التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
-البقرة

روح المعاني

{ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} نزلت ـ كما في «البحر» ـ في بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير من اليهود، كان بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة، والنضير والأوس والخزرج إخوان؛ وبنو قريظة والنضير إخوان ـ ثم افترقوا ـ فصارت بنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانوا يقتتلون ويقع منهم ما قص الله تعالى فعيرهم الله تعالى بذلك. و {ثُمَّ} للاستبعاد في الوقوع ـ لا للتراخي في الزمان ـ لأنه الواقع في نفس الأمر ـ كما قيل به ـ و (أنتم) مبتدأ، و (هؤلاء) خبره على معنى أنتم بعد ذلك المذكور من الميثاق والإقرار والشهادة هؤلاء الناقضون، كقولك: أنت: ذلك الرجل الذي فعل كذا، وكان مقتضى الظاهر، ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم الخ أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، لكن أدخل (هؤلاء) وأوقع خبراً ليفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها نعياً عليهم لشدة وكادت الميثاق ثم تساهلهم فيه وتغيير الذات فهم من وضع اسم الإشارة الموضوع للذات موضع الصفة لا من جعل ذات واحد في خطاب واحد مخاطباً وغائباً، وإلا لفهم ذلك من نحو { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [النمل: 55] أيضاً. وصح الحمل مع اعتبار التغير لأنه ادعائي ـ وفي الحقيقة واحد ـ وعدوا حضوراً مشاهدين باعتبار تعلق العلم بما أسند إليهم من الأفعال المذكورة سابقاً وغيباً باعتبار عدم تعلق العلم بهم لما سيحكى عنهم من الأفعال بعد، لا لأن المعاصي توجب الغيبة عن غير الحضور إذ المناسب حينئذ الغيبة في (تقتلون) و(تخرجون) قاله السيالكوتي.

و (تقتلون) إما حال والعامل فيه معنى الإشارة أو بيان كأنه لما قيل: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء} قالوا كيف نحن/ فجيء بـ {تَقْتُلُونَ} تفسيراً له، ويحتمل أن تجعل مفسرة لها من غير تقدير سؤال، وذهب ابن كيسان وغيره إلى أن {أَنتُمْ} مبتدأ و {تَقْتُلُونَ} الخبر و {هَـؤُلاء} تخصيص للمخاطبين لما نبهوا على الحال التي هم عليها مقيمون فيكون إذ ذاك منصوباً بأعنى وفيه أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة والمستقر من لسان العرب أنه يكون بأيتها كاللهم اغفر لنا أيتها العصابة وبالمعرف ـ باللام ـ كنحن العرب أقرى الناس للضيف ـ أو الإضافة كـ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ـ وقد يكون بالعلم ـ كـ:

بنا تميما نكشف الضبابا

وأكثر ما يأتي بعد ضمير متكلم ـ وقد يجيء بعد ضمير المخاطب ـ كبك الله نرجو الفضل، وقيل: (هؤلاء) تأكيد لغوي (لأنتم) فهو إما بدل منه أو عطف بيان عليه وجعله من التأكيد اللفظي بالمرادف توهم، والكلام على هذا خال عن تلك النكتة، وقيل: هؤلاء بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر، وهذا مبني على مذهب الكوفيين حيث جوزوا كون جميع أسماء الإشارة موصولة سواء كانت بعد (ما) أولا والبصريون يخصونه إذا وقعت بعد (ما) الاستفهامية ـ وهو المصحح ـ على أن الكلام يصير حينئذ من قبيل:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة

وهو ضعيف ـ كما قاله الشهاب ـ وقرأ الحسن {تَقْتُلُونَ} على التكثير وفي «تفسير المهدوي» أنها قراءة أبـي نهيك.

{وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ} عطف على ما قبله وضمير ديارهم للفريق وإيثار الغيبة مع جواز دياركم كما في الأول للاحتراز عن توهم كون المراد إخراجهم من ديار المخاطبين من حيث ديارهم لا ديار المخرجين {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ} حال من فاعل {تُخْرَجُونَ} أو من مفعوله قيل: أو من كليهما لأنه لاشتماله على ضميرهما يبين هيئتهما، والمعنى على الأول تخرجون متظاهرين عليهم وعلى الثاني تخرجون فريقاً متظاهراً عليهم، وعلى الثالث تخرجون واقعاً التظاهر منهم عليهم و ـ التظاهر ـ التعاون وأصله من ـ الظهر ـ كأن المتعاونين يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه و(الاثم) الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم واللوم، وقيل: ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، وفي الحديث: "الإِثم ما حاك في صدرك" وهو متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم، وكونه هنا مجازاً عما يوجبه من إطلاق المسبب على سببه كما سميت الخمر إثماً في قوله:

شربت (الاثم) حتى ضل عقلي كذاك (الاثم) تذهب بالعقول

مما لا يدعو إليه داع، والعدوان تجاوز الحد في الظلم.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {تَظِـٰهَرُونَ} بتخفيف الظاء وأصله ـ بتاءين ـ حذفت ثانيتهما عند أبـي حيان وأولاهما عند هاشم وقرأ باقي السبعة بالتشديد على إدغام ـ التاء في الظاء ـ وأبو حيوة (تتظاهرون) ـ بضم التاء وكسر الهاء ـ ومجاهد وقتادة باختلاف عنهما {تَظَّهَّرونَ} ـ بفتح التاء والظاء والهاء مشددتين دون ألف ـ ورويت عن أبـي عمرو أيضاً وبعضهم تتظاهرون على الأصل.

{وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ } أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر (تفدوهم) وعليه حمل بعض قراءة الباقين إذ لا مفاعلة، وفرق جمع بين فادى وفدى بأن معنى الأول: بادل أسيراً بأسير والثاني: جمع الفداء ويعكر عليه قول العباس رضي الله تعالى عنه فاديت نفسي وفاديت عقيلاً إذ من المعلوم أنه ما بادل أسيراً بأسير، وقيل: (تفادوهم) بالعنف و (تفدوهم) بالصلح؛ وقيل: (تفادوهم) تطلبوا الفدية من الأسير الذي في أيديكم من أعدائكم ومنه قوله:

قفي فادي أسيرك إن قومي وقومك لا أرى لهم احتفالاً

/وقال أبو علي: معناه لغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئاً، وأراه هنا كسابقه في غاية البعد، والقول بأن ـ معنى الآية وإن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدون لانقاذهم بالإرشاد والوعظ من تضييعكم أنفسكم إلى البطون ـ أقرب كما لا يخفى، و ـ الأسارى ـ قيل: جمع أسير بمعنى مأسور وكأنهم حملوا أسيراً على كسلان فجمعوه جمعه كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبويه، ووجه الشبه أن الأسير محبوس عن كثير من تصرفه للأسر والكسلان محبوس عن ذلك لعادته، وقيل: إنه مجموع كذا ابتداء من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى، وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية خلافاً لبعضهم حيث زعم أن الفتح هو الأصل والضم ليزداد قوة، وقيل: جمع أسرى ـ وبه قرأ حمزة ـ وهو جمع أسير كجريح وجرحى فيكون أسارى جمع الجمع قاله المفضل، وقال أبو عمرو: الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوثاق ـ ولا أرى فرقاً ـ بل المأخوذون على سبيل القهر والغلبة مطلقاً أسرى وأسارى.

{وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} حال من فاعل {تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم} أو مفعوله بعد اعتبار التقييد بالحال السابقة، وقوله تعالى: {وَإِن يَأْتُوكُمْ} اعتراض بينهما لا معطوف على {تَظَـٰهَرُونَ} لأن الاتيان لم يكن مقارناً للإخراج وقيد الإخراج بهذه الحال لإفادة أنه لم يكن عن استحقاق ومعصية موجبة له، وتخصيصه بالتقييد دون القتل للإهتمام بشأنه لكونه أشد منه { وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } [البقرة: 191] وقيل: لا بل لكونه أقل خطراً بالنسبة إلى القتل فكان مظنة التساهل، ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم وذلك مختص بصورة الإخراج إذ لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قصاص وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق، وقيل: النكتة في إعادة تحريم الإخراج وقد أفاده ـ لا تخرجون أنفسكم ـ بأبلغ وجه، وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل أنهم امتثلوا حكماً في باب المخرج وهو الفداء وخالفوا حكماً وهو الإخراج فجمع مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به {أَفَتُؤْمِنُونَ} الخ أشد اتصال ويتضح كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض كمال اتضاح حيث وقع في حق شخص واحد، والضمير للشأن والجملة بعده خبره. وقيل: خبره (محرم) و (إخراجهم) نائب فاعل وهو مذهب الكوفيين وتبعهم المهدوي، وإنما ارتكبوه لأن الخبر المتحمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يجيزون قائم زيد على أن يكون قائم خبراً مقدماً، والبصريون يجوزون ذلك ولا يجيزون هذا الوجه لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه عندهم إلا بجملة مصرح بجزأيها، وقيل: إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضاً و (محرم) خبره و (إخراجهم) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه وأجازه الكسائي، وقيل: راجع إلى الإخراج المفهوم من (تخرجون) و (إخراجهم) عطف بيان له أو بدل منه أو من ضمير محرم، وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراج لا وجه لإبداله منه. ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون هو ضمير فصل، وقد تقدم مع الخبر والتقدير ـ وإخراجهم هو محرم عليكم ـ فلما قدم خبر المبتدأ عليه قدم هو معه ولا يجوزه البصريون ـ لأن وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا تقارب المعرفة ـ لا يجوز عندهم وتوسطه بين المبتدأ والخبر أو بين ما هما أصله شرط عندهم أيضاً، ولابن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره.

{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} عطف على {تَقْتُلُونَ} أو على محذوف أي أتفعلون ما ذكر فتؤمنون الخ والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى إذ العهد كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه، وقيل: المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة، وقد أخرج ابن جرير عن أبـي العالية أن عبد الله بن سلام مر على رأس/ الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء ما لم يقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه العرب فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن، وروى محيـى السنة عن السدي أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه فأعتقوه، ولعل كفرهم بما ارتكبوا لاعتقادهم عدم الحرمة مع دلالة صريح التوراة عليها لكن ما في «الكشاف» من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فقالوا: أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال لكنا نستحي من حلفائنا يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فاطلاق الكفر حينئذ على فعل ما حرم إما لأنه كان في شرعهم كفراً أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا، والقول بأن المعنى أتستعملون البعض وتتركون البعض فالكلام محمول على المجاز بهذا الاعتبار لا اعتبار به كالقول بأن المراد بالبعض المؤمن به نبوة موسى عليه السلام، والبعض الآخر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.

{فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا} الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض، أو إلى ما فعلوه من القتل والاجلاء مع مفاداة ـ الأسارى ـ والجزاء المقابلة؛ ويطلق في الخير والشر. ـ والخزي ـ الهوان، والماضي ـ خزي ـ بالكسر، وقال ابن السكيت: معنى ـ خزي ـ وقع في بلية ـ وخزي ـ الرجل ـ خزاية ـ إذا استحى وهو ـ خزيان ـ وقوم ـ خزايا ـ وامرأة ـ خزيا ـ والمراد به هنا الفضيحة والعقوبة أو ضرب الجزية غابر الدهر أو غلبة العدو أو قتل قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان عادة بني قريظة القتل وعادة بني النضير الإخراج فلما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير وقتل رجال قريظة وأسر نساءهم وأطفالهم وتنكير ـ الخزي ـ للإيذان بفظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكنه كنهه، ومن هنا لم يخصه بعضهم ببعض الوجوه، وادعى أن الأظهر ذلك وجعل الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض أي بعض كان ولذلك أفردها، وحينئذ يتناول الكفرة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونظيره من يفعل جميع ذلك.

و (الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو وياؤها منقلبة عن ـ واو ـ ولا يحذف منها ـ الألف واللام ـ إلا قليلاً، وخصه أبو حيان في الشعر، و (ما) نافية و (مَنْ) إن جعلت موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب، وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على أنه صفتها، و (منكم) حال من فاعل ـ يفعل ـ. و (إلا خزي) استثناء مفرغ وقع خبراً للمبتدأ ولا يجوز النصب في مثل ذلك على المشهور. ونقل عن يونس إجازته في الخبر بعد (إلا) كائنا ما كان، وقال بعضهم: إن كان (ما) بعد إلا هو الأول في المعنى أو منزل منزلته لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزلاً منزلة الأول، وإن كان وصفاً أجاز فيه الفراء النصب ـ ومنعه البصريون ـ وحكى عنهم أنهم لا يجوزون النصب في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فيضمر ناصب حينئذ وتحقيقه في محله.

{وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ} أي يصيرون إليه فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب، وقد يراد بالرد الرجوع إلى ما كانوا فيه كما في قوله تعالى: { فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ } [القصص: 13] وكأنهم كانوا في الدنيا، أو في القبور في أشد العذاب أيضاً فردوا إليه، والمراد به الخلود في النار وأشديته من حيث إنه لا انقضاء له، أو المراد أشد/ جميع أنواع العذاب ولكن بالنسبة إلى عذاب من لم يفعل هذا العصيان لأن عصيانهم أشد من عصيان هؤلاء وجزاء سيئة سيئة مثلها ويدل على ما قررناه قوله تعالى: {مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} فلا يرد ما أورده الإمام الرازي أنه كيف يكون عذاب اليهود أشد من الدهرية المنكرين للصانع ولا يفيد ما قيل لأنهم كفروا بعد معرفتهم أنه كتاب الله تعالى وإقرارهم وشهادتهم إذ الكافر الموحد كيف يقال إنه أشد عذاباً من المشرك؟! أو النافي للصانع وإن كان كفره عن علم ومعرفة، وضمير (يردون) راجع إلى (مَنْ) وأوثر صيغة الجمع نظراً إلى معناها بعد ما أوثر الإفراد نظراً إلى لفظها لما أن الرد إنما يكون بالاجتماع وغير السبك حيث لم يقل مثلا ـ وأشد العذاب يوم القيامة ـ للايذان بكمال التنافي بين جزاءي النشأتين، وتقديم ـ اليوم ـ على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من أول الأمر.

وقرأ الحسن وابن هرمز باختلاف عنهما، وعاصم في رواية المفضل ـ تردون ـ على الخطاب، والجمهور على الغيبة، ووجه ذلك أن (يردون) راجع إلى من يفعل فمن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة (مَنْ) ومن قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى دخوله في (منكم) لا أن الضمير حينئذ راجع إلى (كُمْ) كما وهم.

{وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} اعتراض وتذييل لتأكيد الوعيد المستفاد مما قبله أي ـ إنه بالمرصاد لا يغفل عما تعملون من القبائح ـ التي من جملتها هذا المنكر؛ والمخاطب به من كان مخاطباً بالآية قبل، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم تعنون بهذا يا أمة محمد وبما يجري مجراه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ـ يعملون ـ بالياء على أن الضمير لمن والباقون بالتاء من فوق.