التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ
٥١
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٢
-البقرة

جواهر التفسير

بَدء في عرض سيئات بني إسرائيل ومقابلتهم النعمة بالكفران، والبرهان بالنكير والإِعراض، والدعوة الصادقة المؤيدة بالمعجزات بالسخرية والاستخفاف، وهكذا كان ديدنهم، فقد عانى منهم موسى عليه السلام الذي أكرمهم الله برسالته فكانت نجاتهم على يديه ما عاناه من الإِعنات والشقاق، وكانت نُذر الهلاك تحيط بهم من أمامهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم ومن تحتهم، غير أنهم لا يكادون يرعوون عندما يواجهون الشدائد حتى يعودوا إلى غيهم وينقلبوا إلى نزعتهم البغيضة عندما يجدون أدنى متنفس ويبصرون أصغر ثغرة للفرج، فظل موسى عليه السلام بينهم في محنة وبلاء، وعنت وعناء، كما يتضح ذلك في هذه الآية من السورة وغيرها.
والمواعدة مفاعلة، وهي في الأصل لا تكون إلا من جانبين، وقد يعبر بها عما يكون من جانب واحد لما يكون في هذا التعبير من نكتة طريفة وظريفة، ومن هذا الباب
{ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ } [التوبة: 30]، وعاقبت اللص، وداويت المريض، وقد قرأ الجمهور هنا "واعدنا" لأن الوعد واقع من موسى لربه، كما أنه صادر عن الله تعالى إلى موسى، فكلاهما واعد وموعود، فالله وعد موسى أن يؤتيه الكتاب إذا جاء الى الميقات، وموسى وعد الله المجيء إلى الميقات، ويحتمل أن يكون ذلك من باب داويت المريض كما سبق قريبا، وهذه هي قراءة العشرة ما عدا أبا عمرو، وقرأ أبو عمرو - وهو من السبعة المشهورين - "وعدنا" بحذف الألف، وهي من الوعد، وهذه هي القراءة التي ارتضاها أبو عبيد وأنكر قراءة "واعدنا" وزعم أن المواعدة لا تكون إلا من البشر، أمَّا ما كان من الله فهو وعد نحو { وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ } الآية [النور: 55]، { وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } الآية [الأنفال: 7]، { وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً } [الفتح: 20]، ووافقه على قوله أبو حاتم ومكي، وزعم أبو حاتم أن المواعدة أكثر ما تكون من المخلوقين المتكافئين، يعد كل منهما صاحبه؛ ولعمري إن هذه جرأة لم يصحبها تعقل من هؤلاء القائلين، فقد أنكروا ما تواتر نقله بالأسانيد الصحيحة المعتبرة من قراءة المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، وتلقته عنه الأمة بالقبول والتسليم جيلا بعد جيل، وقرأ به أكثرها، فإن مما لا خفاء فيه تواتر القراءات السبع، وثبوت سندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقاد أي منها أو نكيره عدم مبالاة بالسلامة في الدين، وقد أجاد ابن جرير الطبري هنا في دفع شبه المعترضين على هذه القراءة مع ما عهد منه من انتقاد ما لا يستسيغه ذوقه من القراءات ولو تواتر.
وموسى هو نبي الله المرسل إلى فرعون وآله الذي أُنزلت عليه التوراة هدى لبني اسرائيل، واختلف في منشأ تسميته بذلك، وغالب ما قيل ليس له أساس من الصحة وإنما الذي تحتمل صحته هو أنه مركب من "مو" بمعنى الماء، "وشي" بمعنى المنقَد، أي مُنقذ الماء في اللغة العبرانية لأن أمه جعلته في التابوت فألقته في اليم كما ألهمها الله، وفصلته سورة القصص، فكان الماء سببا لإِنقاذه بأمر الله، وقيل (شي)، بمعنى الشجر لأنه التقط بين ماء وشجر في منتزه لأهل بيت فرعون فسمي بذلك، وعُرِّب بإهمال الشين المعجمة، وذكر الفخر وغيره من المفسرين أن نسبه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت ابن لاوي بن يعقوب عليه السلام، ولم تذكر التوراة إلا انه ابن عمران وأنه من سبط لاوي.
وقد كانت هذه المواعدة من الله لموسى لإِيتاءه التوراة هدى لبني إسرائيل، وحدد أكثر العلماء هذه الأربعين ليلة بذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وذهب بعضهم إلى انها ذو الحجة وعشر من المحرم، وذكر الليالي دون الأيام مع أن اليوم يُطلق على مجموع الليل والنهار كما يطلق على النهار وحده الذي يتخلل كل ليلتين لأن ببداية الليل ينتهي يوم ويبتدئ غيره إذ غروب الشمس هو الحد الفاصل بين كل يوم وآخر، ولأن هذا الميقات الزمني كان بحسب الأشهر القمرية التي تبتدئ بالليل، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الليل هو الأصل والنهار طارئ عليه، فإن الظلمة أسبق من النور
{ { وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } [يس: 37].
وذكر بعض أن ذكر الليالي للإِشارة إلى أنه عليه السلام كان مطالبا بالتهجد في أثناء هذه المدة، ورده آخرون بأن المروي أنه كان مأمورا بالصيام لا القيام، واستدل بعض هؤلاء بذكر الليالي على أن صومه عليه السلام كان وصالا يشمل الليل والنهار، واحتجوا بذلك على جواز الوصال، وأن أفضله أربعون يوما كما فعل موسى عليه السلام. وليس في القرآن ما يدل على انه عليه السلام كان مأمورا بالصوم في هذه المواعدة، ولم أجد في ذلك رواية يعتمد عليها، فما القول به - حسبما إخال - إلا جزاف من قائله، بله صلاحيته للإِستلادل به على فضل الوصال، ومثله القول بأن موسى عليه السلام في خلال تلك المدة لم يحدث أبدا.
عجل السامريّ
وعندما ذهب موسى للمعياد انتهز بنوا اسرائيل فرصة غيبوبته نازعين الى ما هم عليه من لؤم الطباع وفساد الفطرة وانحراف الفكر، فألّهوا عجلا جسدا له خوار، أخرجه لهم السامري ليضلهم عن سواء الصراط، قائلا لهم:
{ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ } [طه: 88] أي نسى موسى أن هذا هو الإِله فلذا ذهب الى الطور لطلب مناجاة الإِله، أو نسى السامري بأن هذا مجرد عجل لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، وأن ما جرى على يد موسى عليه السلام من المعجزات العظام أقطع حجة وأصدق برهان بأنه رسول رب العالمين الذي له ملك السماوات والأرض والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل؛ وعلى الأول فجمة "فنسى" من ضمن المحكي عن السامري، وعلى الثاني فهي رد من الله تعالى عليه، ونداء عليه بالسفه والضلالة، وقصة العجل ذكرت هنا عرضا لتذكير يهود المدينة بجرائر أسلافهم، وما قابلوا به نعم الله وآياته من الجحد والكفران، وإنما تفصيلها فيما نزل من قبل بمكة في سورتي الأعراف وطه.
وذكر جماعة من أهل التفسير أنهم كانوا يعدون اليوم ليله ونهاره ليلتين فلما انقضت عشرون يوما، وهي عشرون ليلة وعشرون نهارا زعموا أن موسى أخلفهم وعده فركنوا إلى ما دعاهم إليه السامري من اتخاذ العجل معبودا دون الله تعالى.
و"اتخذ" أصله منتزع من أخذ، وهو بوزن افتعل، فهو إئتخذتم واستُثقلت الهمزتان فسهلت الثانية - وهي الأصلية - فانقلبت ياء، فاضطربت الياء في التصريف لعدم قرارها على حال، إذ تأتي ألفا في ياتخذ، وواوا في موتخذ، فأبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت فيها وأقرت همزة الوصل كما كانت حفاظا على عدم الابتداء بساكن في النطق، وهو يتعدى إلى مفعول، إن كان بمعنى ابتداء صنعه نحو "اتخذ لك سيفا"، وإلى مفعولين إن كان المقصود إليه وصفا في المتخذ نحو:
{ { وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } [النساء: 125]، وهو هنا بمعنى جعل الذي يقصد به صيّر، ويحتمل في الآية الوجهان؛ وعلى الثاني فالمفعول الثاني محذوف تقديره إلها.
والعجل هو ولد البقرة، وقد درج كثير من المفسرين على أن تسميته بذلك لأن بني اسرائيل تعجلوا عبادته قبل أن يرجع اليهم موسى من الميقات، وهذا وهم ظاهر، فإن العرب عهدت منهم تسميته بذلك منذ القدم، وليست هذه التسمية مقتبسة من اللغة العبرانية، إذ لم تكن قبائل العرب على اتصال باليهود إلا قليلا منهم كقبيلتي الأوس والخزرج وبعض قبائل اليمن، ومع ذلك لم يكونوا قبل نزول القرآن على علم أحداث بني إسرائيل.
والعجل المذكور صُنع مما حمله بنو إسرائيل من حُلي المصريين، كما يشير إلى ذلك قولهم:
{ وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا } [طه: 87]، وذلك أن هارون عليه السلام أخبرهم بعد ذهاب موسى إلى الميقات بأن تلك الغنائم لا تحل لهم، وأمرهم بإحراقها، فجاء السامري فألقى فيها قبضة من تراب وطئته دابة جبريل عليه السلام عندما جاء إلى موسى ليذهب به الى الميقات، أو عندما جاء إلى موسى ومن معه لينقذهم من شر فرعون وآله؛ بإخبار موسى أن يضرب بعصاه البحر؛ والأول هو الأظهر، وكان السامري يعلم أن في هذه الدابة سرا غيبيا، ولعله استنتج من ذلك أن ما لا مسته تسري فيه الحياة ولو كان جمادا، فألقى بتلك القبضة الترابية في ذلك الذهب المشتغل نارا، فصار عجلا جسدا له خوار، وقيل: إنه هو الذي صنع منه العجل، لأنه كان صانعا، ثم ألقى فيه القبضة الترابية التي بيده، ويشير إلى صنيعه هذا جوابه الذي حكاه الله عنه بقوله: { بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي } [طه: 96].
وكان السامري فيما قيل شابا إسرائيليا أوتي حظا من الذكاء فاستغله في إضلال بني اسرائيل، وقيل: لم يكن إسرائيليا وإنما كان دخيلا فيهم، وأصله من عباد البقر فنزع الى أصله، وقيل: إن سبب اختياره العجل من بين سائر المعبودات أنه كان مع بني اسرائيل لما جاز بهم موسى البحر:
{ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [الأعراف: 138]، وقد كانت تلك الأصنام تماثيل أبقار، وقد كان السامري قبل انكشاف أمره منافقا يظهر عند موسى ومن معه من المؤمنين الإِيمان ويبطن في خفايا نفسه عقيدة وثنية.
قال ابن عاشور: "وإنما اتخذوا العجل تشبها بالكنعانيين الذين دخلوا الى أرضهم - وهم الفينيقيون سكان سواحل بلاد الشام - فإنهم كانوا عبدة أوثان، وكان العجل مقدسا عندهم، وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرسي مادا ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه واكنوا يحمونه بالنار من حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس، فكانوا يقربون إليه القرابين، وربما قربوا له أطفالهم صغارا، فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة قبول القربان، فتبا لجهلهم وما يصنعون، وكان يسمى عندهم "بعلا" وربما سموه "مولوك" وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد العرب، فلما مر بهم بنو اسرائيل قالوا لموسى: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، فانتهرهم موسى، فلما ذهب للمناجاة واستخلف عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك، فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب وفضة من حليهم وعبدوه".
ومراده سبحانه بقوله: {مِن بَعْدِهِ} بعد ذهابه عنهم للدلائل القائمة على أن موسى عليه السلام كان حيا عندما عبد قومه العجل، والعطف بثم إما للمهلة الزمنية التي كانت بين بداية غيابه والإِتخاذ، فإنهم اتخذوه بعدما مضى على غياب موسى عشرون يوما - كما قيل - وإما للمهلة الرتبية، وذلك لفظاعة هذا الأمر بحيث لا تكاد الأذهان تتصوره منهم بعد أن شاهدوا ما شاهدوا من الآيات الداعية إلى رسوخ الإيمان وصدق اليقين.
وقوله: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} إما حال مؤكدة أريد بها تسفيههم وقطع عذرهم، فإن اتخاذ الأنداد لله سبحانه معلوم بالضرورة أنه ظلم، وإما حال مقيدة أريد بها التنصيص على أن الظلم لم يفارقهم في فترة هذا الاتخاذ، أو أريد به استئصال توهم كون شبهة عرضت لهم في هذا الاتخاذ؛ وأرى أن هذا الوجه لا يختلف عن الذي قبله إلا اختلافا لفظيا.
والعفو لغة إزالة الأثر كما يقال: "عفت الريح أثره" إذا مسحته، واصطلاحا اسقاط عقوبة الجاني وإزالة ما يترتب على جنايته من الآثار المعنوية، وعفو الله عن عباده اسقاطه عقوبتهم في الآخرة بقبول توبتهم وتكفير سيئاتهم، ويطلق على رفع العقوبات الدنيوية كما في قوله:
{ وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } [الشورى: 30]، والمراد بالعفو في هذه الآية قبول توبة بني إسرائيل من عبادتهم العجل، وثم هنا كسابقتها، إما أن تكون للمهلة الزمنية لأن قبوله تعالى التوبة منهم كان بعدما رجع موسى إليهم وأمرهم بقتل أنفسهم تكفيرا ليسئتهم، ولا يخفى ما بين الأمرين من المهلة؛ وإما للمهلة الرتبية، وقد أراد الله بها شد عقول السامعين إلى سعة حلمه وواسع مغفرته، فبعد هذا الغنت وهذه المكابرة للحق، ومغالطة الحقيقة من بني اسرائيل الذين بسط الله لهم نعمته، وأراهم في تنجيتهم من عدوهم آيته، قبل سبحانه توبتهم مع ما اقترفوه من الإِشراك بالله، واتخاذ الند له تعالى.
وقد تقدم القول في لعل فيما تقدم من تفسير هذه السورة، كما تقدم القول في الشكر في تفسير الفاتحة الشريفة، وإنما بقى أن أضيف الى ذلك أن مادة الشكر تدل لغة على الظهور، فهي على النقيض من الكفر الدال على المواراة والإِخفاء، ومن هذا الباب قولهم: "دابة شكور" اذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، والضدية المفهومة من هذين اللفظين لغة تنعكس عليهما اصطلاحا، فكما أن الشكر هو القيام بحقوق المنعم باستخدام نعمته في مراضيه، فكذلك الكفر هو التنكر لهذه النعمة بطمسها أو استخدامها فيما يسخط من أنعم بها، ويدل على هذا التقابل بينهما قوله تعالى حكاية عن عبده سليمان عليه السلام:
{ لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } [النمل: 40]، وقوله في الإنسان: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } [الانسان: 3]، وقد اختلفت عبارات العلماء في الشكر وتحديد مفهومه، وهي ترجع إلى أصل واحد، فروى عن ذي النون المصري أنه قال: "الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإِحسان"، وروى عن الجنيد أنه سئل عن الشكر وهو غلام فقال: "أن لا يعصى الله بنعمه"، وروى عنه أن حقيقة الشكر العجز عن الشكر، يعني الاعتراف التام بالعجز عن القيام بحقوق المنعم مع استقصاء الجهد في ذلك، وهذا كما روى أن داود عليه السلام عندما أمره الله بشكره قال: كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك، قال: "الآن قد عرفتني وشكرتني إذ عرفت أن الشكر مني نعمة" فقال: يا رب أرني أخفى نعمك علي، قال: "يا داود تنفس"، فتنفس داود، فقال الله تعالى: "من يحصي هذه النعمة الليل والنهار؟". وروى كذلك عن موسى عليه السلام انه قال: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله، فأوحى الله إليه: "يا موسى الآن قد شكرتني"، وروى عن سهل بن عبد الله أن الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع اجتناب المعصية في السر والعلانية.