التفاسير

< >
عرض

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً
٥١
فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً
٥٢
-الفرقان

التحرير والتنوير

جُملة اعتراض بين ذكر دلائل تفرد الله بالخَلق وذكر منّته على الخَلق. ومناسبة موقع هذه الجملة وتفريعِها بموقع الآية التي قبلها خفيَّة. وقال ابن عطية في قوله {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً}: اقتضاب يدل عليه ما ذكر. تقديره: ولكنّا أفردناك بالنذارة وحمَّلْناك {فلا تطع الكافرين} اهــــ.

فإن كان عنى بقوله: اقتضابٌ، معنى الاقتضاب الاصطلاحي بين علماء الأدب والبيان، وهو عدم مراعاة المناسبة بين الكلام المنتقَل منه والكلام المنتقَل إليه، كان عدولاً عن التزام تطلب المناسبة بين هذه الآية والآية التي قبلها، وليس الخلوّ عن المناسبة ببِدْع فقد قال صاحب «تلخيص المفتاح» «وقد يُنقل منه (أي مما شبِّب به الكلام) إلى ما لا يلائمه (أي لا يناسب المنتقل منه) ويسمى الاقتضابَ وهو مذهب العرب ومن يليهم من المُخَضْرمين» الخ. وإذا كان ابن عطية عنى بالاقتضاب معنى القطع (أي الحذف من الكلام) أي إيجاز الحذف كما يشعر به قوله «يدل عليه ما ذُكر تقديره إلخ»، كأن لم يعرج على اتصال هذه الآية بالتي قبلها.

وفي «الكشاف»: «ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نِذارة جميع القرى ولبعثنا في كل قرية نبيئاً يُنذرها، وإنما قصرْنا الأمر عليك وعظَّمناك على سائر الرسل (أي بعموم الدعوة) فقابِل ذلك بالتصبر» اهــــ. وقد قال الطِّيبي: «ومدار السورة على كونه صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الناس كافة ولذلك افتتحت بما يُثبت عموم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس بقوله تعالى: { لِيكونَ للعالمين نذيراً } [الفرقان: 1].

وليس في كلام «الكشاف» والطيبي إلاّ بيانُ مناسبة الآية لِمهمّ أغراض السورة دون بيان مناسبتها للتي قبلها.

والذي أختاره أن هذه الآية متصلة بقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملةً واحدة } [الفرقان: 32] الآية، فبعد أن بيّن إبطال طعنهم فقال: { كذلك لِنُثَبِّتَ به فؤادك } [الفرقان: 32] انتقل إلى تنظير القرآن بالكتاب الذي أوتيه موسى عليه السلام وكيف استأصل الله من كذبوه، ثم استطرد بذكر أمم كذبوا رسلهم، ثم انتقل إلى استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم وأشار إلى تحَرج النبي صلى الله عليه وسلم من إعراض قومه عن دعوته بقوله: { أرأيت مَن اتخذ إلههُ هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً } [الفرقان: 43].

وتسلسل الكلام بضرب المَثَل بمَدّ الظل وقبضِه، وبحال اللّيل والنّهار، وبإرسال الرياح، أمارة على رحمة غيثه الذي تحيا به الموات حتى انتهى إلى قوله: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} ويؤيد ما ذكرنا اشتمال التفريع على ضمير القرآن في قوله {وجاهدهم به}.

ومما يزيد هذه الآية اتصالاً بقوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة } [الفرقان: 32] أن في بعث نذير إلى كل قرية ما هو أشدّ من تنزيل القرآن مُجَزَّأً؛ فلو بعَث الله في كل قرية نذيراً لقال الذين كفروا: لولا أرسل رسولٌ واحد إلى الناس جميعاً فإن مطاعنهم لا تقف عند حد كما قال تعالى: { ولو جعلناه قرآنا أعجمياً لقالوا لولا فُصِّلت آياتُه أأعجمي وعَربي } في سورة حم فصلت (44).

وتفريع {فلا تطع الكافرين} على جملة {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً} لأنها تتضمن أنه مرسل إلى المشركين من أهل مكة وهم يطلبون منه الكف عن دعوتهم وعن تنقُّص أصنامهم.

والنهي مستعمل في التحذير والتذكير، وفعل {تطع} في سياق النهي يفيد عموم التحذير من أدنى طاعة.

والطاعة: عمل المرء بما يُطلب منه، أي فلا تَهِن في الدعوة رعياً لرغبتهم أن تلين لهم.

وبعد أن حذره من الوهن في الدعوة أمره بالحرص والمبالغة فيها. وعبر عن ذلك بالجهاد وهو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة. وصيغة المفاعلة فيه ليفيد مقابلة مجهودهم بمجهوده فلا يهن ولا يضعف ولذلك وصف بالجهاد الكبير، أي الجامع لكل مجاهدة.

وضمير {به} عائد إلى غير مذكور: فإما أن يعود إلى القرآن لأنه مفهوم من مقام النِّذارة، وإما أن يعود إلى المفهوم من «لا تطع» وهو الثبات على دعوَته بأن يعصيهم، فإن النهي عن الشيء أمرٌ بضده كما دل عليه قول أبي حيّة النميري:

فقُلن لها سِرّاً فدينَاكِ لا يرحْصحيحاً وإنْ لم تقتلِيه فألمم

فقابل قوله: «لا يرح صحيحاً» بقوله: «وإن لم تقتليه فألمم» كأنه قال: فديناك فاقتليه.

والمعنى: قاومهم بصبرك. وكِبر الجهاد تكريره والعزم فيه وشدّة ما يلقاه في ذلك من المشقة. "وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه عند قفوله من بعض غزواته رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ ــــ قال: مُجاهدة العبد هَواه" . رواه البيهقي بسند ضعيف.