التفاسير

< >
عرض

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً
٣٨
ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ ٱللَّهَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً
٣٩
-الأحزاب

التحرير والتنوير

استئناف لزيادة بيان مساواة النبي صلى الله عليه وسلم للأمة في إباحة تزوج مطلقة دعيّه وبيان أن ذلك لا يخل بصفة النبوة لأن تناول المباحات من سنة الأنبياء، قال تعالى: { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً } [المؤمنون: 51]، وأن النبي إذا رام الانتفاع بمباح لميل نفسه إليه ينبغي له أن يتناوله لئلا يجاهد نفسه فيما لم يؤمر بمجاهدة النفس فيه، لأن الأليق به أن يستبقي عزيمته ومجاهدته لدفع ما أمر بتجنبه.

وفي هذا الاستئناف ابتداء لنقض أقوال المنافقين أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة ابنه.

ومعنى: {فرض الله له} قدّره، إذْ أَذِنَه بفعله. وتعدية فعل {فرض} باللام تدل على هذا المعنى بخلاف تعديته بحرف (على) كقوله: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم } [الأحزاب: 50].

والسُّنَّة: السيرة من عمل أو خُلق يلازمه صاحبه. ومضى القول في هل السنة اسم جامد أو اسم مصدر عند قوله تعالى: { قد خلت من قبلكم سنن } في سورة آل عمران (137)، وعلى الأول فانتصاب {سنة الله} هنا على أنه اسم وضع في موضع المصدر لدلالته على معنى فعل ومصدر. قال في «الكشاف» كقولهم: تُرباً وجندَلاً، أي في الدعاء، أي تَرب تُرباً. وأصله: تُرْب له وجندَلٌ له. وجاء على مراعاة الأصل قول المعري:

تمنتْ قُوَيْقاً والسراة حِيالهاتُرَابٌ لها من أَينق وجِمال

ساقه مساق التعجب المشوب بغضب.

وعلى الثاني فانتصاب {سنة} على المفعول المطلق، وعلى كلا الوجهين فالفعل مقدّر دل عليه المصدر أو نائبه. فالتقدير: سَنّ الله سنته في الذين خلوا من قبل.

والمعنى: أن محمداً صلى الله عليه وسلم متَّبع سُنَّة الأنبياء الذين سبقوه اتباعاً لما فرض الله له كما فرض لهم، أي أباح.

والمراد بــــ{الذين خلوا}: الأنبياء بقرينة سياق لفظ النبي، أي الذين خلوا من قبل النبوة، وقد زاده بياناً قوله: {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه}، فالأنبياء كانوا متزوجين وكان لكثير منهم عدة أزواج، وكان بعض أزواجهم أحب إليهم من بعضهن.

فإن وقفنا عند ما جاء في هذه الآية وما بيّنته الآثار الصحيحة فالعبرة بأحوال جميع الأنبياء.

وإن تلقَّيْنا بشيء من الإغضاء بعضَ الآثار الضعيفة التي أُلصِقت بقصة تزوج زينب كان داود عليه السلام عبرة بالخصوص فقد كانت له زوجات كثيرات وكان قد أحب أن يتزوج زَوجة (أوريا) وهي التي ضرب الله لها مثلاً بالخصم الذين تسَوّرُوا المحراب وتشاكوا بين يديه. وستأتي في سورة ص، وقد ذكرت القصة في «سفر الملوك». ومحلّ التمثيل بداود في أصل انصراف رغبته إلى امرأة لم تكن حلالاً له فصارت حلالاً له، وليس محلّ التمثيل فيما حَفّ بقصة داود من لوم الله إياه على ذلك كما قال: { وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه } [ص: 24] الآية لأن ذلك منتفٍ في قصة تزوّج زينب.

وجملة {وكان أمر الله قدراً مقدوراً} معترضة بين الموصوف والصفة إن كانت جملة {الذين يبلغون} صفة لـــ{الذين خلوا من قبل}، أو تذييل مثل جملة { وكان أمر الله مفعولا } [الأحزاب: 37] إن كانت جملة {الذين يبلغون} مستأنفة كما سيأتي، والقول فيه مثل نظيره المتقدم آنفاً.

والقَدَر بفتح الدال: إيجاد الأشياء على صفة مقصودة وهو مشتق من القَدْر بسكون الدال وهو الكمية المحددة المضبوطة، وتقدم في قوله تعالى: { فسالت أودية بقدرها } في سورة الرعد (17) وقوله: { وما ننزله إلا بقدر معلوم } في سورة الحجر (21). ولما كان من لوازم هذا المعنى أن يكون مضبوطاً محكماً كثرت الكناية بالقدَر عن الإِتقان والصدور عن العلم. ومنه حديث: "كل شيء بقضاء وقَدر"، أي من الله.

واصطلح علماء الكلام: أن القدَر اسم للإِرادة الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه، ويطلقونه على الشيء الذي تعلق به القدَر وهو المقدور كما في هذه الآية، فالمعنى: وكان أمر الله مُقَدَّراً على حكمة أرادها الله تعالى من ذلك الأمر، فالله لما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام بتزوج زينب التي فارقها زيد كان عالماً بأن ذلك لائق برسوله عليه الصلاة والسلام كما قدر لأسلافه من الأنبياء.

وفي قوله: {الذين يبلغون} جيء بالموصول دون اسم الإشارة أو الضمير لما في هذه الصلة من إيماء إلى انتفاء الحرج عن الأنبياء في تناول المباح بأن الله أراد منهم تبليغ الرسالة وخشية الله بتجنب ما نهى عنه ولم يكلفهم إشقاق نفوسهم بترك الطيبات التي يريدونها، ولا حجب وجدانهم عن إدراك الأشياء على ما هي عليه من حُسْن الحَسَن وقُبْح القَبيح، ولا عن انصراف الرغبة إلى تناول ما حَسُن لديهم إذا كان ذلك في حدود الإِباحة، ولا كلّفهم مراعاة ميول الناس ومصطلحاتهم وعوائدهم الراجعة إلى الحيدة بالأمور عن مناهجها فإن في تناولهم رغباتهم المباحة عوناً لهم على النشاط في تبليغ رسالات الله، ولذلك عقب بقوله: {ولا يخشون أحداً إلا الله}، أي لا يخشون أحداً خشية تقتضي فعل شيء أو تركه.

ثم إن جملة {الذين يبلغون} إلى آخرها يجوز أن تكون في موضع الصفة للذين خلوا من قبل، أي الأنبياء. وإذ قد علم أن النبي صلى الله عليه وسلم متبع ما أذِن الله له اتباعه من سُنّة الأنبياء قبله عُلم أنه متصف بمضمون جملة {الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله} بحكم قياس المساواة، فعلم أن الخشية التي في قوله: { وتخشى الناس } [الأحزاب: 37] ليست خشية خَوف توجب ترك ما يكرهه الناس أو فعلَ ما يرغبونه بحيث يكون الناس محتسبين على النبي عليه الصلاة والسلام ولكنها توَقُّع أن يصدر من الناس وهم المنافقون ما يكرهه النبي عليه الصلاة والسلام ويدل لذلك قوله: {وكفى بالله حسيباً}، أي الله حسيب الأنبياء لا غيره.

هذا هو الوجه في سياق تفسير هذه الآيات، فلا تسلك في معنى الآية مسلكاً يفضي بك إلى توهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حصلت منه خشية الناس وأن الله عرّض به في قوله: {ولا يخشون أحداً إلا الله} تصريحاً بعد أن عرّض به تلميحاً في قوله: { وتخشى الناس } [الأحزاب: 37] بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يكترث بهم وأقدم على تزوج زينب، فكل ذلك قبل نزول هذه الآيات التي ما نزلت إلا بعد تزوج زينب كما هو صريح قوله: { زوّجناكها } [الأحزاب: 37] ولم يتأخر إلى نزول هذه الآية.

وإظهار اسم الجلالة في مقام الإضمار في قوله: {وكفى بالله حسيباً} حيث تقدم ذكره لقصد أن تكون هذه الجملة جارية مجرى المثل والحِكمة.

وإذ قد كان هذا وصف الأنبياء فليس في الآية مجال للاستدراك عليها بمسألة التقية في قوله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقاة } [آل عمران: 28].