التفاسير

< >
عرض

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
-آل عمران

روح المعاني

{وَكَأَيّن} كلام مبتدأ سيق توبيخاً للمنهزمين أيضاً حيث لم يستنوا بسنن الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أولى بذلك حيث كانوا خير أمة أخرجت للناس. وقد اختلف في هذه الكلمة فقيل: إنها بسيطة وضعت كذلك ابتداءاً والنون أصلية، وإليه ذهب ابن حيان وغيره، وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم، وقيل وهو المشهور: إنها مركبة من ـ أي ـ المنونة وكاف التشبيه؛ واختلف في ـ أي ـ هذه فقيل: هي أي التي في قولهم: أي الرجال، وقال ابن جني: إنها مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع وأصله أوى فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت مثل ـ طى وشى ـ وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث في كذا بعد التركيب معنى آخر ـ فكم وكأين ـ بمعنى واحد قالوا: وتشاركها في خمسة أمور: الإبهام والافتقار إلى التمييز والبناء ولزوم التصدير وإفادة التكثير وهو الغالب والاستفهام وهو نادر، ولم يثبته إلا ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك، واستدل عليه بقول أبـيّ بن كعب لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: كائن تقرأ سورة الأحزاب آية فقال: ثلاثاً وسبعين، وتخالفها في خمسة أمور أيضاً، أحدها: أنها مركبة في المشهور وكم بسيطة فيه خلافاً لمن زعم أنها مركبة من الكاف وما الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار وسكنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب، والثاني: أن مميزها مجرور بمن غالباً حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرده نص سيبويه على عدم اللزوم، ومن ذلك قوله:

اطرد اليأس بالرجاء (فكائن) ألما حم يسره بعد عسر

والثالث: أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور، والرابع: أنها لا تقع مجرورة خلافاً لابن قتيبة وابن عصفور / أجازا بكاين تبيع الثوب، والخامس: أن خبرها لا يقع مفرداً، وقالوا: إن بينها وبين ـ كذا ـ موافقة ومخالفة أيضاً فتوافقها ـ كذا ـ في أربعة أمور: التركيب والبناء والإبهام والافتقار إلى التمييز، وتخالفها في ثلاثة أمور: الأول: أنها ليس لها الصدر تقول: قبضت كذا وكذا درهما. الثاني: أن تمييزها واجب النصب فلا يجوز جره بمن اتفاقا ولا بالإضافة خلافاً للكوفيين أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوب وكذا أثواب قياساً على العدد الصريح، ولهذا قال فقهاؤهم: إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة، وبقوله: كذا دراهم ثلاثة، وبقوله: كذا كذا درهماً أحد عشر، وبقوله: كذا درهماً عشرون، وبقوله: كذا وكذا درهماً أحد وعشرون حملا على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح؛ ووافقهم على هذا التفصيل ـ غير مسألتي الإضافة ـ المبرد والأخفش والسيرافي وابن عصفور، ووهم ابن السيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه المبرد ومن ذكر معه، الثالث: أنها لا تستعمل غالباً إلا معطوفاً عليها كقوله:

عد النفس نعمي بعد بؤسك ذاكراً (كذا وكذا لطفاً به نسى الجهد)

وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهما، وذكر ابن مالك أنه مسموع لكنه قليل قاله ابن هشام، ثم إن إثبات تنوين كأين على القول المشهور في الوقف والخط على خلاف القياس لما أنه نسخ أصلها، وفيه لغات وكلها قد قرىء به: أحدها: كأين بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور، والثانية: ـ كائن ـ بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن كاعن كاسم الفاعل، وبها قرأ ابن كثير ومن ذلك قوله:

(وكائن) لنا فضلا عليكم ومنة قديماً ولا تدرون ما من منعم

واختلف في توجيهها فعن المبرد أنها اسم فاعل من كان يكون وهو بعيد الصحة إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة وصار ـ كيئن ـ بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون ووزنه كعلف، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب كما ورد في لغة نادرة رعملي بتقديم الراء في لعمرى ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها أو حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفاً كما في آية، ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفاً طائي في النسبة إلى طي اسم قبيلة فإن أصله طَيَّىءٌّ بياءين مشددتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى، والثالثة: ـ كأي ـ بياء بعد الهمزة، وبها قرأ ابن محيصن، ووجهها أنها حذفت الياء الثانية وسكنت الهمزة لاختلاط الكلمتين وجعلهما كالكلمة الواحدة كما سكنوا الهاء في لهو وفهو، وحركت الياء لسكون ما قبلها، والرابعة: ـ كيئن ـ بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة؛ والخامسة: ـ كئن ـ بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون، ووزنه كع، وورد ذلك في قوله:

(كئن) من صديق خلته صادق الإخا أبان اختباري إنه لمداهن

ووجهه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حدفت الأخرى للتنوين أو حذفتا دفعة واحدة، واحتمل ذلك لما امتزج الحرفان والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها، ومن قال به كالحوفي فقد تعسف، وموضعهما رفع بالابتداء.

وقوله تعالى: {مّن نَّبِىٍّ } تمييز له كتمييزكم، وقد تقدم آنفاً الكلام في ذلك، ولعل المراد من النبـي / هنا الرسول وبه صرح الطبرسي {قَٰتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } أي جموع كثيرة، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واستشهد له ـ كما رواه ابن الأنباري حين سأله نافع بن الأزرق ـ بقول حسان:

وإذا معشر تجافوا عن القصـ ـد (أملنا عليهم ربّيا)

وعليه فهو منسوب إلى ربة بكسر الراء وكون الضم فيها لغة غير متحقق ـ وهي الجماعة ـ للمبالغة وخصها الضحاك بألف، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضاً ـ وعليه فهو منسوب إلى الرب ـ كرباني على خلاف القياس كقراءة الضم، والموافق له الفتح ـ وبه قرىء ـ وقال ابن زيد: الرّبّيون هم الأتباع والربانيون الولاة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ـ قتل ـ بالبناء للمفعول، وفي خبر المبتدأ أوجه: أحدها: أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى كأين أو إلى نبـي وحينئذ ـ فمعه ربيون ـ جملة حالية من الضمير، أو من نبـي لتخصيصه معنى، أو معه حال وربيون فاعله. وثانيها: أنه جملة {مَعَهُ رِبّيُّونَ } فحينئذ تكون جملة الفعل ـ مع ـ مرفوعه صفة لنبـي وثالثها: أنه محذوف وتقديره مضى ونحوه، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبـي، و {مَعَهُ رِبّيُّونَ } حالاً على ما تقدم، ويجوز أن يكون الفعل مسنداً لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبـي، ورابعها: أن يكون {رِبّيُّونَ } مرفوعاً بالفعل فلا ضمير، والجملة هي الخبر.

وقرىء ـ قتل ـ بالتشديد قال ابن جني: وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في التضعيف من الدلالة على التكثير وهو ينافي إسناده إلى الواحد، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة. واعترض بأنه خلاف الظاهر، ومن هنا قيل: إن هذه القراءة تؤيد إسناد ـ قتل ـ إلى ـ الربيين ـ ويؤيدها أيضاً ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال، وقول الحسن وجماعة: لم يقتل نبي في الحرب قط ثم إن من ادعى إسناد القتل إلى النبـي وأنه في الحرب أيضاً على ما يشعر به المقام حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [غافر: 51] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه لا على الأعداء مطلقاً لئلا تتنافى الآيتان، وهذا أحد أجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها فتذكر، والتنوين في {نَّبِىٍّ } للتعظيم. وزعم الأجهوري أنه للتكثير.

{فَمَا وَهَنُواْ } عطف على قاتل على أن المراد عدم الوهن المتوقع من القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه وإن كان استمراراً عليه بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة كما قال مولانا شيخ الإسلام: صنع جديد، ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها، ومن ذلك قولهم: وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم ينزجر، وأصل الوهن الضعف، وفسره قتادة وابن أبـي مالك هنا بالعجز، والزجاج بالجبن أي فما عجزوا أو فما جبنوا {لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } في أثناء القتال وهذا علة للمنفي لا للنفي، نعم يفهم المنفي من تقييد المثبت بهذا الظرف و ـ ما ـ موصولة أو موصوفة فإن جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل، وإن جعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين ـ وهو الأنسب ـ كما قيل: بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد الشهداء ـ فهي عبارة عن ذلك أيضاً مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن، هذا على القراءة المشهورة، وأما على القراءتين الأخيرتين أعني ـ قتل وقتل ـ على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة فقد قالوا: إن أسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتماً والكلام حينئذ من قبيل ـ قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم ـ وإن أسند إلى الضمير / كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الارجاف بقتله صلى الله عليه وسلم. وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبـي إسحق والسدي ـ كما قيل ـ فهما للباقين أيضاً إن اعتبر كون الربيين مع النبـي في القتل وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال.

{وَمَا ضَعُفُواْ } أي ما فتروا عن الجهاد قاله الزجاج، وقيل: ما عراهم ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } أي ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم قاله قتادة، وقيل: ما خضعوا لعدوهم، وإليه يشير كلام ابن عباس، وكثيراً ما يستعمل استكان بهذا المعنى، وكذا بمعنى تضرع، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأن الخاضع يسكن لمن خضع له فألفه للاشباع وهو كثير وليس بخطأ خلافاً لأبـي البقاء، ولا يختص بالشعر خلافاً لأبـي حيان، أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو والسين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره، وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود. وجوز أن يكون من قول العرب: بات فلان ـ بكينة سوء ـ أي بحالة سوء، أو من ـ كانه يكينه ـ إذا أذله، وعزى ذلك إلى الأزهري وأبـي علي، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء، والجمهور على فتح الهاء من وهنوا وقرىء بكسرها وهي لغة والفتح أشهر، وقرىء بإسكانها على تخفيف المكسور وفي الكلام تعريض لا يخفى.

{وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ } على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم. والمراد بالصابرين إما الربيون، والإظهار في موضع الاضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً. والجملة على التقديرين تذييل لما قبلها.