التفاسير

< >
عرض

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٤٤

روح المعاني

وقوله تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } عطف على { ٱرْكُضْ } أو على { وَهَبْنَا } [ص: 43] بتقدير قلنا خذ بيدك الخ. والأول أقرب لفظاً وهذا أنسب معنى فإن الحاجة إلى هذا الأمر لا تمس إلا بعد الصحة واعتدال الوقت فإن امرأته رحمة بنت إفرائيم أو مشيا بن يوسف أوليا بنت يعقوب أو ماخير بنت ميشا بن يوسف على اختلاف الروايات - ولا يخفى لطف { رَحْمَةً مّنَّا } على الرواية الأولى - ذهبت لحاجة فأبطأت أو بلغت أيوب عن الشيطان أن يقول كلمة محذورة فيبرأ وأشارت عليه بذلك فقالت له إلى متى هذا البلاء كلمة واحدة ثم استغفر ربك فيغفر لك أو جاءته بزيادة على ما كانت تأتي به من الخبز فظن أنها ارتكبت في ذلك محرماً فحلف ليضربنها إن برىء مائة ضربة فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وهو الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان أو قضبان، وقيل: القبضة الكبيرة من القضبان، ومنه ضغث على إبالة والإبالة الحزمة من الحطب والضغث القبضة من الحطب أيضاً عليها، ومنه قول الشاعر:

وأسفل مني نهدة قد ربطتها وألقيت ضغثاً من خلى متطيب

وقال ابن عباس هنا: الضغث عثكال النخل، وقال مجاهد: الأثل وهو نبت له شوك، وقال الضحاك: حزمة من الحشيش مختلفة، وقال الأخفش: الشجر الرطب، وعن سعيد بن المسيب أنه عليه السلام لما أمر أخذ ضغثاً من ثمام فيه مائة عود، وقال قتادة: هو عود فيه تسعة وتسعون عوداً والأصل تمام المائة فإن كان هذا معتبراً في مفهوم الضغث ولا أظن فذاك وإلا فالكلام على إرادة المائة فكأنه قيل: خذ بيدك ضغثاً فيه مائة عود { فَٱضْرِب بّهِ } أي بذلك الضغث { وَلاَ تَحْنَثْ } بيمينك فإن البر يتحقق به ولقد شرع الله تعالى ذلك رحمة عليه وعليها لحسن خدمتها إياه ورضاه عنها وهي رخصة باقية في الحدود في شريعتنا وفي غيرها أيضاً لكن غير/ الحدود يعلم منها بالطريق الأولى فقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبـي إمامة بن سهل بن حنيف قال: حملت وليدة في بني ساعدة من زنا فقيل لها: ممن حملك؟ قالت: من فلان المقعد فسئل المقعد فقال: صدقت فرفع ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة ففعلوا، وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان أن رجلاً أصاب فاحشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض على شفا موت فأخبر أهله بما صنع فأمر النبـي صلى الله عليه وسلم بقنو فيه مائة شمراخ فضرب به ضربة واحدة، وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد أن النبـي عليه الصلاة والسلام أتي بشيخ قد ظهرت عروقه قد زنى بامرأة فضربه بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، ولا دلالة في هذه الأخبار على عموم الحكم من يطيق الجلد المتعارف لكن القائل ببقاء حكم الآية قائل بالعموم لكن شرطوا في ذلك أن يصيب المضروب كل واحدة من المائة إما بأطرافها قائمة أو بأعراضها مبسوطة على هيئة الضرب. وقال الخفاجي: إنهم شرطوا فيه الإيلام أما مع عدمه بالكلية فلا فلو ضرب بسوط واحد له شعبتان خمسين مرة من حلف على ضربه مائة بر إذا تألم فإن لم يتألم لا يبر ولو ضربه مائة لأن الضرب وضع لفعل مؤلم بالبدن بآلة التأديب، وقيل: يحنث بكل حال كما فصل في «شروح الهداية» وغيرها انتهى. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس لا يجوز ذلك لأحد بعد أيوب إلا الأنبياء عليهم السلام، وفي "أحكام القرآن العظيم" للجلال السيوطي عن مجاهد قال: كانت هذه لأيوب خاصة، وقال إلكيا: ذهب الشافعي وأبو حنيفة وزفر إلى أن من فعل ذلك فقد بر في يمينه، وخالف مالك ورآه خاصاً بأيوب عليه السلام، وقال بعضهم: إن الحكم كان عاماً ثم نسخ والصحيح بقاء الحكم.

واستدل بالآية على أن للزوج ضرب زوجته وأن يحلف ولا يستثني وعلى أن الاستثناء شرطه الاتصال إذ لو لم يشترط لأمره سبحانه وتعالى بالاستثناء ولم يحتج إلى الضرب بالضغث. واستدل عطاء بها على مسألة أخرى فأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عنه أن رجلاً قال له: إني حلفت أن لا أكسو امرأتي درعاً حتى تقف بعرفة فقال: احملها على حمار ثم اذهب فقف بها بعرفة فقال: إنما عنيت يوم عرفة فقال عطاء: أيوب حين حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة أنوى أن يضربها بالضغث إنما أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثا فيضربها به ثم قال: إنما القرآن عِبَرٌ إنما القرآن عِبَرٌ، وللبحث في ذلك مجال، وكثير من الناس استدل بها على جواز الحيل وجعلها أصلاً لصحته، وعندي أن كل حيلة أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل كحيلة سقوط الزكاة وحيلة سقوط الاستبراء وهذا كالتوسط في المسألة فإن من العلماء من يجوز الحيلة مطلقاً ومنهم من لا يجوزها مطلقاً، وقد أطال الكلام في ذلك العلامة ابن تيمية.

{ إِنَّا وَجَدْنَـٰهُ صَابِراً } فيما أصابه في النفس والأهل والمال. وقد كان عليه السلام يقول كلما أصابته مصيبة: اللهم أنت أخذت وأنت أعطيت ويحمد الله عز وجل، ولا يخل بذلك شكواه إلى الله تعالى من الشيطان لأن الصبر عدم الجزع ولا جزع فيما ذكر كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال ذلك على ما قيل خيفة الفتنة في الدين كما سمعت فيما تقدم، ويروى أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبـي ولم يتبع قلبـي بصري ولم يلهني ما ملكت يميني ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعان ولا كاسياً ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه { نِعْمَ ٱلْعَبْدُ } أي أيوب { إِنَّهُ أَوَّابٌ } تعليل لمدحه/ وتقدم معنى الأواب.