التفاسير

< >
عرض

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً
١٢٧
-النساء

روح المعاني


{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى ٱلنّسَاء} أي يطلبون منك تبيين المشكل من الأحكام في النساء مما يجب لهن وعليهن مطلقاً فإنه عليه الصلاة والسلام قد سئل عن (أحكام) كثيرة مما يتعلق بهن فما بين [حكمه] فيما سلف أحيل بيانه على ما ورد في ذلك من الكتاب وما لم يبين [حكمه] بعد بين هنا، وقال غير واحد: إن المراد: يستفتونك في ميراثهن، والقرينة الدالة على ذلك سبب النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جبير قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال والمرأة التي هي كذلك فيرثان كما يرث الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بدّ، ثم قالوا: سلوا فسألوا النبـي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصبيان شيئاً كانوا يقولون لا يغزون ولا يغنمون خيراً فنزلت، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه، وإلى الأول مال شيخ الإسلام.

{قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} أي يبين لكم حكمه فيهن، والإفتاء إظهار المشكل على السائل، وفي «البحر» «يقال: أفتاه إفتاءاً وفتيا وفتوى، وأفتيت فلاناً رؤياه عبرتها له». {وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ} في {مَا} ثلاثة احتمالات: الرفع والنصب والجر، وعلى الأول: إما أن تكون مبتدأ والخبر محذوف أي ـ وما يتلى عليكم في القرآن يفتيكم ويبين لكم ـ وإيثار صيغة المضارع للإيذان بدوام التلاوة واستمرارها، وفي الكتاب متعلق ـ بيتلى ـ أو بمحذوف وقع حالاً من المستكن فيه أي يتلى كائناً في الكتاب، وإما أن تكون مبتدأ، و {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} خبره، والمراد بالكتاب حينئذٍ اللوح المحفوظ إذ لو أريد به معناه المتبادر لم يكن فيه فائدة إلا أن يتكلف له، والجملة معترضة مسوقة لبيان عظم شأن المتلو، وما يتلى / متناول لما تلى وما سيتلى، وإما أن تكون معطوفة على الضمير المستتر في {يُفْتِيكُمْ} وصح ذلك للفصل، والجمع بين الحقيقة والمجاز في المجاز العقلي سائغ شائع، فلا يرد أن الله تعالى فاعل حقيقي للفعل، والمتلو فاعل مجازي له، والإسناد إليه من قبيل الإسناد إلى السبب فلا يصح العطف، ونظير ذلك أغناني زيد وعطاؤه، وإما أن تكون معطوفة على الاسم الجليل، والإيراد أيضاً غير وارد، نعم المتبادر أن هذا العطف من عطف المفرد على المفرد، ويبعده إفراد الضمير كما لا يخفى، وعلى الثاني: تكون مفعولاً لفعل محذوف أي ويبين لكم ما يتلى، والجملة إما معطوفة على جملة {يُفْتِيكُمْ} وإما معترضة، وعلى الثالث: إما أن تكون في محل الجر على القسم المنبىء عن تعظيم المقسم به وتفخيمه كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهنّ وأقسم ـ بما يتلى عليكم في الكتاب ـ وإما أن تكون معطوفة على الضمير المجرور كما نقل عن محمد بن أبـي موسى، وما عند البصريين ليس بوحي فيجب اتباعه، نعم فيه اختلال معنوي لا يكاد يندفع، وإما أن تكون معطوفة على النساء كما نقله الطبرسي عن بعضهم، ولا يخفى ما فيه.

وقوله سبحانه: {فِى يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء} متعلق ـ بيتلى ـ في غالب الاحتمالات أي ما يتلى عليكم في شأنهن ومنعوا ذلك على تقدير كون {مَا} مبتدأ، و {فِى ٱلْكِتَـٰبِ} خبره لما يلزم عليه من الفصل بالخبر بين أجزاء الصلة، وكذا على تقدير القسم إذ لا معنى لتقييده بالمتلو بذلك ظاهراً، وجوزوا أن يكون بدلاً من {فِيهِنَّ } وأن يكون صلة أخرى ـ ليفتيكم ـ ومتى لزم تعلق حرفي جر بشيء واحد بدون اتباع يدفع بالتزام كونهما ليسا بمعنى، والممنوع تعلقهما كذلك إذا كانا بمعنى واحد، وفي الثاني هنا سببية كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن امرأة دخلت النار في هرة" فالكلام إذاً مثل جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد أي بسببه، وإضافة اليتامى إلى النساء بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وجعلها أبو حيان بمعنى اللام ومعناها الاختصاص، وادعى أنه الأظهر وليس بشيء ـ كما قال الحلبـي وغيره ـ وقرىء ـ ييامى ـ بياءين على أنه جمع أيم والعرب تبدل الهمزة ياءاً كثيراً {ٱلَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ} أي ما فرض لهن من الميراث وغيره على ما اختاره شيخ الإسلام، أو ما فرض لهن من الميراث فقط على ما روي عن ابن عباس وابن جبير ومجاهد رضي الله تعالى عنه، واختاره الطبري، أو ما وجب لهن من الصداق على ما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، واختاره الجبائي، وقيل: ما كتب لهن من النكاح فإن الأولياء كانوا يمنعوهن من التزوج. وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، والسدي، وإبراهيم.

{وَتَرْغَبُونَ} عطف على صلة {ٱللاَّتِى} أو على المنفي وحده، وجوز أن يكون حالاً من فاعل {تُؤْتُونَهُنَّ} فإن قلنا بجواز اقتران الجملة المضارعية الحالية بالواو: فظاهر، وإذا قلنا بعدم الجواز: التزم تقدير مبتدأ أي وأنتم ترغبون {أَن تَنكِحُوهُنَّ} أي؛ في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن فإن أولياء اليتامى ـ كما ورد في غير ما خبر ـ كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون مالهن، وإلا كانوا يعضلوهن طمعاً في ميراثهن، وحذف الجار هنا لا يعد لبساً بل إجمال، فكل من الحرفين مراد على سبيل البدل، واستدل بعض أصحابنا بالآية على جواز تزويج اليتيمة لأنه ذكر الرغبة في نكاحها فاقتضى جوازه، والشافعية يقولون: إنه إنما ذكر ما كانت تفعله الجاهلية على طريق الذم فلا دلالة فيها على ذلك مع أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها فعله في حال الصغر، وهذا الخلاف في غير الأب والجدّ، وأما هما فيجوز لهما تزويج الصغير بلا خلاف.

{وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدٰنِ} / عطف على {يَتَـٰمَى ٱلنّسَاء}، وكانوا لا يورثونهم كما لا يورثون النساء كما تقدّم آنفاً.

{وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَـٰمَىٰ بِٱلْقِسْطِ} عطف على ما قبله، وإن جعل في يتامى بدلاً، فالوجه النصب في هذا، و {ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ} عطفاً على محل {فِيهِنَّ} ومنعوا العطف على البدل بناءاً على أن المراد بالمستضعفين الصغار مطلقاً الذين منعوهم عن الميراث ولو ذكوراً، ولو عطف على البدل لكان بدلاً، ولا يصح فيه غير بدل الغلط وهو لا يقع في فصيح الكلام، وجوز في {أَن تَقُومُواْ} الرفع على أنه مبتدأ، والخبر محذوف أي خير ونحوه، والنصب بإضمار فعل أي ويأمركم ـ أن تقوموا ـ، وهو خطاب للأئمة أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم، أو للأولياء والأوصياء بالنصفة في حقهم {وَمَا تَفْعَلُواْ} في حقوق المذكورين {مِنْ خَيْرٍ} حسبما أمرتم به أو ما تفعلوه من خير على الإطلاق ويندرج فيه ما يتعلق بهؤلاء اندراجاً أولياً. {فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً} فيجازيكم عليه، واقتصر على ذكر الخير لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال.