التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ
٥٨
-البقرة

روح المعاني

{وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} منصوبة على الظرفية عند سيبويه، والمفعولية عند الأخفش، والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان موسى عليه السلام كالأوامر السابقة واللاحقة ـ والقرية ـ بفتح القاف ـ والكسر لغة أهل اليمن ـ المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة، وقيل: إن قلوا قيل لها: قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة، والجمع القرى على غير قياس، وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جمّ/ والمشهور عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والسدي، والربيع، وغيرهم ـ وإليه ذهب الجمهور ـ أنها بيت المقدس، وقد كان هذا الأمر بعد التيه والتحير وهو أمر إباحة يدل عليه عطف {فَكُلُواْ} الخ وهو غير الأمر المذكور بقوله تعالى: { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ } [المائدة: 21] لأنه كان قبل ذلك وهو أمر تكليف كما يدل عليه عطف النهي، ومنهم من زعم اتحادهما، وجعل هذا الأمر أيضاً للتكليف. وحمل تبديل الأمر على عدم امتثاله بناء على أنه لم يدخلوا القدس في حياة موسى عليه السلام، ومنهم من ادّعى اختلافهما لكنه زعم أن ما هنا كان بعد التيه على لسان يوشع لا على لسان موسى عليهما السلام لأنه وأخاه هرون ماتا في التيه وفتح يوشع مع بني إسرائيل أرض الشام بعد موته عليه السلام بثلاثة أشهر، ومنهم من قال الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج عنه ولا يخفى ما في كل، فالأظهر ما ذكرنا. وقد روي أن موسى عليه السلام سار بعد الخروج من التيه بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحاء ـ وهي بأرض القدس ـ وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض، وكأنهم أمروا بعد الفتح بالدخول على وجه الإقامة والسكنى كما يشير إليه قوله تعالى: {فَكُلُواْ} الخ، وقوله تعالى في الأعراف [161] { ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } ويؤكد كونه بعد الفتح الإشارة بلفظ القريب، والقول ـ بأنها نزلت منزلة القريب ترويجاً للأمر ـ بعيد، ولا ينافي هذا ما مر من أنه مات في التيه لأن المراد به المفازة لا التيه مصدر تاه يتيه تيهاً بالكسر والفتح وتيهاناً إذا ذهب متحيراً فليفهم.

{فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا} أي واسعاً هنيئاً ونصبه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين، وفي الكلام إشارة إلى حلّ جميع مواضعها لهم، أو الإذن بنقل حاصلها إلى أي موضع شاءوا مع دلالة (رغداً) على أنهم مرخصون بالأكل منها ـ واسعاً ـ وليس عليهم القناعة لسد الجوعة، ويحتمل أن يكون وعداً لهم بكثرة المحصولات وعدم الغلاء، وأخر هذه المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم عليه السلام قبل لمناسبة الفاصلة في قوله تعالى: {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّدًا} والخلاف في نصب (الباب) في نصب {هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ} والمراد بها على المشهور أحد أبواب بيت القدس، وتدعى الآن باب حطة قاله ابن عباس، وقيل: الباب الثامن من أبوابه، ويدعى الآن باب التوبة ـ وعليه مجاهد ـ وزعم بعضهم أنها باب القبة التي كانت لموسى وهارون عليهما السلام يتعبدان فيها، وجعلت قبلة لبني إسرائيل في التيه، وفي وصفها أمور غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله تعالى. و (سجداً) حال من ضمير {أَدْخِلُواْ} والمراد خضعاً متواضعين لأن اللائق بحال المذنب التائب والمطيع الموافق الخشوع والمسكنة، ويجوز حمل السجود على المعنى الشرعي، والحال مقارنة أو مقدرة، ويؤيد الثاني ما روي عن وهب في معنى الآية ـ إذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله أي على ما أنعم عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على من كنتم منه تخافون وأعادكم إلى ما تحبون ـ وقول الزمخشري ـ أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً ـ لم نقف على ما يدل عليه من كتاب وسنة، وفسر ابن عباس السجود هنا بالركوع، وبعضهم بالتطامن والانحناء قالوا: وأمروا بذلك لأن الباب كان صغيراً ضيقاً يحتاج الداخل فيه إلى انحناء، وفي «الصحيح» عن أبـي هريرة أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "قيل لبني إسرائيل: {ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} فدخلوا يزحفون على أستاههم" .

{وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي مسألتنا، أو شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا، وهي فعلة من ـ الحط ـ كالجلسة، وذكر أبان أنها بمعنى التوبة وأنشد:

فاز (بالحطة) التي جعل اللـ ـه بها ذنب عبده مغفوراً

/ والحق أن تفسيرها بذلك تفسير باللازم، ومن البعيد قول أبـي مسلم: إن المعنى أمرنا ـ حطة ـ أي أن نحط في هذه القرية ونقيم بها لعدم ظهور تعلق الغفران به وترتب التبديل عليه إلا أن يقال كانوا مأمورين بهذا القول عند الحط في القرية لمجرد التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه، وقرأ ابن أبـي عبلة بالنصب بمعنى حط عنا ذنوبنا (حطة) أو نسألك ذلك، ويجوز أن يكون النصب على المفعولية ـ لقولوا ـ أي قولوا هذه الكلمة بعينها ـ وهو المروي عن ابن عباس ـ ومفعول القول عند أهل اللغة يكون مفرداً إذا أريد به لفظه ولا عبرة بما في «البحر» من المنع إلا أنه يبعد هذا إن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بها، ولأن الظاهر أنهم أمروا أن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم حتى لو قالوا اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً ولا تتوقف التوبة على ذكر لفظة بعينها، ولهذا قيل: الأوجه في كونها مفعولاً ـ لقولوا ـ أن يراد قولوا أمراً حاطاً لذنوبكم من الاستغفار، وحينئذ يزول عن هذا الوجه الغبار، ثم هذه اللفظة على جميع التقادير عربية معلومة الاشتقاق، والمعنى وهو الظاهر المسموع، وقال الأصم: هي من ألفاظ أهل الكتاب لا نعرف معناها في العربية. وذكر عكرمة إن معناها لا إله إلا الله وهو من الغرابة بمكان.

{نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ} بدخولكم الباب سجداً وقولكم حطة. والخطايا أصلها خطايىء بياء بعد ألف ثم همزة فأبدلت الياء ـ عند سيبويه ـ الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً، وكانت الهمزة بين ألفين فأبدلت ياء، وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بها ما ذكر، وقرأ نافع {يَغْفِرُ} ـ بالياء ـ وابن عامر ـ بالتاء ـ على البناء للمجهول، والباقون ـ بالنون ـ والبناء للمعلوم ـ وهو الجاري على نظام ما قبله وما بعده ـ ولم يقرأ أحد من السبعة إلا بلفظ {خَطَـٰيَـٰكُمْ} وأمالها الكسائي، وقرأ الجحدري وقتادة {تَغْفِرْ} بضم التاء، وأفرد ـ الخطيئة ـ وقرأ الجمهور بإظهار ـ الراء ـ من {يَغْفِرُ} عند ـ اللام ـ وأدغمها قوم، قالوا: وهو ضعيف.

{وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} معطوف على جملة {قُولُواْ حِطَّةٌ } وذكر أنه عطف على الجواب، ولم ينجزم لأن ـ السين ـ تمنع الجزاء عن قبول الجزم، وفي إبرازه في تلك الصورة دون تردد دليل على أن المحسن يفعل ذلك البتة، وفي الكلام صفة الجمع مع التفريق، فإن {قُولُواْ حِطَّةٌ} جمع، و {نَّغْفِرْ لَكُمْ} و {سَنَزِيدُ} تفريق، والمفعول محذوف، أي ثواباً.