التفاسير

< >
عرض

فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
٣
-البينة

روح المعاني

كما أن قوله سبحانه: {فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } صفة ثانية لصحفاً أو حال من الضمير في صفتها الأولى أعني { مُّطَهَّرَةً } [البينة: 2] ويجوز أن يكون الصفة أو الحال هنا الجار والمجرور فقط و(كتب) مرتفعاً على الفاعلية وإطلاق البينة عليه عليه الصلاة والسلام على المعنى الأول ظاهر وعلى المعنى الأخير باعتبار أن أخلاقه وصفاته صلى الله عليه وسلم كانت بالغة حد الإعجاز كما قال الغزالي في «المنقذ من الضلال» وأشار إليه البوصيري بقوله:

كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم

ويعلم منه حكمة جعله عليه الصلاة والسلام يتيماً، أو باعتبار كثرة معجزاته صلى الله عليه وسلم غير ما ذكر وظهورها. وجوز أن يراد بالبينة القرآن لأنه مبين للحق أو معجز مثبت للمدعي وروي ذلك عن قتادة وابن زيد و { رَسُولٌ } [البينة: 2] عليه قيل بدل اشتمال أو بدل كل من كل أيضاً بتقدير مضاف أي بينة أو وحي أو معجز أو كتاب رسول أو هو خبر مبتدأ مقدر أي هي رسول ويقدر معه مضاف كما سمعت. وجوز أن يكون {رَسُولٌ} مبتدأ لوصفه وخبره جملة {يَتْلُواْ } الخ وجملة المبتدأ وخبره مفسرة للبينة وقيل اعتراض لمدحها وقيل صفة لها مراداً بها القرآن ويراد بالصحف المطهرة البينة وقد وضعت موضع ضميرها فكانت الرابط.

وقرأ أبـي وعبد الله (رسولاً) بالنصب على الحالية من (البينة).

والصحف جمع صحيفة وكذا الصحاف القراطيس التي يكتب فيها وأصلها المبسوط من الشيء والمراد بتطهيرها تنزيهها عن الباطل على سبيل الاستعارة المصرحة ويجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية أو تطهير من يمسها على التجوز في النسبة فكأنه قيل صحفاً لا يمسها إلا المطهرون. والمراد بالكتب المكتوبات وبالقَيِّمة المستقيمة واستقامتها نطقها بالحق وفي «التيسير» هي كتب الأنبياء عليهم السلام والقرآن مصدق لها فكأنها فيه.

ووصفه عليه الصلاة والسلام بتلاوة الصحف المذكورة - بناءً على المشهور من أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يقرأ الكتاب كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتب - من باب التجوز في النسبة إلى المفعول لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ ما فيها فكأنه قرأها وقيل على تقدير مضاف أي مثل صحف وقيل في ضمير {يَتْلُواْ} استعارة مكنية بتشبيهه عليه الصلاة والسلام لتلاوته مثل ما فيها بتاليها أو الصحف مجاز عما فيها بعلاقة الحلول ففي ضمير {فِيهَا} استخدام لعوده على الصحف بالمعنى الحقيقي. وقيل المراد بالرسول جبريل عليه السلام وبالصحف صحف الملائكة عليهم السلام المنتسخة من اللوح المحفوظ وبتطهيرها ما سبق والمراد بتلاوته عليه الصلاة والسلام إياها ظاهر وجعلها / مجازاً عن وحيه إياها غير وجيه والأولى حمل الرسول على النبـي صلى الله عليه وسلم وهو المروى عن ابن عباس ومقاتل وغيرهما.

وقد اختلفوا في المعنى المراد بالآية اختلافاً كثيراً حتى قال الواحدي في كتاب «البسيط» إنها من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً وبين ذلك بناءً على أن الكفر وصف لكل من الفريقين قبل البعثة بأن الظاهر أن المعنى لم يكن الذين كفروا من الفريقين منفكين عما هم عليه من الكفر حتى يأتيهم الرسول صلى الله عليه وسلم و{حَتَّىٰ} لانتهاء الغاية فتقتضي أنهم انفكوا عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الواقع ويناقضه قوله تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أَتَوْا ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ}.