التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
١٥
-يونس

روح المعاني

{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بِيِّنَـٰتٍ} التفات من خطابهم إلى الغيبة إعراضاً عنهم وتوجيهاً للخطاب إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم بتعديد جناياتهم المضادة لما أريد منهم بالاستخلاف من التكذيب والكفر بالآيات البينات وغير ذلك كدأب من قبلهم من القرون المهلكة. وصيغة المضارع للدلالة على تحدد جوابهم الآتي حسب تجدد التلاوة. والمراد بالآيات الآيات الدالة على التوحيد وبطلان الشرك. وقيل: ما هو أعم من ذلك. والإضافة لتشريف المضاف والترغيب في الإيمان به والترهيب عن تكذيبه ونصب {بَيّنَـٰتٍ} على الحال أي حال كونها واضحات الدلالة على ما تضمنته، وإيراد فعل التلاوة مبنياً للمفعول مسنداً إلى الآيات دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدم الحاجة لتعيين التالي وللإيذان بأن كلامهم في نفس المتلو ولو تلاه رجل من إحدى القريتين عظيم.

{قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا} وضع الموصول موضع الضمير إشعاراً بعلية ما في حيز الصلة للعظيمة المحكية عنهم وذماً لهم بذلك أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {ٱئْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَـٰذَا} أشاروا بهذا إلى القرآن المشتمل على تلك الآيات لا إلى أنفسها فقط قصداً إلى إخراج الكل من البين أي ائت بكتاب آخر نقرؤه / ليس فيه ما نستبعده من البعث وتوابعه أو ما نكرهه من ذم آلهتنا والوعيد على عبادتها {أَوْ بَدّلْهُ} بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى، ولعلهم إنما سألوا ذلك كيداً وطمعاً في إجابته عليه الصلاة والسلام ليتوسلوا [به] إلى الإلزام والاستهزاء وليس مرادهم أنه عليه الصلاة والسلام لو أجابهم آمنوا.

{قُلْ} أيها الرسول لهم {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدّلَهُ} المصدر فاعل {يَكُوْن} وهي من كان التامة وتفسر بوجد ونفي الوجود قد يراد به نفي الصحة فإن وجود ما ليس بصحيح كلا وجود، فالمعنى هنا ما يصح لي أصلاً تبديله {منْ تلْقَآء نَفْسي} أي من جهتي ومن عندي. وأصل تلقاء مصدر على تفعال التاء ولم يجيء مصدر بكسرها غيره وغير تبيان في المشهور. وقرىء شاذاً بالفتح وهو القياس في المصادر الدالة على التكرار كالتطواف والتجوال، وقد خرج هنا من ذلك إلى الظرفية المجازية، والجر بمن لا يخرج الظرف عن ظرفيته ولذا اختصت الظروف الغير المتصرفة كعند بدخولها عليها ومن الناس من وهم في ذلك. وقصر الجواب ببيان امتناع ما اقترحوه على اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه أولاً من الظهور بحيث لا حاجة إلى بيانها ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بالطريق الأولى فهو بحسب المآل والحقيقة جواب عن الأمرين.

{إِنْ أَتَّبِعُ} أي ما أتبع فيما آتى وأذر {إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} من غير تغيير له في شيء أصلاً على معنى قصر حاله عليه الصلاة والسلام على اتباع ما يوحى لا قصر اتباعه على ما يوحى إليه كما هو المتبادر من ظاهر العبارة فكأنه قيل: ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي، والجملة مستأنفة بياناً لما يكون فإن من شأنه اتباع الوحي على ما هو عليه لا يستقل بشيء دونه أصلاً، وفي ذلك على ما قيل جواب لنقض مقدر وهو أنه كيف هذا وقد نسخ بعض الآيات ببعض، ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه صلى الله عليه وسلم، وكذا تقييد التبديل في الجواب بقوله: {مِن تِلْقَآء نَفْسِي} لرد تعريضهم بأنه من عنده عليه الصلاة والسلام ولذلك أيضاً سماه عصياناً عظيماً مستتبعاً لعذاب عظيم بقوله عز وجل: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وهو تعليل لمضمون ما قبله من امتناع التبديل واقتصار أمره صلى الله عليه وسلم على أتباع الوحي أي إني أخاف إن عصيته تعالى بتعاطي التبديل والإعراض عن الوحي عذاب يوم عظيم هو يوم القيامة ويوم اللقاء الذي لا يرجونه، وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح لأن اقتراح ما يوجبه يستوجبه أيضاً وإن لم يكن كفعله، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة لضميره عليه الصلاة والسلام لتهويل أمر العصيان وإظهار كمال نزاهته صلى الله عليه وسلم، وفي إيراد اليوم بالتنوين التفخيمي ووصفه بعظيم ما لا يخفى ما فيه من العذاب وتفظيعه، وجوز العلامة الطيبي كون الجواب المذكور جواباً عن الاقتراحين من غير حاجة إلى شيء وذلك بحمل التبديل فيه على ما يعم تبديل ذات بذات أخرى كبدلت الدنانير دراهم وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: {ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَا} وتبديل صفة بصفة أخرى كبدلت الخاتم حلقة وهو الذي أشاروا إليه بقولهم: {أَوْ بَدّلْهُ}. وأورد عليه بأن تقييد التبديل بقوله سبحانه: {مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ} يمنع حمله على الأعم لأنه يشعر بأن ذلك مقدور له صلى الله عليه وسلم ولكن لا يفعله بغير إذنه تعالى والتبديل الذي أشاروا إليه أولاً غير مقدور له عليه الصلاة والسلام حتى أن المقترحين يعلمون استحالة ذلك لكن اقترحوه / لما مر وقالوا: لو شئنا لقلنا مثل هذا مكابرة وعناداً، ثم إن الظاهر أنهم اقترحوا التبديل والإتيان بطريق الافتراء قيل: لا مساغ للقول بأنهم اقترحوا ذلك من جهة الوحي فكأنهم قالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله من جهة الوحي كما أتيت بالقرآن من جهته ويكون معنى قوله: {مَا يَكُونُ لِي} الخ ما يتسهل لي ولا يمكنني أن أبدله لما في «الكشاف» من أن قوله: {إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي} يرد ذلك، ووجه بأنهم لم يطلبوا ما هو عصيان على هذا التقدير حتى يقول في جوابهم ما ذكر، ونظر فيه بأن الطلب من غير اذن عصيان فإن لم يحمل ما يتسهل لي على أن ذلك لكونه غير مأذون كان الجواب غير مطابق لسؤالهم لأن السؤال عن تبديل من الله تعالى وهو عليه الصلاة والسلام قال: لا يمكنني التبديل من تلقاء نفسي في الجواب وإن حمل عليه فالعصيان أيضاً منزل عليه، وأجيب بأن صاحب «الكشاف» حمل {مَّا يَكُونُ} على أنه لا يمكن ولا يتسهل والعصيان يقع على الممكن المقدور لا أنهم طلبوا ما هو عصيان أو ليس والمطابقة حاصلة بل أشدها لأن الحاصل إما التبديل من تلقاء نفسي فغير ممكن وأما من قبل الوحي فأنا تابع غير متبوع. نعم لا ينكر أنه يمكن أن يأتي وجه آخر بأن يحمل على أنه لا يحل لي ذلك دون إذن وصاحب «الكشاف» لم ينفه. وذكر بعض المحققين أنه لا مساغ لحمل مقترحهم على ما هو من جهة الوحي لمكان التعليل بإني أخاف الخ إذ المقصود بما ذكر فيه معصية الافتراء كما يرشد إلى ذلك صريح ما بعده من الآيتين الكريمتين وحينئذ لا يتحقق فيه تلك المعصية، ومعصية استدعاء تبديل ما اقتضته الحكمة التشريعية لا سيما بموجب اقتراح الكفرة ليست مقصودة فلا ينفع تحققها، وهو كلام وجيه يعلم منه ما في الكلام السابق من النظر.

بقي أنه يفهم من بعض الآثار أنهم طلبوا الإتيان من جهة الوحي فعن مقاتل أن الآية نزلت في خمسة نفر عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبـي قيس العامري والعاص بن عامر بن هشام قالوا للنبـي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن من لك فائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومنات وليس فيه عيبها وإن لم ينزل الله تعالى عليك فقل أنت من نفسك أو بدله فاجعل مكان آية عذاب رحمة ومكان حرام حلالاً ومكان حلالا حراماً، وربما يقال: إن هذا على تقدير صحته لا يأبـى أن يكون ما في الآية ما أشار إليه تالي الشرطية الثانية من كلامهم فتدبر.