التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
٨
-المجادلة

التحرير والتنوير

{أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ}.

إن كانت هذه الآية والآيتان اللتان بعدها نزلت مع الآية التي قبلها حسبما يقتضيه ظاهر ترتيب التلاوة كان قوله تعالى: {نهوا عن النجوى} مؤذناً بأنه سبق نهي عن النجوى قبل نزول هذه الآيات، وهو ظاهر قول مجاهد وقتادة: نزلت في قوم من اليهود والمنافقين نهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التناجي بحضرة المؤمنين فلم ينتهوا، فنزلت، فتكون الآيات الأربع نزلت لتوبيخهم وهو ما اعتمدناه آنفاً.

وإن كانت نزلت بعد الآية التي قبلها بفترة كان المراد النهي الذي أشار إليه قوله تعالى: { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } [المجادلة: 7] كما تقدم، بأن لم ينتهوا عن النجوى بعد أن سمعوا الوعيد عليها بقوله تعالى: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}، فالمراد بـ{الذين نهوا عن النجوى} هم الذين عنوا بقوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } [المجادلة: 7] الآية.

و{ثم} في قوله: {ثم يعودون} للتراخي الرتبي لأن عودتهم إلى النجوى بعد أن نهوا عنها أعظم من ابتداء النجوى لأن ابتداءها كان إثماً لما اشتملت عليه نجواهم من نوايا سيّئة نحو النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، فأما عودتهم إلى النجوى بعد أن نُهوا عنها فقد زادوا به تمرداً على النبي صلى الله عليه وسلم ومشاقّة للمسلمين.

فالجملة مُستأنفة استئنافاً ابتدائياً اقتضاه استمرار المنافقين على نجواهم.

والاستفهام في قوله: {ألم ترَ إلى الذين نُهُوا عن النجوى} تَعجِيبي مراد به توبيخهم حين يسمعونه.

والرؤية بصرية بقرينة تعديتها بحرف {إلى}.

والتعريف في {النجوى} تعريف العهد لأن سياق الكلام في نوع خاص من النجوى. وهي النجوى التي تحزن الذين آمنوا كما ينبىء عنه قوله تعالى: { إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا } [المجادلة: 10].

ويجوز أن يكون النهي عن جنس النجوى في أول الأمر يعمّ كل نجوى بمرأى من الناس سَدًّا للذريعة، قال الباجي في «المنتقى»: روي أن النهي عن تناجي اثنين أو أكثر دون واحد أنه كان في بَدء الإِسلام، فلما فشا الإِسلام وآمن الناس زال هذا الحكم لزوال سببه.

قال ابن العربي في «أحكام القرآن» عند قوله تعالى: { لا خير في كثير من نجواهم } الآية [114] في سورة النساء: إن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإِخلاص وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه، والثاني: النصيحة لكتاب الله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فالنجوى خلاف هذين الأصلين وبعدَ هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم ويَخُص به بعضهم بعضاً فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف والصدقة وإصلاح ذات البين اهـ.

وفي الموطأ حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد" . زاد في رواية مسلم "إلا بإذنه فإن ذلك يُحزنه" .

واختلف في محمل هذا النهي على التحريم أو على الكراهة، وجمهور المالكية على أنه للتحريم، قال ابن العربي في «القبس»: فإن كان قوله مخافة أن يُحزنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم فقد انحسم التأويل، وإن كان من قول الراوي فهو أولى من تأويل غيره. وقال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يتناجى أربعة دون واحد. وأما تناجي الجماعة دون جماعة فإنه أيضاً مكروه أو محرم اهـ. وحكى النّووي الإِجماع على جواز تناجي جماعة دون جماعة واحتج له ابن التِّين بحديث ابن مسعود قال: فأتيته (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) وهو في ملأٍ فساررته. وحديثُ عائِشة في قصة فاطمة دالّ على الجواز.

وقال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما.

وأُلْحِقَ بالتناجي أن يتكلم رجلان بلغة لا يعرفها ثالث معهما.

والقول في استعمال {ثم يعودون لما نهوا عنه} في معناه المجازي وتعديته باللام نظير القول في قوله تعالى: { ثم يعودون لما قالوا } [المجادلة: 3].

وكذلك القول في موقع {ثم} عاطفة الجملة.

وصيغة المضارع في {يعودون} دالة على التجدد، أي يكررون العدد بحيث يريدون بذلك العصيان وقلة الاكتراث بالنهي فإنهم لو عادوا إلى النجوى مرة أو مرتين لاحتمل حالهم أنهم نسوا.

و «ما نهوا عنه» هو النجوى، فعدل عن الإِتيان بضمير النجوى إلى الموصول وصلته لما تؤذن به الصلة من التعليل لما بعدها من الوعيد بقوله: {حسبهم جَهنم} على ما في الصلة من التسجيل على سفههم.

وقرأ الجمهور {يتناجون} بصيغة التفاعل من نَاجى المزيد. وقرأه حمزة ورويس ويعقوب و"يَنْتَجُون" بصيغة الإِفتعال من نَجا الثلاثي المجرد أي سَارَّ غيره، والافتعال يَرِد بمعنى المفاعلة مثل اختصموا واقتتلوا.

والإِثم: المعصية وهو ما يشتمل عليه تناجيهم من كلام الكفر وذم المسلمين.

و{العدوان} بضم العين: الظلم وهو ما يدبرونه من الكيد للمسلمين.

ومعصيةُ الرسول مخالفة ما يأمرهم به ومن جملة ذلك أنه نهاهم عن النجوى وهم يعودون لها.

والياء للملابسة، أي يتناجون ملابسين الإِثم والعدوان ومعصية الرسول وهذه الملابسة متفاوتة. فملابسة الإِثم والعدوان ملابسة المتناجَى في شأنه لفعل المناجين. وملابسة معصية الرسول صلى الله عليه وسلم ملابسة المقارنة للفعل، لأن نجواهم بعد أن نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عنها معصية وفي قوله: {نهوا عن النجوى} وقوله: {ومعصيت الرسول} دلالة على أنهم منافقون لا يهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينهَى اليهود عن أحوالهم. وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود وهو قول مجاهد وقتادة، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عباس أنها نزلت في المنافقين. {وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِىۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}.

بعد أن ذكر حالهم في اختلاء بعضهم ببعض ذكر حال نياتهم الخبيثة عند الحضور في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم يتتبعون سوء نياتهم من كلمات يتبادر منها للسامعين أنها صالحة فكانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم يخفتون لفظ «السلام عليكم» لأنه شعار الإِسلام ولما فيه من جمع معنى السلامة يَعدلون عن ذلك ويقولون: أَنْعِم صباحاً، وهي تحية العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية. نقله ابن عطية عن ابن عباس.

فمعنى {بما لم يحيك به الله}، بغير لفظ السلام، فإن الله حيّاه بذلك بخصوصه في قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً } [الأحزاب: 56]. وحيّاه به في عموم الأنبياء بقوله: { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } [النمل: 59] وتحية الله هي التحية الكاملة.

وليس المراد من هذه الآية ما ورد في حديث: أن اليهود كانوا إذا حيّوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: السّامّ عليك، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد عليهم بقوله: «وعليكم». فإن ذلك وارد في قوم معروف أنهم من اليهود. وما ذكر أول هذه الآية لا يليق حمله على أحوال اليهود كما علمت آنفاً ولو حمل ضمير {جاءوك} على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر.

أما هذه الآية ففي أحوال المنافقين، وهذا مثل ما كان بعضهم يقول للنبي صلى الله عليه وسلم { رَاعِنا } [البقرة: 104] تعلّموها من اليهود وهم يريدون التوجيه بالرعونة فأنزل الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم } [البقرة: 104] ولم يُرد منه نهي اليهود.

ومعنى {يقولون في أنفسهم} يقول بعضهم لبعض على نحو قوله تعالى: { فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفسكم } [النور: 61]. وقوله: { ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً } [النور: 12]، أي ظن بعضهم ببعض خيراً، أي يقول بعضهم لبعض.

ويجوز أن يكون المراد بـ {أنفسهم} مجامعهم كقوله تعالى: { وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً } [النساء: 63]، أي قل لهم خالياً بهم ستراً عليهم من الافتضاح. وتقدم في سورة النساء [63] و{لولا} للتحضيض، أي هلا يعذبنا الله بسبب كلامنا الذي نتناجى به من ذم النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، أي يقولون ما معناه لو كان محمد نبيئاً لعذبنا الله بما نقوله من السوء فيه ومن الذم وهو ما لخصه الله من قولهم بكلمهِ {لولا يعذبنا الله} فإن {لولا} للتحْضيض مستعملة كناية عن جحد نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم أي لو كان نبيئاً لغضب الله علينا فلعذبنا الآن بسبب قولنا له.

وهذا خاطر من خواطر أهل الضلالة المتأصلة فيهم، وهي توهمهم أن شأن الله تعالى كشأن البشر في إسراع الانتقام والاهتزاز مما لا يرضاه ومن المعاندة. وفي الحديث: "لا أحد أصبر على أذىً يسمعه من الله، يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم على أنهم لجحودهم بالبعث والجزاء يحسبون أن عقاب الله تعالى يظهر في الدنيا" . وهذا من الغرور قال تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين } [فصلت: 23]، ولذلك قال تعالى رداً على كلامهم {حسبهم جهنم} أي كافيهم من العذاب جهنم فإنه عذاب.

وأصل {يَصْلَونَها} يصْلَون بها، فضمّن معنى يذوقونها أو يحسونها وقد تكرر هذا الاستعمال في القرآن.

وقوله: {فبئس المصير} تفريع على الوعيد بشأن ذم جهنم.