا كله أن يستسيغ السيد رشيد رضا مثل هذا التأويل في الملائكة والشياطين مع إصراره في تفسير الآيات المتشابهات على إجرائها بحسب ظاهرها تمسكا بمذهب السلف - حسبما يقول - مع أن ذلك يؤدي قطعا إلى تشبيه الله بمخلوقاته كما يؤدي إلى إقرار التناقض في القرآن وهو ما لا يصح عقلا ولا نقلا، وتأويل المتشابهات بحملها على ما تقتضيه القرائن من المعاني المقصودة بها هو الذي يتفق مع سَنَنِ الكلام العربي الذي يدل على المقصود تارة بطريق الحقيقة وأخرى بطريق المجاز وهو ضروري لإِبعاد تهمة التناقض عن كلام الله، كما سنبينه إن شاء الله في موضعه.
هذا وكما لا يصح تفسير الملائكة بما ذكره الإِمام من أنهم القوى الخيرية وراء هذه الكائنات يتعذر أيضا ما قاله من تفسير إبليس أو الشيطان بالقوة التي تأبت على الإِنسان وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزا، وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص - الخ. فإن ذلك منافٍ لما ذكره الله من صفات إبليس والشياطين في كتابه وما جاء من ذلك من حديث رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وكفى بما ذكره الله في قصة آدم شأ، إبليس وتأبِّيه عن السجود لآدم،وما كان بينه وبين الله من مقاولة شاهدا على بطلان هذا التأويل، وقد ذكر الله أن إبليس من جنس الجن كما ذكر أن الجن جنس قسيم لجنس الإِنس، وأنهم مُتَعبَّدون كما تعبد الإِنس، وذلك في قوله تعالى:
{ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات: 56] قوله: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ } [الأنعام: 112]، وقوله: { قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ } [الأعراف: 38]، وقال في سليمان الذي سخر له الجن كما سخر له الإِنس: { وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } [النمل: 17]، وحكى ما أجابه به عفريت من الجن في قصة عرش بلقيس إذ قال: { قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } [النمل: 39]، وذكر تسخير الشياطين لسليمان وما كانوا يعملونه له في قوله: { وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } [الأنبياء: 82]، وقوله: { وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ } [ص: 37-38] وقال فيهم: { وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } [سبأ: 12-14]، وقد نص الله عز وجل على أن للشيطان ذرية في قوله: { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي } [الكهف: 50]، وقد نصت الأحاديث على تناسل الشياطين كما نصت على أكلهم ومنه ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" .
وإني أرى أن فتح هذا الباب في التأويل يوسع المجال لأصحاب الأهواء والأغراض بأن يتلاعبوا بكتاب الله كما تملي عليه أهواؤهم، حتى يتسع الخرق على الرقاع فيفقد بذلك القرآن ما اختصه الله به من هدى حيث تحجبه تأويلات الزنادقة وأقاويل المبتدعة إذ لا يبالون بلي أعناق الآيات حتى تتفق مع المفاهيم التي يهدفون إليها، وماذا يمنع - مع فتح هذا الباب - من أن يقول قائل: إن المراد بنعيم الجنة ما يخُوله الإِنسان في هذه الدنيا من خيراتها، وأن المراد بعقاب النار ما يكابده من عنتها وبلائها.
وبالجملة فإن تأويل الملائكة والشياطين بما ذكره الإِمام محمد عبده من أبعد التأويلات عن مدلولات القرآن، بل هو مزيج من أقوال محكية عن طوائف من النصارى، وعن حكماء اليونان، فقد حكى الفخر والألوسي في تفسيريهما عن طوائف من النصارى قولهم: إن الملائكة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، وإن الشياطين هي الأنفس الخبيثة، كما نسبا إلى الفلاسفة قولهم: إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وحكى القطب في الهيميان كلا القولين وشنع على من قال بقول النصارى حيث قال: "ومن اعتقد هذا حكمنا بإشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا كذلك - إلى أن قال - فإذا قلنا إن الملائكة، تبعث على حدة، فيلزم منه أن يكونوا بنوا آدم مبعوثين بلا روح آخر أو غير مبعوثين، أو مبعوثين بأرواح غير ما كان فيهم في الحياة الدنيا، وذلك كله شرك لأنه انكار للبعث الموصوف شرعا بأنه بأرواح وحياة وأنه لا يترك منه شيء مما كان فيه في الدنيا فكيف يبعثون بدون الروح التي كانت فيهم".
وقد يدهش الإِنسان من صدور هذا التأويل عن مثل هذين العالمين الجليلين اللذين طالما حملا لواء الدفاع عن الإِسلام غير أن هذه الدهشة قد تتضاءل شيئا ما عندما يتصور الظروف الحرجة التي عايشاها ، وقد سبق أن أشرت في مقدمة التفسير إلى شيء من ذلك، ولأجل المناسبة أرى أن أوضح قليلا هنا ما أشرت إليه هناك.
من المعلوم أن الإِمام محمد عبده كان هو الربان الذي يقود سفينة المدرسة الإِصلاحية في مصر بعدما تولى إنشاءها السيد جمال الدين الأفغاني إبان زيارته لمصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري وقد سلم زمامها بعد أن أتم إنشاءها إلى تلميذه الكبير العملاق الإِمام محمد عبده، فكان يجري بها بين تيارين متعاكسين كل منهما لا يقل خطورة على الدين الحنيف؛ ويتمثل التيار الأول في مشائخ الدين الدجالين الذين ما كانوا يعرفون من الدين إلا قشورا سخيفة تنطوي تحتها على ما الدين براء منه من الخرافات والأوهام والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكانوا يلقون التأييد الكاسح من الجمهور الساذج الذي لا يعرف معنى للدين إلا أنه العادات الموروثة والتقاليد المألوفة ويتمثل التيار الثاني في الثقافة الأوربية التي وفد بها طائفة من الشباب الذين نهلوا من معارف أوروبا وهم خلو من تعاليم الإِسلام فعادوا إلى بلادهم وهم ينظرون إلى الدين نظرة أساتذتهم الغربيين إليه، وهي أنه الحاجز الوحيد دون تقدم الأمم ورقي الشعوب، ويتصورونه مزيجا من التناقضات والأوهام التي يأباها العقل ويرفضها العلم، وقد رسخ في عقولهم هذه النظرة ما كانوا يسمعونه ويشاهدونه من أدعياء الدين الذين يلقبون شيوخه فكانوا يتطلعون بكل لهفة وشوق إلى اليوم الذي يقع فيه الدين الإِسلامي تحت مطارق العلم الحديث والفكر الحر حتى يعود هباء منبثا كما سبق أن حل ذلك بالعقيدة النصرانية في الغرب إذ لم تلبث حتى ذابت تحت وهج العلم، وكان رجال الإِصلاح يعانون من هؤلاء ومن هؤلاء، ولسان حالهم يقول: "وحسبي من أمرين أحلاهما مرٌّ"، وقد أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الدين الإِسلامي ودفع التهم التي يوجهها إليه الحاقدون والمغرضون، وإعادة الثقة به في نفوس أبنائه، كما أخذوا على عاتقهم مسؤولية تنقيته مما يشوبه من بدع المحرفين، وضلالات الدجالين، وخرافات المشعوذين، ونظرا إلى استنكار الماديين للقضايا الغيبية، ومسارعتهم إلى التكذيب بالدين بسببها، إذ لم تكن تستسيغها عقولهم القاصرة على الفكر المادي؛ كان القائمون بالإِصلاح يواجهونهم في تفسير هذه القضايا بما لا يصطدم مع المفاهيم التي ألفوها، ولربما انزلقت أقدامهم في مثل هذه المسالك الصعبة كما تجده في تفسير قصة آدم هنا، ومن ناحية أخرى فإن أولئك المحسوبين على الدين الملقبين بمشائخه كانوا يتوجسون خيفة من الإِصلاح وانتشاره في أوساط الناس، وكانوا يرشقون رجاله بمختلف التهم - من بينهما: الكفر المخرج عن الملة - ليثيروا عليهم الدهماء، ويقطعوا عليهم السبل فكانت نتيجة ذلك هذه الردة الفعلية التي تلمسها في رد الإِمام عليهم في هذه المسألة، الذي تراه مصطبغا بصبغة انفعاله الشديد، وملتهبا بنار عاطفته المتوقدة بين جنبيه، ولو أن الطرفين اتفقا على البحث النزيه في المسألة والحوار الهادىء الهادف لم يصل الأمر - حسب رأيي - إلى ما وصل إليه.
ولست أستبعد أن يكون من دوافع الأستاذ الإِمام إلى ما ذكرته عنه وما سوف أذكره إن شاء الله من التأويل البعيد لقصة آدم تفاديه للاصطدام مع النظرية الدراوينية المسماه بالنشوء والارتقاء والتي شاعت في أوساط الناس آن ذاك حتى تلقفوها بالقبول فكانت من المسلمات عندهم، ويقرب ذلك أن تمليذه السيد محمد فريد وجدي عندما أورد هذه النظرية في كتابه "دائرة معارف القرن العشرين" ذكر أنها إن ثبتت لا يتعذر التوفيق بينهما وبين ما في القرآن، ولعمري إن محاولة التوفيق بين هذا الهراء الباطل الذي أتى به الدجال اليهودي داروين وبين الحق الذي أنزله الله كمحاولة التوفيق بين الظلام والضياء، والجهل والعلم، والإِفك والصدق.
وقد ثبت والحمد لله بطلان ما ادعاه داروين علميا بوسائل الحفريات وغيرها، وثبت الحق الذي أنزله الله عند خصومة الألداء الذين أصروا على محاربته، وبذلوا جهدهم لإِطفاء نوره، وقد اعترف الداروينيون أنفسهم أن هذه النظرية من أساسها لم تقم على العلم، وأنها لا احتمال لها من الصحة إلا بمقدار الواحد في المليار، كما نقلت ذلك نصا عنهم مع إبطال زعمهم من كل وجه السيدة العالمة منيرة علي الغاياتي، في كتابها الذي سمته "النشوء والارتقاء".