التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٩٥
-الأعراف

روح المعاني

{ثُمَّ بَدَّلْنَا} عطف على { أخذنا } [الأعراف: 94] داخل في حكمه {مَكَانَ ٱلسَّيّئَةِ} التي أصابتهم لما تقدم {ٱلْحَسَنَةَ} وهي السعة والسلامة، ونصب {مَكَانَ} كما قيل على الظرفية وبدل متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أي أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة، ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها. وقال بعض المحققين: الأظهر أن (مكان) مفعول به لبدلنا لا ظرف، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة والمتروك هو الذي تصحبه الباء في نحو بدلت زيداً بعمرو {حَتَّىٰ عَفَواْ} أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم، وبذلك فسره ابن عباس وغيره من عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أحفوا الشوارب واعفوا اللحى" وقول الحطيئة:

بمستأسد القريان عاف نباته تساقطني والرحل من صوت هدهد

وقوله:

ولكنا نعض السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم

وتفسير أبـي مسلم له بالإعراض عن الشكر ليس بياناً للمعنى اللغوي كما لا يخفى، و {حَتَّىٰ} هذه الداخلة على الماضي ابتدائية لا غائية عند الجمهور، ولا محل للجملة بعدها كما نقل ذلك الجلال السيوطي في «شرح جمع الجوامع» له عن بعض مشايخه، وأما زعم ابن مالك أنها جارة غائية وأن مضمرة بعدها على تأويل المصدر فغلطه فيه أبو حيان وتبعه ابن هشام فقال: لا أعرف له في ذلك سلفاً، وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة، ولا يشكل عليه ولا على من يقول؛ إن معنى الغاية لازم لحتى ولو كانت ابتدائية أن الماضي لمضيه لا يصلح أن يكون غاية لما قبل لتأخر الغاية عن ذي الغاية لأن الفعل وإن كان ماضياً لكنه بالنسبة إلى ما صار غاية له مستقبل فافهم.

/ {وَقَالُواْ} غير واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء منه سبحانه {قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا} كما مسنا.

{ٱلضَرَّاءُ وَٱلسَّرَّاءُ} وما ذلك إلا من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ويداولهما بينهم من غير أن يكون هناك داعية إليهما أو تبعة تترتب عليهما وليس هذا كقول القائل:

ثمانية عمت بأسبابها الورى فكل امرىء لا بد يلقى الثمانية
سرور وحزن واجتماع وفرقة وعسر ويسر ثم سقم وعافية

كما لا يخفى، ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها {فَأَخَذْنَـٰهُمْ} عطف على مجموع {عَفَوْاْ وَّقَالُواْ} أو على {قَالُواْ} لأنه المسبب عنه أي فأخذناهم إثر ذلك {بَغْتَةً} أي فجأة.

{وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} بشيء من ذلك ولا يخطرون ببالهم شيئاً من المكاره، والجملة حال مؤكدة لمعنى البغتة، وهذا أشد أنواع الأخذ كما قيل: وأنكأ شيء يفجؤك البغت، وقيل: المراد بعدم الشعور عدم تصديقهم بإخبار الرسل عليهم السلام بذلك لا خلو أذهانهم عنه ولا عن وقته لقوله تعالى: { ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ } } [الأنعام: 131] ولا يخفى ما فيه من الغفلة عن معنى الغفلة وعن محل الجملة.