التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٧
-الأنبياء

روح المعاني

وقوله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ} جواب لما زعموه من أن الرسول لا يكون إلا ملكاً المشار إليه بقولهم { { هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } } [الأنبياء: 3] الذي بنوا عليه ما بنوا فهو متعلق بذلك وقدم عليه جواب قولهم: { { فَلْيَأْتِنَا } } [الأنبياء: 5] لأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيز فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطاله ولأن في هذا الجواب نوع بسط يخل تقديمه بتجاوب النظم الكريم، وقوله تعالى: {نُّوحِى إِلَيْهِمْ} استئناف مبين لكيفية الإرسال، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية المستمرة وحذف المفعول لعدم القصد إلى خصوصه، والمعنى ما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلا رجالاً لا ملائكة نوحي إليهم بواسطة الملك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار كما نوحي إليك من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقية مدلوله كما لا فرق بينك وبينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون أنك لست بدعاً من الرسل وإن ما أوحى إليك ليس مخالفاً لما أوحي إليهم فيقولون ما يقولون. وقال بعض الأفاضل: إن الجملة في محل النصب صفة مادحة لرجالاً وهو الذي يقتضيه النظم الجليل، وقرأ الجمهور {يُوحِى إِلَيْهِمُ} بالياء على صيغة المبني للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بتعين الفاعل.

وقوله تعالى: {فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن رتبة الاستبعاد والنكير أثر تحقيق الحق على طريقة الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الحقيق بالخطاب في أمثال تلك الحقائق الأنيقة، وأما الوقوف عليها بالسؤال من الغير فهو من وظائف العوام وأمره صلى الله عليه وسلم بالسؤال في بعض / الآيات ليس للوقوف وتحصيل العلم بالمسؤول عنه لأمر آخر، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وأهل الذكر أهل الكتاب كما روي عن الحسن وقتادة وغيرهما، وجواب الشرط محذوف ثقة بدلالة المذكور عليه أي إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أيها الجهلة أهل الكتاب الواقفين على أحوال الرسل السالفة عليهم الصلاة والسلام لتزول شبهتكم، أمروا بذلك لأن إخبار الجم الغفير يفيد العلم في مثل ذلك لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته صلى الله عليه وسلم ويشاورونهم في أمره عليه الصلاة والسلام ففيه من الدلالة على كمال وضوح الأمر وقوة شأن النبـي صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى، وعن ابن زيد أن أهل الذكر هم أهل القرآن. ورده ابن عطية بأنهم كانوا خصومهم فكيف يؤمرون بسؤالهم، ويرد ذلك على ما زعمته الإمامية من أنهم آله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم الكلام في ذلك.