التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ
٦١
وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
٦٢
لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
٦٣
-المائدة

التحرير والتنوير

عطف {وإذا جاؤوكم} على قوله: { وإذا ناديتم إلى الصّلاة اتّخذوها هزؤاً } [المائدة: 58] الآية، وخصّ بهذه الصّفات المنافقون من اليهود من جملة الّذين اتّخذوا الدّين هزوءاً ولعباً، فاستُكمِل بذلك التّحذيرُ ممّن هذه صفتهم المعلنين منهم والمنافقين. ولا يصحّ عطفه على صفات أهل الكتاب في قوله: { وجَعَلَ منهم القردة } [المائدة: 60] لعدم استقامة المعنى، وبذلك يستغني عن تكلّف وجه لهذا العطف.

ومعنى قوله: {وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به} أنّ الإيمان لم يخالط قلوبهم طَرْفَةَ عين، أي هم دخلوا كافرين وخرجوا كذلك، لشدّة قسوة قلوبهم، فالمقصود استغراق الزمنين وما بينهما، لأنّ ذلك هو المتعارف، إذ الحالة إذا تبدّلت استمرّ تبدّلها، ففي ذلك تسجيل الكذب في قولهم: آمنّا، والعرب تقول: خرج بغير الوَجه الذي دخل به.

والرؤية في قوله: {وترى} بصرية، أي أنّ حالهم في ذلك بحيث لا يخفى على أحد. والخطاب لكّل من يسمع.

وتقدّم معنى {يسارعون} عند قوله: { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [النساء: 41].

والإثم: المفاسد من قولٍ وعملٍ، أريد به هنا الكذب، كما دلّ عليه قوله: {عن قولهم الإثم}. والعدوانُ: الظلم، والمراد به الاعتداء علي المسلمين إن استطاعوه.

والسحت تقدّم في قوله: { سمّاعون للكذب أكّالون للسحت } [المائدة: 42].

و{لولا} تحْضيض أريد منه التّوبيخ.

و{الربّانيون والأحبار} تقدّم بيان معناهما في قوله تعالى: { يحكم بها النبيئون } [المائدة: 44] الآية.

واقتصر في توبيخ الربّانيين على ترك نهيهم عن قول الإثم وأكللِ السحت، ولم يذكر العُدوان إيماء إلى أنّ العدوان يزجرهم عنه المسلمون ولا يلتجئون في زجرهم إلى غيرهم، لأنّ الاعتماد في النصرة على غير المجني عليه، ضعف.

وجملة {لبئس ما كانوا يصنعون} مستأنفة، ذمّ لصنيع الربّانيين والأحبار في سكوتهم عن تغيير المنكر، و{يصنعون} بمعنى يعْلمون، وإنّما خولف هنا ما تقدّم فيّ الآية قبلها للتّفنن، وقيل: لأنّ {يصنعون} أدلّ على التمكّن في العمل من {يعملون}.

واللام للقسم.