التفاسير

< >
عرض

فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ
٣٦
فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٣٧
-البقرة

جواهر التفسير

يحكي الله لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما قصة مرحلة انتقالية مر بها أبو البشر عليه السلام وقد كابد منها المشقة وتجرع الغصص، وعانى عنتها ولا تزال ذريته تعاني من هذا العنت، ومرد ذلك كله إلى الخروج عن حدود أمر الله بتزيين الشيطان، وقد نتج عن ذلك انتقاله من مقر الطمأنينة والراحة إلى محل الاضطراب والتعب، وإذا كان عليه السلام استقبل الحياة على هذه الأرض التي هي مقر خلافته بهذه المحنة القاسية والملمة الفادحة، فإن لنا في ذلك دليلا وأي دليل على أن حياتنا على الأرض ليست حياة نعيم وهناء وراحة واستقرار، وإنما هي حياة مصائب ومتاعب، وجهد وبلاء، والشواهد على ذلك قائمة من طبيعة الحياة نفسها، فهي لا تكاد تحلو حتى تمر، ولا تزهر حتى تذبل، ولا تقبل حتى تدبر، ولا تمنح حتى تسلب.

جُبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار

ومن أحسن وأبلغ وأصدق ما وُصفت به الدنيا من قول شاعر كان غارقا في حب الدنيا الى الأذقان ولم يدع بابا من أبواب اللهو والمجون والخلاعة إلا طرقه وولجه وهو أبو نواس شاعر البلاط العباسي الماجن في عهد هارون الملقب بالرشيد فقد قال في وصف الدنيا:

إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق

الشيطان عدو ماكر
وإذا كان هذا العدو الماكر الشيطان الرجيم عليه لعنة الله استطاع بأساليبه الخبيثة أن يوقع صفي الله آدم عليه السلام في حبائل المعصية حتى فكه الله منها، فما بالكم بذرية آدم الذين يندر منهم من يتفطن لمكائده ويتنبه لمداخله، وأحسن ما نستفيده من هذه القصة هذه العبرة البالغة التي تجعل اللبيب حذرا في جميع أوقاته، فطنا في كل حالاته، يراقب الشيطان بعيني الخائف الوجل، لا يدري من أي ثغرة يلج عليه، وفي أي حال يفضي إليه.
والهمزة في أزَلّ لتعدية زل، والزلل كالزلق وزنا ومعنى، والأصل فيها استعمالها في انزلاق القدم، وتُوسع فيهما فأطلقا فيما يؤدي إلى الهلاك أو إلى بلاء شديد حسيا كان أو معناويا، ومنه الإِزلال المسند إلى الشيطان هنا فإنه بمعنى الإِغواء، وذهب بعضهم إلى أن أزل هنا بمعنى أزال لأن القدم إذا زلت زالت من مكانها، ويؤيد هذا التفسير قراءة حمزة والحسن وأبي رجاء "فأزالهما" وانتقد هذه القراءة ابن جرير الطبري جريا على عادته في انتقاد القراءات المتواترة التي لا تروق له، وهو غلط شنيع كما ذكرت من قبل، والباعث له إلى هذا الإِنتقاد ما توهمه من التكرار لمعنى الإِزالة في قوله سبحانه: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} لعدم الفارق عنده بين مدلول لفظي الإِزالة والإِخراج، والحقيقة عدم التكرار كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وتفسير الإِزلال بالإِزالة إنما هو من باب المجاز المبني على المجاز، وذلك أن الإِزلال هو الايقاع في الزلة، والزلة هي سبب للإِخراج، فإسناد الإِزالة إلى المزلّ لا يكون إلا بهذا الأسلوب المجازي.
والمراد بالشيطان إبليس السالف الذكر، الذي كشّر عن أنياب عداوته لآدم وذريته ساعة أمره الله بالسجود له.
والضمير المجرور في "عنها" عائد إلى الشجرة في قول جماعة من أهل التفسير، وقال غيرهم: إنه عائد إلى الجنة؛ وعلى الأول فعن في هذا الموضع كالتي في قوله تعالى:
{ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } [التوبة: 114]، وقوله: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } [الكهف: 82]، وقوله: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } [النجم: 3]، وهي في كل هذه المواضع دالة على النشوء والصدور، ويعني ذلك أن وقوعهما في المعصية نشأ أو صدر عن تلك الشجرة، أي كان بسببها، وحمل بعضهم (عن) فيما كان كذلك على السببية، وهو من باب التفسير بالمعنى؛ وعلى الثاني فعن على بابها؛ والرأي الأول روعي فيه عدم خلو القصة عن ذكر سبب الخروج.
واختلف في الوسيلة التي اتخذها - لعنه الله - حتى تمكن من إغوائهما، وأكثر ما قيل من مزاعم أهل الكتاب وإن عُزى إلى بعض الصحابة والتابعين، والباعث الى التساؤل عن ذلك هو أن الله سبحانه طرد إبليس مذؤوما مدحورا من دار كرامته، فكيف تمكن من الدخول فيها حتى يفضي إليهما، ومما قيل أنه لجأ إلى حية كانت تخرج من الجنة وتعود إليها فطلب منها أن تخفيه بين أنيابها حتى تمكن من الإِفضاء إليهما، فأخذ يوسوس لهما من بين الأنياب غير أنهما لم يصغيا إليه حتى خرج إليهما، فمناهما بما مناهما به من الخلد إن أكلا من تلك الشجرة كما قال تعالى:
{ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } [طه: 120]، وقال سبحانه: { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ } [الأعراف: 20]، وهذا الرأي هو الذي درج عليه أكثر المفسرين لا سيما المفسرون بالمأثور، ورائحة الكذب اليهودي تُشتمُّ منه، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير مع أنه من الذين يعتمدون على المأثور في تفسيرهم، وقال بعضهم إنه تحول إلى صورة دابة فدخل الجنة، وذهب آخرون بأنه استطاع أن يوسوس لهما من السماء، وبعضهم قال بأنه وقف على باب الجنة وكانا - علهيما السلام - يتجولان في نواحيها فوصلا إلى الباب فتمكن من الوسوسة لهما، إلى غير ذلك من الأقوال الفارغة من الدليل.
وأنتم تدرون أن للشياطين قوى روحية خارقة كالقوى التي وهبها الله الملائكة وإنما الفارق ما بين القوتين أن القوى الملكية خيّرة والقوى الشيطانية شريرة، فلا عجب إذا تمكن الشيطان من إغواء آدم وزوجه بما ينفثه في أنفسهما من دواعي السوء، وتلك هي الوسوسة التي أخبر تعالى عنها بقوله:
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا } [الأعراف: 20]، وإنما عُبر عنها بالقول في مواضع متعددة لأنها سدت مسده، ونحو ذلك قوله عز وجل: { كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ } [الحشر: 16]، ومما يقرب ما قلته إلى العقول ما يجري في العصر الحديث من التأثير النفسير من إنسان على آخر، ولو بعدت المسافة بينهما بالمكالمة الهاتفية حتى ينام المؤثر عليه بخطاب المؤثر، وهو ما يسمى بالتنويم المغناطيسي.
واستشكل وقوع آدم في حبائل كيد إبليس بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها مع تحذير الله إياه من مكائد الشيطان وإيذانه أنه عدو له ولزوجه، وأنه يسعى إلى إخراجهما من الجنة وإشقائهما، وهذا كله من دواعي التفطن لمكائده والاحتراز من شروره، واتهامه في كل ما يصدر عنه مما يدعيه نصحا وإرشادا، وقد كان هذا الاستشكال منشأ اختلاف عريض بين المفسرين بحسب ما اتجه لكلٍّ من جواب، وقد بلغ الحال ببعضهم أن ادعى أن آدم عليه السلام لم يأكل من تلك الشجرة إلا بعدما سقته حواء الخمر فسكر، وهو منسوب إلى سعيد ابن المسيب، ورُوي عنه أنه كا يقسم عليه، وهو باطل من وجوه: أولها: أنه لم يثبت به نقل ولا مجال في اثبات مثل ذلك بمجرد النظر، ثانيها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يصدر منهم ما يخل بعقولهم، كيف وهم أوفر الناس عقلا، وأسماهم فكرا، وأنورهم بصيرة.
ثالثا: أن خمر الجنة لسيت مسكرة فإن الله نعتها بقوله:
{ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } [الطور: 23]، وقوله: { لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ } [الواقعة: 19]، وهذا مبني على أن جنة آدم هي دار الخلد كما هو رأي من عُزي اليه هذا الجواب.
وقيل: إنه عليه السلام لما نُهي عن الشجرة ظن أن المنهي عنه عين الشجرة المشار إليها فأكل من جنسها لعدم حسبانه أنه ينطوي عليه النهي؛ وقيل: إن أكله كان في حالة نسيان لنهيه تعالى عن تلك الشجرة، ولم يقدم على صنيعه هذا في حالة الذكر، وهذا القول هو أصح الأقوال حسب رأيي لما يعضده من قوله تعالى:
{ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [طه: 115].
وقد يشكل هذا القول إذا ما نُظر الى ظاهر قوله تعالى:
{ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ } [الأعراف: 20-21]، وقوله سبحانه: { قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } [طه: 120]، فإن ظاهر ما في هذه الآيات أن آدم وزوجه أكلا من تلك الشجرة وهما على ذُكرٍ من عهد الله لهما، ويندرئ هذا الإِشكال مع التعويل على الرأي الذي اخترته من قبل، وهو أن إغواء الشيطان لهما كان بمجرد الوسوسة كما يدل عليه قوله عز وجل: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ... } [الأعراف: 20]، وأن ما ذكره تعالى من المقاولة والمقاسمة إنما هو لتصوير تلك الحالة النفسية الكائنة من هذه الوسوسة ونتائجها في صورة الجدل المسموع بين مُخادِع ومُخادَع، فإن نفس المؤمن عندما ينفث فيها الشيطان أمرا لا بد لها من أخذٍ ورد حتى تدركها العناية فتنجو أو تجتاحها الغواية فتردى.
وبيان ذلك أن الشيطان - لعنه الله - ألقى في نفس آدم وحواء عليهما السلام أن تلك الشجرة من أكل منها ظل خالدا في النعيم، ومن طبيعة النفس الإِنسانية حب الخلد وكراهة الفناء، فلا عجب إذا تعلقا مع ذلك بها لولا أن عهد الله كان يحجزهما عنها، ثم سعى - لعنه الله - في إنسائهما العهد بما يلقيه في صدورهما من الوساوس التي تشغلهما عنه، وفي غمرة الغفلة ألجأهما الى الأكل منها بدافع حبهما للخلد فلم يراعا إلا وقد بدت لهما سوآتهما فتذكرا عهد الله فآبا إليه بالندم والحسرة على مقارفتهما معصيته، وهذا التأويل أحسن ما يُجمع به بين الآي المتحدثة عن هذه القصة وإن لم أجده مأثورا عن أحد ما أحسن ما قيل:

لئن نسيت منك عهودا سالفة فاغفر فأول ناس أول الناس

ويؤيد ما ذكرته أن الله سبحانه أراد بقصة آدم تنبيه ذريته إلى مكائد الشيطان ووجوب احتراسهم منها وتفطنهم لها، ومن المعلوم أن إغواءه لهم لا يكون ببروزه إليهم ومشافهته إياهم، وإنما يكون بوساوسه الخادعة التي يلقيها في صدورهم فناسب ذلك أن يكون شأنه مع أبيهم كشأنه معهم.
وإن اعترض معترض بأن الله تعالى وصف آدم بالمعصية والغواية في قوله:
{ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } [طه: 121]، وما ذكر في هذا التأويل يستلزم تبرئته من الغواية والعصيان لأن الجدير بحلم الله عز وجل أن لا يؤاخذ عبده بما قارفه نسيانا، فإن النسيان ليس من كسب الناس وإنما هو أمر مفروض عليه، ومن المعلوم أنه تعالى آخذ آدم بصنيعه هذا إذا أبدى له سوأته وأخرجه من جنته.
فالجواب أن تسمية ما صدر من آدم غيا وعصيانا إنما هو بالنظر إلى علو قدره وسمو رتبته، كيف وقد اختاره الله خليفة في الأرض وعلمه الأسماء كلها وفضله بتعليمها للملائكة وإسجادهم له؟ فكان حريا أن يتفطن في كل حالاته لمكائد الشيطان العدو الأول له ولذريته - لا سيما وأن الله قد حذره منه وبيّن له عاقبة متابعته - وأن لا يسترسل مع أماني الخلد حتى ينسى عهد الله إليه، فأي غرابة مع ذلك إن سمى الله ما صدر منه في حالة سهوه غيا ومعصية؟ وما أحسن قول من قال: "حسنات الأبرار سيئات المقربين" وأي غرابة كذلك في تأديب الله إياه وابتلائه بإخراجه من الجنة لتكون في ذلك عبرة لذريته ورع عن العصيان وتحذير من مؤامرات الشيطان؟
وهذا الحديث يجرنا إلى الكلام في عصمة الأنبياء ولو بإيجاز.
عصمة الأنبياء
خلاصة القول فيها أن الأمة اختلفت، هل النبيون معصومون أو لا؟ وهل عصمتهم تبدأ مع بداية النبوة أو هي سابقة عليها؟ فذهب أصحابنا إلى أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر في حال النبوة وقبلها وهو ويتفق مع ما نُسب إلى أكثر المعتزلة من أن عصمتهم من وقت البلوغ، ونسب الفخر إلى الرافضة قولهم: إنهم معصومون منذ الميلاد، وهذا هو اللائق بمقام المختصين بالاصطفاء الإِلهي، وذهبت الحشوية إلى عدم عصمتهم من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى بعد إكرامهم بالنبوة، وقيل بإجازة الصغيرة عليهم دون الكبيرة ونسب إلى المعتزلة، وذهب الجبّائي منهم إلى أنهم لا يقارفون الصغائر ولا الكبائر على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل، وقيل بعدم صدور ذنب منهم صغيرا كان أم كبيرا إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم، وذلك لقوة معرفتم، وكثرة أدلتهم، وقدرتهم على ما لا يقدر عليه غيرهم من التحفظ، ذكر هذا القول الفخر في تفسيره ولم يعزُه إلى أحد وهو يتفق مع القول الأول كما يتفق مع التحرير الذي ذكرته قبل قليل، ولا بد من تقييد أخذهم بما يقع منهم بأنه دنيوي وليس أخرويا، وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم معصومون حال النبوة لا قبلها، ونُسب هذا القول إلى أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة. قال الفخر: "والمختار عندنا - أي الأشعرية - أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة"؛ وقد أطال في استدلال لهذا الذي اختاروه بكثير من الأدلة العقلية والنقلية، ومن أراد علم ذلك فليرجع إليه في موضعه من تفسيره.
وبعض أصحاب هذا القول لا يمنعون أن يكون عصيان آدم عن عمد لأنه كان قبل النبوة بدليل قوله تعالى:
{ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } [طه: 122]، بناء على أن الاجتباء هو إلباسه رداء النبوة.
وأصح هذه الأقوال القول الأول، وأبعدها عن الصواب والحق قول الحشوية، فإن الذين اصطفاهم الله من بين خلقه بأن جعلهم وعاء لنوره وحمله لأمانته، وشهداء على خلقه هم أحق الخلق بالبعد عن سفاسف الأمور فضلا عن المعاصي، وقد دل القرآن أن طائفة من عباد الله ليست للشيطان عليها سلطان، وذلك في قوله تعالى في خطابه لإِبليس:
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [الإِسراء: 65]، وقوله فيما يحكيه عنه: { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } [ص: 82-83]، وأي عباد أحق بهذه العناية الربانية التي تباعدهم عن مؤامرات الشيطان، من أولئك الذين اختصهم بكرامة النبوة وبوأهم منصب الرسالة.
إن كل عاقل ليدك أن الله لا يختار لهذا الأمر الجلل، ولا يرضى لهذه المهمة العالية إلا من كان من عباده أزكى عنصرا وأطيب فطرة، وأوفر عقلا، وأطهر سريرة، وأقوم سيرة، وأنور فكرا، وأخشى لله، وأكثر تحريا لمرضاته، ووقوفا عند حدوده، ويقظة في كل ما يأتي وما يذر.
أما ما تشبث به الذين رموهم بالعصيان ونسبوهم إلى الفساد فهو أوهى من نسج العنكبوت، فما لنا وللاشتغال به، وفي بطلانه ما يكفينا مؤونة إبطاله؟ ولعل أقوى ما تعلقوا به قصة آدم هذه، وقد علمت ما فيها والحمد لله.
هبوط آدم وحواء إلى الأرض
والعطف بالفاء في قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة:36] لأن المعطوف فرع عن المعطوف عليه ومسبب له، إن فُسر الإِزلال بالإِيقاع في المعصية، فإن اخراجهما من الجنة ناشئ عن ذلك، وإن فُسر الإِزلال بالإِخراج فهو من باب عطف التفصيل على الإِجمال، وجيء بالفاء لإِفادتها الترتيب الذكري، كما في قوله تعالى:
{ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا } [الأعراف: 4]، وقوله: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } [القمر: 9]، ومثله يُقال في قراءة حمزة: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، وبهذا يندفع ما قاله ابن جرير من لزوم التكرار على هذه القراءة فإن عطف التفصيل على الإِجمال شائع في القرآن وغيره من الكلام العربي، ومن ناحية أخرى فإن "ما كانا فيه" ليس نصا في الجنة لاحتمال أن يُفسر بنعيمها أو بما كانا عليه من طاعة الله وأُنسها، فأخرجهما الشيطان عنه إلى نقيضه من المعصية ووحشتها.
ومهما يكن المراد "بما كانا فيه" من الجنة ونعيمها، أو من الطاعة وأُنسها، فإن التعبير الموصول يفيد التفخيم كما هو في قوله تعالى:
{ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ } [طه: 78]، وفيه تلويح إلى ما لحقهما من الخسران بسبب هذا الإِخراج، وفي استحضار ذلك لمن تلا الآية أو تُليت عليه موعظة وذكرى، وترسيخ لعداوة الشيطان في النفس، فإنه هو الذي جرّ على أصل الإِنسانية هذه المصيبة فما أجدر الفروع أن تتأثر لأصلها بمعاداة الشيطان وحزبه، ومقاومة وساوسه، والحذر من إغرائه وإغوائه، والسعي الى تخييب سعيه في إضلال البشر، وقطع حبل أمانيه في إهلاكهم، وهذا أصل تربوي ناجح في إعداد النفوس لما يراد منها، إذ في تذكير الأولاد والأحفاد بمصائب الآباء والأجداد وتأصيل لكراهية من كان السبب في هذه المصائب، وقد اتبع القرآن هذه الطريقة التربوية في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى: { يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ } [الأعراف: 27].
هذا وقد استدل بأمرهما بالهبوط من قال أنها جنة الخلد - كما سبق ذكره - كما استدل به الجبائي القائل بأنها جنة في السماوات؛ والذين قالوا إنها كانت في الأرض حملوا هذا الهبوط على الانتقال من مكان إلى آخر كما في قوله تعالى:
{ ٱهْبِطُواْ مِصْراً } [البقرة: 61].
وقد حشر المفسرون أقوالا متعدد معزوة إلى الأسلاف في تحديد أماكن هبوط كل من آدم وحواء وعدوهما إبليس، وأضافوا إليهم الحية، ولست أراها إلا من أكاذيب أهل الكتاب التي علقت بأذهان كثير من المفسرين فشانوا بها جمال التفسير، وإن زعم بعض المحدثين كالحاكم صحة نسبة بعضها إلى بعض الصحابة.
والأمر بالهبوط موجه - في رأي أكثر المفسرين - إلى آدم وحواء وإبليس، وعليه فإن العداوة المقصودة هي ما بين آدم وحواء من جهة وإبليس من جهة أخرى، وزعم بعضهم دخول الحية معهم، وأخرج هذا ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومما ذكروه أنها كانت ذات قوائم وزينة فسلبها الله قوائمهما وزينتها ووحش منظرها بعد أن أعانت إبليس على إغواء آدم، وجعل بينها وبين الإِنسان عداوة مستمرة، ولا يخفى ما فيه.
والصحيح أن الخطاب لآدم وحواء بدليل ما في سورة طه وهو قوله عز من قائل:
{ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } [طه: 123-124]، إذ لا يمكن أن يكون الخطاب فيه شاملا لإِبليس أو له وللحية مع وروده بصيغة التثنية، والقرآن يبين بعضه بضعا، ولا يشكل ورود الخطاب بصيغة الجمع هنا، وفيما بعد الجملة الأولى من سورة طه لأن الخطاب وإن كان لهما فإنه يشمل بفحواه من يأتي من ذريتهما فالعدول فيه إلى صيغة الجمع إنما هو لهذا الغرض.
أما ما قيل من المعدوم لا يخاطب لعدم إمكان أن يعقل الخطاب فهو ليس على إطلاقه، فقد خاطب الله تعالى جميع الأجيال إلى أن تقوم الساعة بأوامره ونواهيه التي أنزلها في القرآن نحو قوله:
{ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ } [البقرة: 43]، وقوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ } [الأنعام: 151]، وقوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً } [الاسراء: 32]، وليس من المعقول أن يكون هذا الخطاب محصورا في الجيل الذي عايش نزول القرآن، إذ لو كان كذلك لكان لمن يأتي بعده عذر في عدم التقيد بالأوامر والنواهي لعدم خطابه بها، والحق أنه لا مانع من خطاب المعدوم مع الموجود إن كان الخطاب صالحا لهما وكان المعدوم امتدادا للمجود كما في هذا الخطاب فإن ذرية آدم وحواء ليس وجودهم إلا امتدادا لوجودهما، فأي مانع من دخولهم في عموم الخطاب الموجه إليهما ومراعاة ذلك فيه بحيث يصاغ صيغة الجمع الشاملة لهم جميعا، ويدل على شمول الخطاب للذرية قوله تعالى في هذه السورة: { قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة: 38 -39]، إذ لا يُعقل إلا دخول ذرية آدم في هذه الخطاب وشمول ما فيه، من وعد ووعيد لهم، وإني لأعجب ممن ادعى دخول إبليس والحية في هذا الخطاب كيف ذهل عن كون الحية ليست من جنس المكلفين حتى توعد على اتباعها هدى الله وتتوعد على إعراضها عنه، وأن إبليس لا يمكن أن يكون مقصودا بهذا الخطاب لاستحالة صلاحه وتعذر فلاحه بعدما طرده الله من واسع رحمته وقضى عليه بالشقاء المستمر.
ولا يشكل أمر آدم وحواء بالهبوط من الجنة مع ذريتهما مع عدم وجود الذرية حينئذ ذلك لأنهما عليهما السلام كانا منطويين على عناصر هذه الذرية فهبوطهما هبوط للجميع ولو بقيا مكانهما لظهرت ثم ذريتهما ولكان ذلك المكان مستقرا لها.
وذهب ابن عاشور الى أن جمع الضمير مع إرادة التثنية به لكراهية توالي المثنيات بالإِظهار والإِظمار في قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس:

وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أساً وتجمل

وإنما له صاحبان لقوله: "قفا نبك"، وقال تعالى: { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } [التحريم: 4].
وما قاله وإن ساغ عربية فإن القرائن دالة على القول الذي صححته. صححته.
والعداوة المقصودة في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] هي عداوة الشيطان للإِنسان عند من قال بدخول إبليس في الخطاب بقوله: {ٱهْبِطُواْ}، ومن قال بدخول الحية أيضا قال بأن وصف العداوة شامل لها، فهي وإبليس عدوان لآدم وحواء، وهما عدوان لهما كذلك، وقد علمت أن الصحيح بأن الخطاب لآدم وحواء بالأصالة ولذريتهما بالتبعية، فالمقصود بالعداوة إذا ما يكون بين ذريتهما من تنازع وتقاتل على متاع الحياة الدنيا، وقد بدأت هذه العداوة تتجسد في سلوك الإِنسان منذ أن قتل قابيل هابيل، ولا زالت مستعرة نارها والشيطان هو الذي يُسعِّرها بمكائده، فلا يفتأ يوغر الصدور ويثير الأحقاد ويبعث الضغائن حتى تظل الإِنسانية في شقاء مستمر، وتتقطع ما بينها الصلات التي أمر الله برعايتها، وغير خافٍ أن ذكر هذه العداوة في معرض الحديث عن إغواء إبليس لآدم وزوجه فيه إشارة إلى أن منشأها مكائد إبليس العدو الأول للإِنسان، وفي ذلك تعريض بوجوب أخذ الحذر من سروره والتفطن لمكائده بين الناس.
وإفراد لفظ عدوّ - مع أن العداوة ليست بين فردٍ وفرد بل هي بين أكثر أفراد الجنس البشري غالبا - لوجهين:
أحدهما: أن بعضا وكلا مفردان لفظا وإن دلا على الجمعية، فيجوز فيهما رعاية لفظهما فيفردا، ورعاية معناهما فيجمعا.
ثانيهما: أن لفظ العدو يشترك فيه الواحد والجمع كما في قوله سبحانه:
{ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ } [المنافقون: 4].
والمستقر إما أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار، أو ظرفا ميميّاً - أي مكان الاستقرار - وعلى هذا الأخير ففي العبارة تجريد كما في قوله تعالى:
{ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ } [فصلت: 28]، فإن الأرض نفسها هي مكان الاستقرار، واختلف في هذا المستقر هل هو خاص بالحياة أو هو في الحياة وبعد الممات؟ فالاستقرار في الحياة على ظهر الأرض، وبعد الممات في بطنها، وعطف المتاع عليه يدل على أن المراد بالمستقر ما كان في الحياة فإن الاستمتاع لا يكون إلا فيها.
وكلمة متاع تطلق على كل ما يستمتع به سواء كان نظرة سارة أو صوتا محبوبا، أو رائحة طيبة، أو لباسا، أو طعاما، أو سكى، أو أي شيء آخر مما فيه منفعة ظاهرة أو باطنة، ويشهد لذلك ما رُوي عن سليمان بن عبد الملك أنه وقف على قبر ابنه أيوب بعدما دفن فقال:

وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارق

ولمن قال إن المستقر في الأرض ليس خاصا بالحياة أن يقول بعموم المتاع لما بعد الموت من دفن الأجساد في باطن الأرض، فإن في ذلك سترا لها وهو من منافعها، ويستأنس له بقوله تعالى في سورة الأعراف: { قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } [الأعراف: 24-25].
والحين الزمن طويلا كان أو قصيرا ولا معنى لتقييده بالطول مع قوله تعالى:
{ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ } [الزمر: 58] لجواز إحلال ساعة محلَّه، ويراد به هنا انتهاء أمد الدنيا، هذا بالنسبة إلى الجنس فإن الأرض مستقر للجنس البشري إلى انتهاء أمد حياتها أما الأفراد فإن كل فرد انتهاء حِينه بابتداء حَيْنِه، فبالموت ينقطع أمد استقراره على ظهر الأرض، واستمتاعه بمنافعها، هذا كله على القول بأن الاستقرار والمتاع المقصودين هما في حال الحياة لا بعدها.
والتلقي الاستقبال وهو نفعُّلُ من اللقاء، وصيغته توحي أنه اكتساب اللقاء، وهو يعني المحاولة للوصول إليه، فلا يكون إلا في المحبوب بخلاف اللقاء نفسه والملاقاة، فقد يستعمل في المحبوب وغيره، يقال لقى فلان صديقه ولقى عدوه، ولاقى صديقه ولاقى عدوه، وذهب بعضهم إلى أن التلقي هنا بمعنى التلقن، وهو - وإن صح معنى - لا يصح لغة لأن قلب لام الفعل ياء إنما يصح إذا جانست العين نحو تسرّى وتسرّر، وأملي وأملل، وتقصَّي وتقصَّص، وتضني وتضنن، وليس تلقن من هذا الباب، وقرأ الجمهور: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] برفع آدم ونصب "كلماتٍ"، وعكس ابن كثير فنصب آدمَ، ورفع كلمات، وانتقد قراءته ابن جرير جريا على عادته في عدم الاحتراز في انتقاد القراءات المتواترة؛ وعلى قراءة الجمهور فإن آدم استقبل الكلمات من ربه إذ ألهمه إياها، وعلى قراءة ابن كثير فالكلمات هي التي استقبلته استقبال المحب لمحبوبه، وهذا من باب المجاز، والأصل في تلقي الشيء للشيء جواز كون كليهما فاعلا ومفعولا، فإن كلا منهما تلقي الآخر، فلذلك يجوز إسناد التلقي إلى كل منهما.
قبول التوبة من آدم
وهذه الكلمات إما أن تكون معبرة عن التوبة والندم ألهمها الله آدم وزوجه وعليه فهي ما ذكره الله عنهما في سورة الأعراف من قولهما:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23]، وإما ان تكون كلمات وجهها الله إليهما لإِيقاظهما من غفلتهما، وتذكيرهما بعد نسيانهما، وعليه فهي ما ذكره الله من قوله لهما: { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ } [الأعراف: 22]، ويرجح الأول ذكر توبة الله على آدم في هذه الآية معطوفة على تلقي الكلمات بالفاء التي تقتضي الترتيب والتعقيب، ومن المعلوم أن التوبة حصلت له من غِبَّ إتيانه بهذه الكلمات المعبرة عن توبته إلى ربه، ولقائل أن يقول إن توبة الله عليه جاءت مع توبته هو إلى الله تعالى التي استلهمها من إدراكه لخطيئته وسماعه عتاب ربه، فلا إشكال في عطف توبته سبحانه عليه على عتابه الذي وجهه إليه بالفاء الترتيبية التعقيبية، على أن دلالة {تلقى من ربه} على ما صدر من ربه إليه أوضح منها على ما صدر منه إلى ربه.
ويرى ابن عاشور أن التعبير بتلقي هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له، فعُلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ، بل كلمات عفو ومغفرة ورضا، وهي إما كلمات لُقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالبا المغفرة، وإما كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك في العقوبة. قال: "ومما يدل أنها كلمات عفو عطف فتاب عليه بالفاء إذ لو كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب".
ومن فهم أن الكلمات هي قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} الآية، يسوغ له أن يقول: إن هذا التوبيخ لما كان باعثا إلى التوبة وهاديا للنفس إلى صوابها بعد خطئها، فهو أمر نافع لأن المصلحة مترتبة عليه.
وقد أكثر الناس في الحديث عن هذه الكلمات وإيراد ما نسب إلى السلف عما يُراد بها، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكلمات هي قوله: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسبق إليَّ رحمتك قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم".
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أنه قال في الكلمات هي لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم؛ وأخرج نحوه البيهقي في الشعب وفي الزهد عن سعيد بن جبير، وكذا ابن عساكر عن ابن عباس والديلمي في مسند الفردوس من طريق علي كرم الله وجهه مرفوعا بسند ضعيف، وعبد بن حميد عن عبد الله بن زيد موقوفا، والروايات عن السلف في ذلك كثيرة متضاربة، وبعضها غير خارج عن كونه من شواذ التأويلات، والأولى الرُّجوع إلى القرآن نفسه، والتعويل على ما جاء فيه، ولذلك لا أرى العدول عن الوجهين السابقين، على أن الوجه الأول مروي عن جماعة من السلف، فقد أخرجه الثعلبي وابن المنذر عن ابن عباسن ورواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإِيمان، وعبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وروى مثله بعد بن حميد عن الحسن، والضحاك، ومجاهد، ورواه أيضا ابن أبي حاتم عن مجاهد.
ولم تذكر توبة حواء في هذه السورة اكتفاء بذكر توبة آدم لأن القصة سيقت من أجله، وقد ابتُدِئت به، ومن ناحية أخرى فإن المرأة كثيرا ما يُطوى ذكرها ويقتصر على ذكر الرجل لأجل سترها وبيان تبعيتها له، وقد ذُكرت توبتهما معا في سورة الأعراف.
ولفظة "تاب" ومشتقاتها دالة على الرجوع، وكذا أخواتها كآب وثاب، وتوبة العاصي إلى ربه رجوعه إلى طاعته واستقالته العثرة، واستغفاره مما وقع فيه، وتوبة الله عليه عوده بالمنة والإِحسان إليه ولما في ذلك من معى العفو عُديت التوبة الصادرة من الله تعالى بعلي بخلاف توبة العبد فإنها رجوع محض فلذك عديت بإلى الدالة على الغاية، فإن غاية ما يلتمسه العبد من ربه أن يحقق توبته ويكفر حوبته.
وقد كان آدم بتوبته هذه قدوة لكل من تاب من ذريته بخلاف إبليس فو قدوة للمصرين، ولينظر الإِنسان لنفسه أي القدوتين يختار، هل يختار الاقتداء بأبيه الذي ينتمي إليه أو إلى الشيطان العدو المبين الذي لا يسعى إلا إلى إردائه في الجحيم؟ وكما وقع آدم في الخطيئة فإن ذلك أمر لا بد منه في ذريته، وإنما التلافي للأمر باتباع مسلكه في التوبة، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، والله تعالى ينادي عباده بأن يتوبوا ويبين لهم سعة فضله وعظيم رحمته ويحذرهم من الإِصرار على العصيان، والاستخفاف بسوء عواقبه، ومن ذلك قوله:
{ قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } [الزمر: 53 - 58].
وللتوبة أركان أهمها الندم وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
"التوبة الندم" وذكر بعض العلماء أن التائب لا بد له من علم وحال وفعل، فالعلم إدراكه وقوعه في المعصية ومضرة العصيان، والحال وجدانه في نفسه الألم الناشئ عن تحسره على ما وقع فيه، والفعل هجرانه ما كان عليه من المعصية إلى الطاعة، وأضاف بعضهم إلى ذلك إشفاقه، لأنه لا يدري هل وفى بشرائط توبته أولا؟ كما أنه لا يدري عن مستقبله هل سيوفق فيه للطاعة أو يصاب بسهم الخذلان فيتردى في مهاوي العصيان كما سبق عليه ذلك؟
وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تذييل منطو على التعليل فإن قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} تعليل لقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ}، والتواب على وزن فعال بمعنى كثير التوبة، فهو مشعر بأن الله يتوب على عبده كلما تاب العبد إليه من أعماق قلبه، وبإخلاص سريرته وإن تكررت المعصية منه، ومن ناحية أخرى فإن التائبين بعد المعصية كثرة كاثرة، والله يتوب عليهم جميعا، فناسب ذلك لفظ "التواب" الدال على كثرة صدور التوبة منه تعالى، وفي "الرحيم" تعليل لمدلول التواب، فإن سبب كثرة توبة الله على عباده رحمته بهم، وفي هذا تنبيه على أن توبته تعالى على العاصين من خلقه هي محض فضل وإحسان منه سبحانه، وليست واجبة عليه كما يقول أهل الاعتزال.
هذا وقد شذ الإِمام محمد عبده في تفسيره لهاتين الآيتين فقد صبغه بلون من تلك الأفكار التي تولدت في ذهنه نتيجة العراك بين نزعتي التجديد والتقليد، وقد بدأ أولا بتقرير المراد مما تقدم في هذه القصة على هذا المذهب الذي اختاره فقال: "إن إخبار الملائكة يجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره، ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما، هو تصوير لما في استعداد الانسان لذلك، وتمهيد لبيانه أنه لا ينافي خلافته في الأرض، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الانسان لعلم كل شيء في هذه الأرض واندفاعه في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة، وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم، عبارة عن تسخير هذه الأراوح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإِنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثال التنازع والتخاصم والتعدي والإِفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإِنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري..."
وقد بني على ذلك منهجه في تفسير ما هنا فقال: "وأما التمثيل فيما نحن فيه منها - أي القصة - فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإِنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرئي ومأكول ومشروب ومشموم في ظل ظليل وهواء عليل، وماء سلسبيل كما قال تعالى في القصة من سورة طه:
{ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } [طه: 118-119] ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإِنسان كما يطلق اسم آب القبيلة الأكبر على القبيلة، فيقال كلب فعلت كذا، ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا، يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا.
ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وفُسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وفُسرت بكلمة الكفر، وفي الحديث تشبيه المؤمن بشجرة النخل.
ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة، وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإِلهي قسمان، أمر تكوين، وأمر تكليف.
والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه:
{ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } [نوح: 14]، فأولها طور الطفولية، وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائما في جنة ملتفة الأشجار يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}، وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورا وإناثا هكذا، وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير، والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وأن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإِلهامان اللذان يكونان للإِنسان في الطور الثاني - وهو طور التمييز - هما المراد بقوله تعالى: { وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد: 10]، ووسوسة الشيطان وإذلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوى فيها داعية الشر، أي إن إلهام التقوى والخير أقوى في فطرة الإِنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له، ووسوسته إليه، والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإِنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري.
وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عُرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق، والتجائه إليه في الشدة، وتوبة الله عليه عبارة عن هدايته إياه الى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء".
ثم قال: "فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة، طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص، وفيه يكون الإِنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء، وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإِنسان في أفراده مثلا للإِنسان في مجموعه - قال - كأنه تدرج الإِنسان في حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة قويم الوجهة، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون، وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي.
ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم فثار النزاع وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني، وهو معروف في تأريخ الأمم، ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر ووزن الخير والشر بميزان النظر والفكر وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله".
هذا ما قاله هنا وهو لا يختلف عما قاله سابقا في الملائكة وإبليس، والدافع إلة كل ذلك واحد، وقد سبق بيانه، وإذا تأملت هذا الشرح الذي جاء به وعرضته على نصوص الكتاب في القصة وجدته بعيدا عن مدلولها؛ على أنه قد ناقض نفسه في بضع ما جاء به، كقوله: "إن الإِنسان - لولا داعية الشر المعبر عنها بإبليس وامتناعه عن السجود - لآتى عليه زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، فإنه لا يتفق مع تفسيره للملائكة بما تقدم من كونهم قوى طبعية منبثة في كل شيء من هذا الكون، وإلا فما معنى تحول الإِنسان إليها مع أنه نفسه منطو عليها؟ وهل يُعد ذلك انتقالا إلى الأعلى أو إلى الأدنى؟
وبالجملة فإن كلامه - لعدم انبنائه على أسس ثابتة من مفاهيم الدين - كفيل بهدم بعضه بعضا، وهكذا كل ما كان ناشئا عن فكر الإِنسان غير المستقر،
{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } [النساء: 82]، وإني لأعجب كيف يمكن القول بأن المراد بآدم الجنس البشري مع تحذير الله لهذا الجنس من فتنة الشيطان - كما صنع مع آدم وزوجه - في قوله تعالى: { يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ } [الأعراف: 27]، ولعمري لئن ساغ مثل هذا التأويل لم تبق للألفاظ العربية مدلولات خاصة تستقر عليها الأفهام، وهذا يعني فتح باب الشك والاحتمال الواسع في كل ما جاء به القرآن من وعد ووعيد وأمر ونهي، وقصص وأخبار، هذا من ناحية اللفظ.
أما من ناحية المعنى فإنه يتعذر أن يكون المراد بآدم النوع الإِنساني، وأن يكون أمره بسكنى الجنة عبارة عن مرحلة الطفولة البريئة التي يمر بها كل إنسان وهو خالي البال مطمئن النفس بعيد عما يعانيه الكبار من مشاق وأتعاب، ذلك لأن الناس مختلفون غير متفقي الحال في أي طور من أطوار الحياة، فتجد أحدهم وهو في صغره يتفيأ ظلال الراحة، ويتقلب على بساط النعيم حتى إذا ما بلغ طور الرشد لفحته الدنيا ببؤسها وكشرت له الأيام عن عصل أنيابها، وفرته الحوادث بأظفارها، بينما تجد غيره لا يذوق في طفولته الراحة وإن اشترك مع غيره من الأطفال في براءتهم الفطرية، فلا يكاد يفتح عينه على الدنيا إلا ويرى أيامها عابسة أمام ناظريه فيقضي مرحلة طفولته كلها في بؤس وفقر وعرى ومسغبة وذل وخوف، وكرب وبلاء حتى إذا ما ناهز الإِحتلام وبلوغ سن الرشد تنفس الفرج فانزاحت الشدائد فتذوق لذة العيش، ولامس برد النعيم، وماذا عسى أن تكون حالة الأطفال الذين ينشأون في أزمنة الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل، وتستلب الطارف والتليد، فلا يسمعون إلا أصوات الانفجار وقصف المدافع وهدير الطائرات، ولا يشاهدون إلا جثث القتلى المتمزعة أشلاؤها، وحطام المساكن المقفرة من أهلها، ولا يعرفون ما هو الأمن والاستقرار في الحياة ولا يقتاتون إلا بعد جهد ونصب، أفيقال إن طفولة هؤلاء جنة ونعيم؟ أولا يمكن أن يكون من بين هؤلاء من تبتسم له الدنيا وتغدق عليه عطاءها، وتوسع له فضاءها بعد اجتيازه مرحلة صباه؟
وقل مثل ذلك في الغي والرشد، فقد يرشد بعض الناس من أول أمرهم حتى إذا بلغوا سن النضج العقلي، والإِتساع الفكري، والانتفاع بالعظات والعبر أضلهم الهوى فاقتادهم إلى أشراك الردى والعياذ بالله، بينما تجد آخرين لا تتسع قلوبهم لموعظة ولا تنشرح صدورهم لذكرى فيتخبطون في ضلالهم، وينهمكون في فسادهم، حتى إذا ما كاد المنون يختطف أرواحهم شملتهم عناية الله فأنقذتهم الهداية من الورطة التي وقعوا فيها فيما سبق، وهكذا تجد الناس متفاوتين في كل شيء، فلا يمكن أن يكونوا معنيين بهذه القصة بحسب أطوارهم.