التفاسير

< >
عرض

وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١٠
-البقرة

روح المعاني

{وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} عطف على { فَٱعْفُواْ } [البقرة: 109] كأنه سبحانه أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكرهون، وقول الطبري: إنهم أمروا هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود { رٰعِنَا } [البقرة: 104] منحط عن درجة الاعتبار.

{وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ} أي أي خير كان، وفي ذلك توكيد للأمر بالعفو والصفح، والصلاة والزكاة، وترغيب إليه، واللام نفعية، وتخصيص الخير بالصلاة، والصدقة خلاف الظاهر، وقرىء (تقدموا) من قدم من السفر، وأقدمه غيره جعله قادماً، وهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد الإحجام.

{تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} حيث جعل جميع ما يعملون مبصراً له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلاً مما يعملون من المبصرات، وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات، وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير هٰهنا العالم ولا دلالة على كونه نفس الذات أو زائداً عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور، وقرىء (يعملون) بالياء والضمير/ حينئذ كناية عن كثير، أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلاً لقوله تعالى: { فَٱعْفُواْ } [البقرة: 109] الخ مؤكداً لمضمون الغاية، والمناسب أن يكون وعيداً لأولئك ليكون تسلية، وتوطيناً للمؤمنين بالعفو والصفح، وإزالة لاستبطاء إتيان الأمر، وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات المتقدمة، والكلام وعيد للمؤمنين، ويستفاد من الالتفات الواقع من صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؛ وهو النكتة الخاصة بهذا الالتفات ولا يخفى أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه.