التفاسير

< >
عرض

وَيُنْذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً
٤
مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً
٥
-الكهف

التحرير والتنوير

تعليل آخر لإنزال الكتاب على عبده، جعل تالياً لقوله: { { لينذر بأساً شديداً من لدنه } } [الكهف: 2] باعتبار أن المراد هنا إنذار مخصوص مقابل لما بَشر به المؤمنين. وهذا إنذار بجزاء خالدين فيه وهو عذاب الآخرة، فإن جَرَيْتَ على تخصيص البأس في قوله: { { بأساً شديداً } } [الكهف: 2] بعذاب الدنيا كما تقدم كان هذا الإنذار مغايراً لما قبله؛ وإن جريت على شمول البأس للعذابين كانت إعادة فعل {ينذر} تأكيدا، فكان عطفه باعتبار أن لمفعوله صفة زائدة على معنى مفعول فِعل {ينذر} السابق يُعرف بها الفريق المنذرون بكلا الإنذارين، وهو يُومىء إلى المنذرَين المحذوف في قوله: { { لينذر بأساً شديداً } } [الكهف: 2] ويغني عن ذكره. وهذه العلة أثارتها مناسبه ذكر التبشير قبلها، وقد حذف هنا المنذر به اعتماداً على مقابِلِه المبشر به.

والمراد بـ{الذين قالوا اتخذ الله ولداً} هنا المشركون الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وليس المراد به النصارى الذين قالوا بأن عيسى ابن الله تعالى، لأن القرآن المكي ما تعرض للرد على أهل الكتاب مع تأهلهم للدخول في العموم لاتحاد السبب.

والتعبير عنهم بالموصول وصلته لأنهم قد عُرفوا بهذه المقالة بين أقوامهم وبين المسلمين تشنيعاً عليهم بهذه المقالة، وإيماء إلى أنهم استحقوا ما أنذروا به لأجلها ولغيرها، فمضمون الصلة من موجبات ما أنذروا به لأن العلل تتعدد.

والولد: اسم لمن يولد من ذكر أو أنثى، يستوي فيه الواحد والجمع. وتقدم في قوله: { { قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه } } في سورة يونس (68).

وجملة {ما لهم به من علم} حال من {الذين قالوا}. والضمير المجرور بالباء عائد إلى القول المفهوم من {قالوا}.

و(من) لتوكيد النفي. وفائدة ذكر هذه الحال أنها أشنع في كفرهم وهي أن يقولوا كذباً ليست لهم فيه شبهة، فأطلق العلم على سبب العلم كما دل عليه قوله تعالى: { { ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه } } [المؤمنون:117].

وضمير {به} عائد على مصدر مأخوذ من فعل {قالوا}، أي ما لهم بذلك القول من علم.

وعطف {ولا لآبائهم} لقطع حجتهم لأنهم كانوا يقولون { { إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } } [الزخرف: 23]، فإذا لم يكن لآبائهم حجة على ما يقولون فليسوا جديرين بأن يُقلدوهم.

استئناف بالتشاؤم بذلك القول الشنيع.

ووجه فصل الجملة أنها مخالفة للتي قبلها بالإنشائية المخالفة للخبرية.

وفعل {كبرت} ــــ بضم الباء ــــ. أصله: الإخبار عن الشيء بضخامة جسمه، ويستعمل مجازاً في الشدة والقوة في وصف من الصفات المحمودة والمذمومة على وجه الاستعارة، وهو هنا مستعمل في التعجيب من كِبر هذه الكلمة في الشناعة بقرينة المقام. ودل على قصد التعجيب منها انتصاب {كلمة} على التمييز إذ لا يحتمل التمييز هنا معنى غير أنه تمييز نسبة التعجيب، ومن أجل هذا مثلوا بهذه الآية لورود فَعُل الأصلي والمحول لمعنى المدح والذم في معنى نِعم وبئس بحسب المقام.

والضمير في قوله: {كبرت} يرجع إلى الكلمة التي دل عليها التمييز.

وأطلقت الكلمة على الكلام وهو إطلاق شائع، ومنه قوله تعالى: { { إنها كلمة هو قائلها } } [المؤمنون: 100]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا اللّهَ باطل" وجملة {تخرج من أفواههم} صفة لــــ {كلمة} مقصود بها من جُرْأتِهم على النطق بها ووقاحتهم في قولها.

والتعبير بالفعل المضارع لاستحضار صورة خروجها من أفواههم تخييلاً لفظاعتها. وفيه إيماء إلى أن مثل ذلك الكلام ليس له مصدر غير الأفواه، لأنه لاستحالته تتلقاه وتنطق به أفواههم وتسمعه أسماعهم ولا تتعقله عقولهم لأن المحال لا يعتقده العقل ولكنه يتلقاه المقلد دون تأمل.

والأفواه: جمع فَم وهو بوزن أفعال، لأن أصل فم فَوَه بفتحتين بوزن جَمل، أو فيهٍ بوزن ريح، فحذفت الهاء من آخره لثقلها مع قلة حروف الكلمة بحيث لا يجد الناطق حرفاً يعتمد عليه لسانه، ولأن ما قبلها حرف ثقيل وهو الواو المتحركة فلما بقيت الكلمة مختومة بواو متحركة أبدلت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار «فاً» ولا يكون اسم على حرفين أحدهما تنوين، فأبدلت الألف المنونة بحرف صحيح وهو الميم لأنها تشابه الواو التي هي الأصل في الكلمة لأنهما شفهيتان فصار «فم»، ولما جمعوه ردوه إلى أصله.

وجملة {إن يقولون إلا كذباً} مؤكدة لمضمون جملة {تخرج من أفواههم} لأن الشيء الذي تنطق به الألسن ولا تحقق له في الخارج ونفسسِ الأمر هو الكذب، أي تخرج من أفواههم خروج الكذب، فما قولهم ذلك إلا كذب، أي ليست له صفة إلا صفة الكذب.

هذا إذا جعل القول المأخوذ من {يقولون} خصوص قولهم: { { اتخذ الله ولداً } } [الكهف: 4]. ولك أن تحمل {يقولون} على العموم في سياق النفي، أي لا يصدر منهم قول إلا الكذب، فيكون قصراً إضافياً، أي ما يقولونه في القرآن والإسلام، أو ما يقولونه من معتقداتهم المخالف لما جاء به الإسلام فتكون جملة إن {يقولون} تذييلاً.