التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
٤٥
-الزمر

روح المعاني

{وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ } أي مفرداً بالذكر ولم تذكر معه آلهتهم، وقيل: أي إذا قيل لا إله إلا الله {ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } أي انقبضت ونفرت كما في قوله تعالى: { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً } [الإسراء: 46] {وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } فرادى أو مع ذكر الله عز وجل {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } لفرط افتتانهم بهم ونسيانهم حق الله تعالى. وقد بولغ في بيان حالهم القبيحة حيث بين الغاية فيهما فإن الاستبشار أن يمتلىء القلب سروراً حتى ينبسط له بشرة الوجه، والاشمئزاز أن يمتلىء غيظاً وغماً ينقبض عنه أديم الوجه كما يشاهد في وجه العابس المحزون.

و {إِذَا } الأولى: شرطية محلها النصب على الظرفية وعاملها الجواب عند الأكثرين وهو {ٱشْمَأَزَّتْ } أو الفعل الذي يليها وهو {ذُكِرَ } عند أبـي حيان وجماعة، وليست مضافة إلى الجملة التي تليها عندهم، وكذا {إِذَا } الثانية، فالعامل فيها إما {ذُكِرَ } بعدها وإما {يَسْتَبْشِرُونَ } و {إِذَا } الثالثة فجائية رابطة لجملة الجزاء بجملة الشرط كالفاء، فعلى القول بحرفيتها لا يعمل فيها شيء وعلى القول باسميتها وأنها ظرف زمان أو مكان عاملها هنا خبر المبتدأ بعدها، وقال الزمخشري: عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة تقديره فاجاؤا وقت الاستبشار فهي مفعول به، وجوز أن تكون فاعلاً على معنى فاجأهم وقت الاستبشار، وهذا الفعل المقدر هو جواب (إذا) الثانية فتتعلق به بناءً على قول الأكثرين من أن العامل في (إذا) جوابها، ولا يلزم تعلق ظرفين بعامل واحد لأن الثاني منهما ليس منصوباً على الظرفية. نعم قيل على الزمخشري: إنه لا سلف له فيما ذهب إليه، وأنت تعلم أن الرجل في العربية لا يقلد غيره. ومن العجيب قول الحوفي إن {إِذَا } الثالثة ظرفية جىء بها تكراراً لإذا قبلها وتوكيداً وقد حذف شرطها والتقدير إذا كان ذلك هم يستبشرون، ولا ينبغي أن يلتفت إليه أصلاً.

والآية في شأن المشركين مطلقاً. وأخرج ابن مردويه عن ابن / عباس أنه فسر {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } بأبـي جهل بن هشام والوليد بن عقبة وصفوان وأبـي بن خلف، وفسر {ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ } باللات والعزى وكأن ذلك تنصيص على بعض أفراد العام. وأخرج ابن المنذر وغيره عن مجاهد أن الآية حكت ما كان من المشركين يوم قرأ النبـي صلى الله عليه وسلم { وَٱلنَّجْمِ } } [النجم: 1] عند باب الكعبة، وهذا أيضاً لا ينافي العموم كما لا يخفى. وقد رأينا كثيراً من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه عز وجل وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يوماً لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني فقلت له: قل يا الله فقد قال سبحانه: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [البقرة: 186] فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء، وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله عز وجل وهذا من الكفر بمكان نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان.