التفاسير

< >
عرض

كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ
٣٢
وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
٣٣
وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ
٣٤
إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ
٣٥
نَذِيراً لِّلْبَشَرِ
٣٦
لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
٣٧
-المدثر

التحرير والتنوير

{كلاّ}.

{كلاَّ} حرف ردع وإبطال. والغالب أن يقع بعد كلام من متكلم واحد أوْ من متكلم وسامعٍ مثل قوله تعالى: { قال أصحاب موسى إنا لمُدْرَكون قال كلا إن معي ربي سيهدين } [الشعراء: 61، 62] فيفيد الردع عما تضمنه الكلام المحكي قبله. ومنه قوله تعالى: { كلا سنكتب ما يقول } في سورة مريم (79)، ويجوز تقديمه على الكلام إذا أريد التعجيلُ بالردع والتشويقُ إلى سماع ما بعده، وهو هنا محتمل لأن يكون إبطالاً لما قبله من قولهم: فإذا أراد الله بهذا مثلاً، فيكون ما بينهما اعتراضاً ويكون قوله {والقمرِ} ابتداء كلام فيحسن الوقف على {كلاّ}. ويحتمل أن يكون حرف إبطال مقدماً على الكلام الذي بعده من قوله: {إنها لإِحدى الكبر نذيراً للبشر} تقديم اهتمام لإِبطال ما يجيء بعده من مضمون قوله: {نذيراً للبشر،}أي من حقهم أن ينتذروا بها فلم ينتذر أكثرهم على نحو معنى قوله: { وأنَّى له الذكرى } [الفجر: 23] فيحسن أن توصل في القراءة بما بعدها.

{وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَٱلصُّبْحِ إِذَآ أَسْفَرَ إِنَّهَا لإِحْدَى ٱلْكُبَرِ نَذِيراً لِّلْبَشَرِ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ}

الواو المفتتح بها هذه الجملة واو القسم، وهذا القسم يجوز أن يكون تذييلاً لما قبله مؤكِّداً لما أفادته {كَلاّ} من الإِنكار والإِبطال لمقالتهم في شأن عدة خزنة النار، فتكون جملة {إِنها لإِحدى الكبر}تعليلاً للإِنكار الذي أفادته {كَلاّ} ويكون ضمير {إنها} عائداً إلى { سقَر } [المدثر: 26]، أي هي جديرة بأن يتذكر بها فلذلك كان من لم يتذكر بها حقيقاً بالإِنكار عليه وردعه.

وجملة القسم على هذا الوجه معترضة بين الجملة وتعليلها، ويحتمل أن يكون القسم صدراً للكلام الذي بعده وجملة {إنها لإِحدى الكبر} جواب القسم والضمير راجع إلى {سقَر}، أي أن سقر لأعظم الأهوال، فلا تجزي في معاد ضمير {إنها} جميع الاحتمالات التي جرت في ضمير { وما هي إلاّ ذكرى } [المدثر: 31].

وهذه ثلاثة أيمان لزيادة التأكيد فإن التأكيد اللفظي إذا أكد بالتكرار يكرر ثلاث مرات غالباً، أقسم بمخلوق عظيم، وبحالين عظيمين من آثار قدرة الله تعالى.

ومناسبة القَسَم بـ {القمر والليل إذ أدبر والصبحُ إذا أسفر} أن هذه الثلاثة تظهر بها أنوار في خلال الظلام فناسبت حالي الهدى والضلال من قوله: { كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } [المدثر: 31] ومن قوله: { وما هي إلاّ ذكرى للبشر } [المدثر: 31] ففي هذا القسَم تلويح إلى تمثيل حال الفريقين من الناس عند نزول القرآن بحال اختراق النور في الظلمة.

وإدبار الليل: اقتراب تقضيه عند الفجر، وإسفار الصبح: ابتداء ظهور ضوء الفجر.

وكل من {إذْ} و {إذَا} واقعان اسمي زمان منتصبان على الحال من الليل ومن الصبح، أي أُقسم به في هذه الحالة العجيبة الدالة على النظام المحكم المتشابه لمحو الله ظلمات الكفر بنور الإِسلام قال تعالى: { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } [إبراهيم: 1].

وقد أجريت جملة {إنها لإِحدى الكبر} مجرى المثل.

ومعنى {إحدى} أنها المتوحدة المتميزة من بين الكُبر في العظم لا نظيرة لها كما يقال: هو أحدَ الرجال لا يراد: أنه واحد منهم، بل يراد: أنه متوحد فيهم بارز ظاهر، كما تقدم في قوله: { ذرني ومن خلقت وحيداً } [المدثر: 11]، وفي المثل «هذه إحدى حُظَيَّات لقمان».

وقرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب وخلف {إذْ أدبر} بسكون ذال {إذ} وبفتح همزة {أدبر} وإسكان داله، أقسم بالليل في حالة إدباره التي مضت وهي حالة متجددة تَمضي وتَحْضُر وتُستْقبَل، فأي زمن اعتبر معها فهي حقيقة بأن يُقسم بكونها فيه، ولذلك أقسم بالصبح إذَا أسفر مع اسم الزمن المستقبل. وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم والكسائيّ وأبو جعفر "إِذَا دَبَر" بفتح الذال المعجمة من (إذا) بعدها ألف، وبفتح الدّال المهملة من دَبَر على أنه فعل مضي مجرد، يقال: دَبَر، بمعنى: أدبر، ومنه وصفه بالدّابر في قولهم: أمسِ الدّابرِ، كما يقال: قبل بمعنَى أقبل، فيكون القسم بالحالة المستقبلة من إدبار الليل بعد نزول الآية، على وزان {إذَا أسفر} في قراءة الجميع، وكل ذلك مستقيم فقد حصل في قراءة نافع وموافقيه تفنن في القسم.

و {الكُبَر}: جمع الكبرى في نوعها، جمعوه هذا الجمع على غير قياسِ بابه لأن فُعْلى حقها أن تجمع جمع سلامة على كبريات، وأما بنية فُعل فإنها جمع تكسير لفُعْلة كغُرفة وغُرف، لكنهم حملوا المؤنث بالألف على المؤنث بالهاء لأنهم تأولوه بمنزلة اسم للمصيبة العظيمة ولم يعتبروه الخصلة الموصوفة بالكِبر، أي أُنثى الأكبر فلذلك جعلوا ألف التأنيث التي فيه بمنزلة هاء التأنيث فجمعوه كجمع المؤنث بالهاء من وزن فعلة ولم يفعلوا ذلك في إخواته مثل عظمى.

وانتصب {نذيراً} على الحال من ضمير {إِنها}، أي إنها لعُظمَى العظائم في حال إنذارها للبشر وكفى بها نذيراً.

والنذير: المُنذر، وأصله وصف بالمصدر لأن {نذيراً} جاء في المصادر كما جاء النكير، والمصدر إذا وصف به أو أخبر به يلزم الإِفرادَ والتذكيرَ، وقد كثر الوصف بـ (النذير) حتى صار بمنزلة الاسم للمُنذر.

وقوله: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} بدل مفصل من مجمل من قوله {للبشر}، وأعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كقوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم } [الأعراف: 75]، وقوله: { إن هو إلاّ ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم } [التكوير: 27، 28] وقوله تعالى: { تكون لنا عيداً لأوَّلنا وآخِرِنا } [المائدة: 114]. والمعنى: إنها نذير لمن شاء أن يتقدم إلى الإِيمان والخير لينتذر بها، ولمن شاء أن يتأخر عن الإيمان والخير فلا يرعوي بنذارتها لأن التقدّم مشي إلى جهة الإمام فكأنَّ المخاطب يمشي إلى جهة الداعي إلى الإِيمان وهو كناية عن قبول ما يدعو إليه، وبعكسه التأخر، فحذف متعلق {يتقدم ويتأخّر} لظهوره من السياق.

ويجوز أن يقدر: لمن شاء أن يتقدم إليها، أي إلى سَقَر بالإِقدام على الأعمال التي تُقدمه إليها، أو يتأخر عنها بتجنب ما من شأنه أن يقربه منها.

وتعليق {نذيراً} بفعل المشيئة إنذارٌ لمن لا يتذكر بأن عدم تذكره ناشىء عن عدم مشيئته فتبعتُه عليه لتفريطه على نحو قول المثل «يَداك أوكَتا وفُوك نفخ»، وقد تقدم في سورة المزمل (19) قوله: { إنَّ هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربّه سبيلاً } وفي ضمير {منكم} التفات من الغيبة إلى الخطاب لأن مقتضى الظاهر أن يقال: لمن شاء منهم، أي من البشر.