التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
٨٤
ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
-البقرة

جواهر التفسير

ما مضى كان بيانا للميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل في الواجبات العملية سواء ما كان منها حقا لله تعالى وحده أو حقا للعباد، وما هنا بيان للميثاق الذي أخذه عليهم في الواجبات التركية، وقد اختلف أسلوب البيانين، فأسلوب أولهما غيبي، وأسلوب آخرهما خطابي للتفنن وتعميم الفائدة والعبرة فيما مضى لاشتراك الأمم في تلك التكاليف، وقد مهد للعود إلى الأسلوب الخطابي المعهود في الآيات السوابق عند قصد بيان هتكهم الواجبات التركية بما اختتمت به الآية السابقة من الإِلتفات إليهم بقوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ}، ومن فائدة هذا الانتقال بعث الشعور بالخطأ في نفوس المعاصرين منهم لنزول القرآن لأنهم المقصودون بالموعظة، وهم أجدر بالاعتبار بأحوال سالفيهم.
ولا داعي لتكرار القول في الميثاق، فهو كما تقدم. وقوله: {لاَ تَسْفِكُونَ} كقوله: {لاَ تَعْبُدُونَ} في وجوه الإِعراب، والقول في سفك الدماء سبق في قصة آدم.
وإضافة الدماء إلى ضمير السافكين - مع كون المنهي عنه سفك بعضهم دماء بعض إذ الفطرة تزع كل أحد أن يسفك دمه بيده - لما في هذا التعبير من فائدة إشعارهم بوجوب وحدة أمتهم حتى تكون كالجسد الواحد يتألم كله بإصابة عضو منه حتى يحس من حدثته نفسه بأن يقتل أحداً من أمته أنه لا يسفك إلا دمه، والخسارة تعود إليه كما تعود على سائر أفراد الأمة، وكثيرا ما يرد خطاب أمتنا بهذا الأسلوب في القرآن في تضمنه لأمر كقوله تعالى:
{ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } [النور: 61]، أو نهي كقوله: { وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ } [البقرة: 188]، وهو خطاب تربوي يدفع بالمخاطب إلى الإِحساس بأنه عضو من أمة يتألم لألمها ويسر بسرورها، ونحو قوله: {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84]، وإذا كان الرباط الذي يوحد الأمة الإِسرائيلية نسبيا ودينيا لأنهم ينحدرون من سلالة واحدة، ومخاطبون بشريعة واحدة فإن الأمة الإِسلامية التي شرفت برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وجعل الله لحمتها العقيدة لا النسب أولى بالحفاظ على هذه الوحدة والإِحساس بهذا الشعور فلا يتعرض أحد منها لأذى أي أحد من أفرادها، ولو وقع ذلك من أحدها فهو في حكم إيذاء نفسه وإيذاء أمته جميعا، وهو الذي عبر عنه القرآن بالأخوة في قوله تعالى: { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات: 10]، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وقال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" ويعني بذلك سلامتهم من كل شر يصدر منه، وإنما اقتصر على ذكر اللسان واليد لأنهما مصدر أكثر الشرور.
وقيل المراد بقتل أنفسهم في الآية هو أن يقتل الإِنسان نفسه حقيقة سواء كان بسلاح أو سم أو ترد من شاهق فإنه معدود في الكبائر لثبوت النهي عنه، والوعيد عليه في الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول:
{ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً } [النساء: 29 - 30]، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا فيها أبداً، ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدًا" .
وقيل: المراد به أن يتعرض أحد لقتل نفسه بقتل غيره فإنه مظنة القصاص، وقيل هو التعرض لأسباب القتل كالزنا بعد الإِحصان، والردة عن الإِسلام، وقتل النفس المحرمة بغير الحق، وقيل: هو عبارة عن ارتكاب الموبقات والإِصرار عليها لأنه يؤدي إلى هلاك النفس وفوات منفعتها في الآجلة، كما أن قتلها حسا يؤدي إلى هلاكها وفوات منفعتها في العاجلة.
والقول الأول هو الصحيح لأن ما عداه إن ساغ في: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} فلا يسوغ في {تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} لتعين أن المراد به إخراج بعضهم بعضا من مساكنهم وهو صريح في قوله: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ}، وسياق الجملتين واحد، فلا وجه لحمل الأنفس في إحداهما على معنى وفي الأخرى على آخر، على أن القول الأول هو الذي يتفق مع النص الموجود في التوراة في الوصايا الإِلهية المعبر عنها بالكلمات العشر، وهو: "لا تقتل، ولا تشته بيت قريبك".
ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} للمعاصرين لنزول الآية لفظا ومعنى، لأنهم مقرون بتحمل أسلافهم العمل بهذا الميثاق، وأن يكون مرادا به أسلافهم المأخوذ منهم، وإنما خوطبوا هم به لاتحاد حكمهم ووحدة شريعتهم ما داموا على ملتهم، غير أنه يتعين أن يكون لهم الخطاب في قوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ}، لأن ما عُنفوا عليه كان واقعا فيهم كما سيأتي بيانه، وإن كان الخلاف بين بني اسرائيل بدأ منذ عهد بعيد عندما انشق يوربعام غلام سليمان عن رحبعام ابنه وخليفته من بعده، ومالأ أكثر الأسباط الغلام المنشق، كما تقدم إلا أن ما تشير إليه الآية كان واضحا جليا في سلوكهم عندما كانوا يشايعون طائفتي الأوس والخزرج في قتال بعضهم لبعض، فكانت فئة منهم عند الأوس، وفئة عند الخزرج يسفك بعضهم دم بعض، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وإذا أسر أحدهم اجتمعت الفئتان المتقاتلتان على فكاكه من الأسر بفدية مالية يتعاون الكل عليها.
والخلاصة أن المدينة المنورة كانت بها قبيلتان عربيتان وهما الأوس والخزرج، وكانت بها ثلاث قبائل إسرائيلية وهي قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، فنجمت الفتنة بين القبيلتين العربيتين الشقيقتين واستعرت بينهما حرب زبون أكلت الأخضر واليابس، وشغلت الصغير والكبير، وكان لكل واحدة من القبيلتين أحلاف من اليهود يقاتلون بجانبها من يقاتلها من القبيلة الأخرى وأحلافهم، فيسفك بعضهم دم بعض، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم فإذا وقع أحد اليهود أسيرا في قبضة الأوس أو الخزرج اجتمعت طوائفهم المتقاتلة وتعاوت على فديته كما سبق.
وقد اضطرب المفسرون في من كان حليفا للأوس، ومن كان حليفا للخزرج من القبائل الإِسرائيلية الثلاث، فذهبوا في ذلك مذاهب متعددة، أقربها إلى الصحة أن قريظة والنضير كانوا في صفوف الأوس، وأن بني قينقاع كانوا متحالفين مع الخزرج.
والإِشارة بهؤلاء بعد خطابهم بأنتم ترمز الى أنهم - لهول ما ارتكبوا وفظاعة ما أحدثوا - تحولت ذواتهم إلى ذوات أخرى فحسنت الإِشارة اليها وقيل: بأن أولاء موصول وتقتلون صلته وهو مبني على رأي الكوفيين في جواز إتيان الألفاظ المستخدمة في الإِشارة أسماء موصولة وهو مقيد عند البصريين بلفظة واحدة وهي: ذا شريطة أن تكون مسبوقة ب "من" أو "ما" الاستفهاميتين؛ كقوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ}.
وقول الشاعر:

وقصيدة تأتي الملوك غريبة قد قلتها ليقال من ذا قالها

واختلف في إعراب {أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ} والصحيح أن أنتم مبتدأ خبره الإِشارة، وتقتلون حال منه، وذهب ابن كيسان إلى أن أولاء منصوب على الاختصاص، والخبر تقتلون وَردَّ بأن النصب على الاختصاص مُختص بأي نحو: نحن فعلنا كذا أيتها العصابة، والمعرف بأل كقولهم: نحن العرب أقرأُ الناس للضيف، وبالاضافة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "نحن معاشر الأنبياء لا نُوْرث" . وعطف هذه الجملة بـ "ثم" الرتبية لتهويل مضمونها، وذلك أنه مما يُستبعد عند أصحاب الفطر السليمة والعقول الراجحة صدور مثل هذا التصرف من قوم أوتوا حظا من الكتاب، وأخذت عليهم المواثيق بأن يعملوا بما فيه، وحُذِّرُوا من المخالفة في الأمر الذي يرتكبونه؛ وعلى القول المختار فجملة "تقتلون" حال من المبتدأ.
وإخراج فريق منهم من ديارهم إلجاؤهم إلى الخروج في الحرب التي يشنونها عليهم مع حلفائهم من العرب.
وأصل "تظاهرون" تتظاهرون من التظاهر، وهو شد بعضهم ظهر بعض، أي تقوية بعضهم بعضا، وأسقطت إحدى التاءين كما هو الشأن إذا اجتمعت تاء المضارعة مع أخرى، وبهذا قرأ عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ بقية السبعة تظَّاهرون - بشد الظاء على إدغام التاء في الظاء - وروي عن مجاهد وقتادة أنها قرأ تظَّهَّرون - بتشديد الظاء والهاء مفتوحتين - وروي ذلك عن أبي عمرو، وروي عن أبي حيوة أنه قرأ تُظاهِرون - بضم تاء المضارعة وكسر الهاء - من ظاهر بمعنى أعان، وهي أدل على أنهم كانوا حال الإِخراج يعينون على إخوانهم فئة ليست منهم، ومؤدى جميع هذه القراءات أنهم كانوا يتعاونون على إخراج فريق منهم من ديارهم سواء كان هذا التعاون بينهم أنفسهم أو مع قوم ليسوا منهم كما هو شأنهم في تأريخ حروب الأوس والخزرج، وجملة: "تظاهرون ....الخ" منصوبة على الحال من فاعل: "تقتلون" و"تخرجون".
والإِثم ما أوجب العقوبة أو اللوم، ولذلك تنفر منه النفس، ولا يطمئن إليه القلب كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"الإِثم ما حاك في صدرك" والعدوان تجاوز الحد في الظلم، مأخوذ من عدا.
والأساري جمع أسير، ويجمع أيضا على أسرى، وفي قراءة حمزة "أسرى تفدوهم"، وقرأ نافع وعاصم والكسائي "أساري تفادوهم"، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير "أسارى تفدوهم" والأسير هو الواقع في قبضة عدوه في الحرب سمي بذلك لأنه يشد بالإسار غالبا، والإِسار حبل يقد من الجلد ويسمى قدا، ولا فارق على الصحيح بين جمعه على أسارى أو على أسرى من حيث الدلالة وإن زعم بعضهم بأن الأسرى هم الذين لا يشدون بالوثاق بخلاف الأسارى، وكأن هؤلاء نظروا إلى أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وهي قاعدة أغلبية وليست بمطردة، وزعم آخرون بأن الأسرى هم المستسلمون بأنفسهم والأسارى هم المأخوذون باليد من غير استسلام، ولا يبعد أن يكون أصحاب هذا القول ناظرين إلى تلك القاعدة أيضا، ولا دليل لأي واحد من القولين، وإنما الصحيح أن القياس في الأسير أن يجمع على أسرى كالمريض والمرضى، والقتيل والقتلى، والجريح والجرحى، وإنما حمل في جمعه على أسارى على كسلان، فجمع جمعه، كما يحمل كسلان على أسير فيجمع على كسلى مراعاة لتشابههما في الضعف، وقيل هو جمع نادر، كما يجمع قديم على قدامى من غير حمل على شيء، وقيل: الأسرى جمع أسير وأسارى جمع أسرى فهو جمع لجمع.
وقد علمتم أن قراءتي "تفدوهم" و"تفادوهم" قرأ بهما السبعة فهما قراءتان متواترتان، وقراءة "تفدوهم" واضح معناها أنه دفع قدر من المال للقابضين على يد الأسير من أجل فكاكه من الأسر، أما قراءة "تفادوهم" فتحتمل هذا المعنى، وعليه فالمفاعلة هنا ليست للمشاركة، وإنما هي لتأكيد المعنى الذي في أصلها المجرد نحو عافاه الله وبارك فيه، وتحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، وعليه فتحمل على تبادل الأسرى بين الفريقين غير أن المحكي عن اليهود من تعاضد طوائفهم على فكاك أسراهم جميعا يويد الإِحتمال الأول وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} الخ.
فالقراءتان إذن متحدتان معنى وإن اختلفتا أداء على الصحيح، وليس المنعى عليهم أن يفكوا أساراهم فإن ذلك من وصايا التوراة التي أُلزموها وإنما المنعى عليهم هذا التناقض العجيب في تصرفهم، فإن التوراة التي نصت على وجوب فك أسارى بني اسرائيل نصت كذلك على حرمة القتال بينهم، فراعوا جانبا منها وأهملوا جانبا، وكانت العرب في جاهليتهم يعيرونهم بذلك ويسألونهم عما يدعوهم إلى تعاونهم على فكاك الأسرى، فيجيبونهم إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، فيسألونهم: فلم تقاتلونهم؟ فيجيبونهم: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا.
وجملة: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} حال من فاعل تخرجون، والضمير المبتدأة به للشأن مبتدأ خبره الجملة بعده، والمحرم الممنوع ومادته موضوعه للمنع الشديد، واستعملها الشرع في ما كان منعه جازما، وفي إعراب مفردات هذه الجملة خلاف، قيل، محرم خبر مقدم وإخراج مبتدأ مؤخر، وقيل: محرم خبر عن الضمير وإخراج نائب فاعله لأنه اسم مفعول، وضعّف بأن المفرد لا يكون خبرا لضمير الشأن، وقيل: "هو" ضمير مبهم وإخراج بيانه، وهو مردود بأنه لم يعهد مثله في بيان الضمائر المبهمة بخلاف نحو رُبَّه رجلا إذ البيان فيه منصوب على التمييز.
وقد وبخهم الله على الجمع بين الإِيمان والكفر وهما نقيضان، ذلك لأن امتثال المأمور به تجسيد للإِيمان بالأمر والآمر بخلاف رفضه، لأنه إما أن يكون للاستخفاف بالآمر، أو لعدم التصديق بالامر، وكلاهما كفر ولا يستبعد كل منهما من اليهود بعدما تقرر عنهم من وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله، كقولهم:
{ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ } [آل عمران: 181]، وقولهم: { يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } [المائدة: 64]، ومجاهرتهم الأنبياء بالشك فيما جاؤوهم به عن الله، كقولهم: { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } [البقرة: 55].
ويحتمل أن يكون الكفر هنا كفر نعمة، فإن ترك أي شيء من الواجبات الدينية الثابتة بالقطع، وارتكاب أي شيء من المنهيات القطعية - مع الاعتراف بالوجوب والنهي - هما كفر بنعمة الله، كما سبق تقريره، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير ما يحكى عنهم من جوابهم للذين يسألونهم عن هذا التناقض الذي يفيد اعترافهم بأنهم منهيون عن مقاتلة بعضهم لبعض ومطالبون بأن يفدوا أسراهم، ويدل على أنهم يدينون بهذا الحكم وإنما يأتون ما يأتونه انتهاكا بل يدل عليه دلالة صريحة قوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}.
وبما أن كثيرا من علماء المذاهب الإِسلامية لا يقولون بكفر النعمة حاروا في تفسير الآية حتى أفضت الحيرة ببعضهم إلى القول بأن المراد بكونهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض إيمانهم بموسى وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد أبعد هذا القائل النجعة، وهرب من الواضح الى المشكل، فإن المقام ليس مقام حديث عن نبوة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وإنما هو مقام ذكر ميثاق اخذ عليهم فوفوا ببعضه ونقضوا بعضه، والقول بأن إطلاق الكفر على صنيعهم لأنهم يعتقدون حله مردود بما ذكرته قبل قليل.
وقال الإِمام محمد عبده في التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ}، فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى الله تعالى تائبا، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله تعالى عنه، وتحريمه له فهو كافر به لأن المؤمن بأن هذا شيء حرمه الله تعالى المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته لا يمكن أن لا يكون لإِيمان قلبه أثر في نفسه فإن من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرا في النفس، ولكل أثر في النفس تأثيرا في الأعمال، وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن" .
وروى ابن جرير عن قتادة وابن جريج أن فداءهم إيمان وإخراجهم كفر، وهو يؤكد ما قلته بأن المراد بالكفر هنا كفر النعمة.
وما في الآية من إنكار ووعيد على الآخذ ببعض تعاليم الكتاب وترك بعض، واعتبار ذلك جمعا بين الإِيمان والكفر - وهما ضدان - ليس خاصا ببني اسرائيل بل هو شامل لهذه الأمة عندما تأخذ ببعض تعاليم القرآن وتترك بعضا مع قوة حجته، وظهور معجزته، ونصوع برهانه، وكونه منبعا لكل خير ومطلعا لكل هداية، وهو معنى ما حكاه ابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إن بني اسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث".
والهمزة في {أَفَتُؤْمِنُونَ} للإِنكار وليس المنكر إيمانهم وإن دخلت الهمزة على فعله وإنما هو الجمع بينه وبين الكفر مع أن الإِيمان لا يعتد به إلا إذا خلص من جميع شوائب الكفر كالماء إذا خالطته النجاسة فكدرت لونه وغيرت ريحه وطعمه.
والخزي هو اقصى منازل الهوان، واختلف في المراد به في الآية، قيل: هو أخذ الجزية عليهم مع ما يصحبها من الذل والصغار، وقيل: قتل قريظة وجلاء بني النضير، والصحيح أن الخزي أعم معنى من كل ما قالوه، فما من هوان يصيبهم بما شرع الله فيهم من حكم أو بما أمضاه عليهم من قدر إلا وهو داخل في مدلول الخزي، وإن من أخزى الخزي أنهم بقوا طيلة القرون الماضية مشتتين في أصقاع الأرض يعانون أقسى المعاملات، ويكابدون شدائد الحياة لا ترق لهم الأفئدة ولا تعطف عليهم النفوس، ليست لهم جنسية تجمعهم، ولا وطن يأويهم، ولا لغة تربطهم.
وأشد العذاب هو الخلود في النار، وأشديته بالقياس إلى ما أصابهم في الدنيا، وإلا فالملاحدة والمشركون الذين جحدوا جميع رسالات الله هم أشد منهم عذابا في الآخرة.
وليست جدارتهم بهذا الوعيد راجعة إلى عنصرهم، بل هي راجعة إلى صنيعهم وإلا فقد خرج من عنصرهم أنبياء اصطفاهم الله لحمل رسالته، واختارهم لأداء أمانته، وفضلهم على العالمين بما اختصهم به، وفي ذلك عبرة لغيرهم، وتذكير لأمة القرآن الذي اشتمل على وعيدهم وبيان عاقبتهم ولكن هل من مدَّكر، فقد حذت هذه الأمة حذوهم فاصابهم ما أصابهم من الهوان، بل صيرهم الله تعالى عقوبة لهذه الأمة فجمع أوزاعهم ولم شتاتهم بعد أن كانوا متفرقين في أرجاء الأرض لا لأنهم أقلعوا عن غيهم، وتابوا إلى ربهم، ولكن ليكونوا بلاء على هذه الأمة، وتلك سنة في خلقه:
{ وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } [الأنعام: 129]، ولا مخلص من هذا البلاء، ولا منجاة من هذا العذاب إلا الأخذ بحجز أوامر الله، والاعتصام بحبله المتين، واتباع صراطه المستقيم.
وقوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تحذير إثر الوعيد السابق بأن المتوعد عليم بكل شيء فلا تعزب عنه أعمال الذين تُوُعدوا، وفي "تعملون" قراءتان، بالياء وهي قراءة نافع وابن كثير، وبالتاء وهي قراءة الباقين من العشرة، فالأولى روعيت فيها الغيبة التي في قوله: {مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} وقوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} والثانية روعي فيها الخطاب الذي في أصل السياق، وقيل: باحتمال أن يكون الخطاب فيها موجها إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما سلفت روايته عن عمر رضي الله عنه.