التفاسير

< >
عرض

ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ
٢٨٥
-البقرة

روح المعاني

{ءامَنَ ٱلرَّسُولُ} قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى عز وجل في هذه السورة الجليلة الشأن الواضحة البرهان فرض الصلاة الزكاة، والطلاق، والحيض، والإيلاء، والجهاد، وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدين، والربا ختمها بهذا تعظيماً لنبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وتأكيداً وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل، وقد شهد سبحانه وتعالى هنا لمن تقدم في صدر السورة بكمال الإيمان وحسن الطاعة واتصافهم بذلك بالفعل وذكره صلى الله عليه وسلم بطريق الغيبة مع ذكره هناك/ بطريق الخطاب لما أن حق الشهادة الباقية على مر الدهور أن لا يخاطب بها المشهود له ولم يتعرض سبحانه هٰهنا لبيان فوزهم بمطالبهم التي من جملتها ما حكى عنهم من الدعوات الآتية إيذاناً بأنه أمر محقق غني عن التصريح لا سيما بعد ما نص عليه فيما سلف وإيراده صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة دون تعرض لاسمه الشريف تعظيم له وتمهيد لما يذكر بعده. أخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال: "لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم {ءامَنَ ٱلرَّسُولُ} قال عليه الصلاة والسلام: وحق له أن يؤمن" وفي رواية عبد بن حميد عن قتادة وهي شاهد لحديث أنس ـ «فينجبر انقطاعه ويحق له أن يؤمن».

{بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ} من الأحكام المذكورة في هذه السورة وغيرها والمراد إيمانه بذلك إيماناً تفصيلياً، وأجمله إجلالاً لمحله صلى الله عليه وسلم وإشعاراً بأن تعلق إيمانه عليه الصلاة والسلام بتفاصيل ما أنزل إليه وإحاطته بجميع ما انطوى عليه مما لا يكتنه كنهه ولا تصل الأفكار وإن حلقت إليه قد بلغ من الظهور إلى حيث استغنى عن ذكره واكتفى عن بيانه، وفي تقديم الانتهاء على الإبتداء مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى من التعظيم لقدره الشريف والتنويه برفعة محله المنيف {وَٱلْمُؤْمِنُونَ} يجوز أن يكون معطوفاً على الرسول مرفوعاً بالفاعلية فيوقف عليه، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود في «المصاحف» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ ـ وآمن المؤمنون ـ وعليه يكون قوله تعالى: {كُلٌّ ءامَنَ} جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر؛ وسوغ الابتداء بالنكرة كونها في تقدير الإضافة ويجوز أن يكون مبتدأ، و {كُلٌّ} مبتدأ ثان، و {ءَامَنَ} خبره، والجملة خبر الأول والرابط مقدر ولا يجوز كون {كُلٌّ} تأكيداً لأنهم صرحوا بأنه لا يكون تأكيداً للمعرفة إلا إذا أضيف لفظاً إلى ضميرها ـ ورجح الوجه الأول ـ بأنه أقضى لحق البلاغة وأولى في التلقي بالقبول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حينئذ يكون أصلاً في حكم الإيمان بما أنزل الله والمؤمنون تابعون له ويا فخرهم بذلك، ويلزم على الوجه في الثاني أن حكم المؤمنين أقوى من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لكون جملتهم إسمية ومؤكدة، وعورض بأن في الثاني إيذاناً بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيداً للإشعار بما بين إيمانه صلى الله عليه وسلم المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمان سائر المؤمنين الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والفرق الواضح كأنهما مختلفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب؛ ويلزم على الأول: أنه إن حمل كل من الإيمانين على ما يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم من حيث الذات ومن حيث التعلق استحال إسنادهما إلى غيره عليه الصلاة والسلام وضاع التكرير، وإن حمل على ما يليق بشأن آحاد الأمة كان ذلك حطاً لرتبته العلية وإذا حملا على ما يليق بكل واحد مما نسبا إليه ذاتاً وتعلقاً بأن يحملا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم على الإيمان العياني المتعلق بجميع التفاصيل وبالنسبة إلى آحاد الأمة على الإيمان المكتسب من مشكاته صلى الله عليه وسلم واللائق بحالهم من الإجمال والتفصيل كان اعتسافاً بيناً ينزه عنه التنزيل والشبهة التي ظنت معارضة مدفوعة بأن الإتيان بالجملة الاسمية مع تكرار الإسناد المقوي للحكم لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج لذلك، وتوحيد الضمير في {ءَامَنَ} مع رجوعه إلى كل المؤمنين لما أن المراد بيان إيمان كل فرد فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع كما اعتبر في قوله تعالى: { وَكُلٌّ أَتَوْهُ دٰخِرِينَ } [النمل: 87] وهو أبعد عن التقليد الذي هو إن لم يجرح خدش أي كل واحد/ منهم على حياله ـ آمن ـ.

{بِٱللَّهِ} أي صدق به وبصفاته ونفى التشبيه عنه وتنزيهه عما لا يليق بكبريائه من نحو الشريك في الألوهية والربوبية وغير ذلك {وَمَلَٰـئِكَتُهُ} من حيث إنهم معصومون مطهرون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بإنزال الكتب وإلقاء الوحي ولهذا ذكروا في النظم قبل قوله تعالى: {وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} أي من حيث مجيئهما منه تعالى على وجه يليق بشأن كل منهما ويلزم الإيمان التفصيلي فيما علم تفصيلاً من كل من ذلك والإجمالي فيما علم إجمالاً وإنما لم يذكر هٰهنا الإيمان باليوم الآخر كما ذكر في قوله تعالى: { وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءامَنَ } [البقرة: 177] الخ لاندراجه في الإيمان بكتبه والثواني كثيراً ما يختصر فيها.

وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وكتابه ـ بالإفراد فيحتمل أن يراد به القرآن بحمل الإضافة على العهد أو يراد الجنس فلا يختص به والفرق بينه وبين الجمع ـ على ما ذهب إليه إمام الحرمين، والزمخشري ـ وروي عن الإمام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع لأن المفرد يتناول جميع الآحاد ابتداءاً فلا يخرج عنه شيء منه قليلاً أو كثيراً بخلاف الجمع فإنه يستغرق الجموع أولاً وبالذات ثم يسري إلى الآحاد ـ وهذا المبحث من معضلات علم المعاني ـ وقد فرغ من تحقيقه هناك.

{لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ} في حيز النصب بقول مقدر مسند إلى ضمير {كُلٌّ} مراعى فيه اللفظ فيفرد أو المعنى فيجمع ـ ولعله أولى ـ والجملة منصوبة المحل على أنها حال من ضمير {ءامنَ} أو مرفوعة على أنها خبر آخر ـ لكل ـ أي يقولون، أو يقول: لا نفرق بين رسل الله تعالى بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل أهل الكتابين بل نؤمن بهم جميعاً ونصدق بصحة رسالة كل واحد منهم وقيدوا إيمانهم بذلك تحقيقاً للحق وتنصيصاً على مخالفة أولئك المفرقين من الفريقين بإظهار الإيمان بما كفروا به فلعنة الله على الكافرين.

ومن هنا يعلم أن القائلين هم آحاد المؤمنين خاصة إذ يبعد أن يسند إليه صلى الله عليه وسلم أن يقول لا أفرق بين أحد من رسله وهو يريد إظهار إيمانه برسالة نفسه وتصديقه في دعواها، ومن اعتبر إدراج الرسول في {كُلٌّ} واستبعد هذا قال بالتغليب هٰهنا، ومن لم يستبعد إذ كان صلى الله عليه وسلم يأتي بكلمة الشهادة كما يأتي بها سائر الناس أو يبدل العلم فيها بضمير المتكلم لم يحتج إلى القول بالتغليب، وعدم التعرض لنفي التفريق بين الكتب لاستلزام المذكور إياه وإنما لم يعكس مع تحقق التلازم لما أن الأصل في تفريق المفرقين هو الرسل وكفرهم بالكتب متفرع على كفرهم بهم وإيثار إظهار الرسل على الإضمار الواقع مثله في قوله تعالى: { وَمَا أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } [البقرة: 136] إما للاحتراز عن توهم اندراج الملائكة ولو على بعد في الحكم وهو وإن لم يكن فيه بأس إلا أنه ليس في التعرض له كثير جدوى إذ لا مزاحم في الظاهر، وإن كان فقليل أو للإشعار بعلة عدم التفريق أو للإيماء إلى عنوانه لأن المعتبر عدم التفريق من حيث الرسالة دون سائر الحيثيات.

وقرأ يعقوب، وأبو عمرو في رواية عنه ـ لا يفرق ـ بالياء على لفظ {كُلٌّ} وقرىء لا يفرقون حملاً على معناه، والجملة نفسها حينئذ حال أو خبر على نحو ما تقدم في القول المقدر ولا حاجة إليه هنا، والكلام على {أَحَدٌ} وإدخال {بَيْنَ} عليه قد سبق في تفسير قوله تعالى: { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } [البقرة: 136].

{وَقَالُواْ} عطف على {ءَامَنَ} والجمع باعتبار المعنى وهو حكاية لامتثالهم الأوامر والنواهي إثر حكاية إيمانهم {سَمِعْنَا} أي أجبنا وهو المعنى/ العرفي للسمع {وَأَطَعْنَا} وقبلنا عن طوع ما دعوتنا إليه في الأوامر والنوهي، وقيل: (سمعنا) ما جاءنا من الحق وتيقناً بصحته، و (أطعنا) ما فيه من الأمر والنهي {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} أي اغفر غفرانك ما ينقص حظوظنا لديك، أو نسألك غفرانك ذلك، فغفران مصدر إما مفعول مطلق أو مفعول به ـ ولعل الأول أولى ـ لما في الثاني من تقدير الفعل الخاص المحوج إلى اعتبار القرينة وتقديم ذكر السمع على الطاعة لتقدم العام على الخاص، أو لأن التكليف طريقه السمع والطاعة بعده وتقديم ذكرهما على طلب الغفران لما أن تقدم الوسيلة على المسؤول أقرب إلى الإجابة والقبول، والتعرض لعنوان الربوبية قد تقدم سره غير مرة {وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ} أي الرجوع بالموت والبعث وهو مصدر ميمي، والجملة قيل: معطوفة على مقدر أي فمنك المبدأ وإليك المصير وهي تذييل لما قبله مقرر للحاجة إلى المغفرة وفيها إقرار بالمعاد الذي لم يصرح به قبل.