التفاسير

< >
عرض

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
-آل عمران

أضواء البيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} الآية.
هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ {قَاتَلَ} بالبناء للمفعول يحتمل نائب الفاعل فيها أن يكون لفظة ربيون وعليه فليس في قتل ضمير أصلاً ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميراً عائداً إلى النَّبي، وعليه فمعه خبر مقدم وربيون مبتدأ مؤخر سوغ الابتداء به اعتماده على الظرف قبله ووصفه بما بعده والجملة حالية والرابط الضمير وسوغ إتيان الحال من النكرة التي هي نبي وصفه بالقتل ظلماً وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة في الآية على هذا القول، وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في الآية إجمالاً. والآيات القرآنية مبينة أن النَّبي المقاتل غير مغلوب بل هو غالب كما صرح تعالى بذلك في قوله:
{ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } [المجادلة: 21]. وقال قبل هذا: { أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ } } [المجادلة: 20] وقال بعده: { إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ } [المجادلة: 21].
وأغلب معاني الغلبة في القرآن الغلبة بالسيف والسنان كقوله:
{ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [الأنفال: 65] الآية. وقوله: { فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ } [الأنفال: 66] وقوله: { الۤـمۤ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } [الروم: 1-4] وقوله: { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً } [البقرة: 249] وقوله: { قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ } [آل عمران: 12] إلى غير ذلك من الآيات.
وبين تعالى أن المقتول ليس بغالب بل هو قسم مقابل للغالب بقوله:
{ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } [النساء: 74] فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعاً على النَّبي المقاتل. لأن الله كتب وقضى له في أزله أنه غالب وصرح بأن المقتول غير غالب.
وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين، غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل الله. لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب. لأنه لم يغالب في شيء وتصريحه تعالى، بأنه كتب أن رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف، كما بينا أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن، وشامل أيضاً لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [غافر: 51] الآية وفي قوله: { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ } [الصافات: 171-172] أنه نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد. لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق النصر. لأنها نصر خاص، والغلبة لغة القهر والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص.
وبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير -رحمه الله - ومن تبعه في تفسير قوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ} الآية. من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن نصره المنصوص في الآية، حينئذ يحمل على أحد أمرين:
أحدهما: أن الله ينصره بعد الموت، بأن يسلط على من قتله من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكريا وشعيا من تسليط بختنصر عليهم، ونحو ذلك.
الثاني: حمل الرسل في قوله:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } [غافر: 51] على خصوص نبينا صلى الله عليه وسلم وحده، أنه لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين:
أحدهما: أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جداً، غير معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده صلى الله عليه وسلم فهو بعيد جداً أيضاً، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة، لا نزاع فيها.
الثاني: أن الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة إعانة المظلوم، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبة بقوله:
{ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } [المجادلة: 21] الآية، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن ومر عليك أن الله جعل المقتول قسماً مقابلاً للغالب في قوله: { وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } [النساء: 74] وصرح تعالى: بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جل وعلا: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ } [الأنعام: 34] ولا شك أن قوله تعالى: { كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } [المجادلة: 21] من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها وقد نفى جل وعلا: عن المنصور أن يكون مغلوباً نفياً باتاً بقوله: { إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } [آل عمران: 160] وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى: {كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ} الآية أن بعض الناس قال: أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا الروم، وفارس، كما غلبوا العرب زاعماً أن الروم وفارس لا يغلبهم النَّبي صلى الله عليه وسلم لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية، وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان. لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها، ويدل له قوله قبله: { أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلأَذَلِّينَ } [المجادلة: 20] وقوله بعده: { إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [المجادلة: 21].
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب، أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة، فيشهد للبيان الذي بيَّنَّا به، أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] وأن بعض القراء غير السبعة قرأ {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] بالتشديد. لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين.
ولهذه القراءة رجح الزمخشري، والبيضاوي، وابن جنى. أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] ومال إلى ذلك الألوسي في تفسيره مبيناً أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل على النَّبي. لأن {وَكَأَيِّنْ} [آل عمران: 146] إخبار بعدد كثير أي: كثير من أفراد النَّبي قتل خلاف الظاهر، وهو كما قال، فإن قيل قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور محتمل لأمرين، وقد ادعيتم أن القرآن دل على أنه {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] لا ضمير النَّبي لتصريحه بأن الرسل غالبون، والمقتول غير غالب، ونحن نقول دل القرآن في آيات أخر، على أن نائب الفاعل ضمير النَّبي، لتصريحه في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله:
{ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ } [البقرة: 87] وقوله: { قُلْ قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } [آل عمران: 183] الآية، فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب {رِبِّيُّونَ} على ما استدللنا به على أن النائب ضمير النَّبي فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به، والأخص مقدم على الأعم، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول، وإيضاحه أن دليلنا في خصوص نبي أمر بالمغالبة في شيء، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقاً لربنا في قوله:
{ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } [المجادلة: 21] سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان، أم بالسيف والسنان، ودليلكم فيما هو أعم من هذا. لأن الآيات التي دلت على قتل بعض الرسل، لم تدل على أنه في خصوص جهاد، بل ظاهرها أنه في غير حهاد، كما يوضحه.
الوجه الثاني: وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء الله كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم، في غير جهاد، ومقاتله إلا موضع النزاع وحده.
الوجه الثالث: أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} تتفق عليه آيات القرآن اتفاقاً واضحاً، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته، ولم تتصادم منه آيتان، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد، فقتله إذن لا إشكال فيه، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله. لأن الله حكم للرسل بالغلبة، والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء، ولو أمر بها في شيء لغلب فيه، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النَّبي لصار المعنى أن كثيراً من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة {وَكَأَيِّن} [آل عمران: 146] المميزة بقوله:
{ من نبي } [المجادلة: 21] وقتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ميدان الحرب مناقض مناقضة صريحة لقوله: { كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ } [المجادلة: 21] وقد عرفت معنى الغلبة في القرآن، وعرفت أنه تعالى، بين أن المقتول غير الغالب، كما تقدم، وهذا الكتاب العزيز ما أنزل ليضرب بعضه بعضاً، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضاً، فاتضح أن القرآن دل دلالة واضحة على أن نائب الفاعل {رِبِّيُّونَ} [آل عمران: 146] وأنه لم يقتل رسول في جهاد، كما جزم به الحسن البصري وسعيد بن جبير، و الزجاج، والفراء، وغير واحد، وقصدنا في هذا الكتاب البيان بالقرآن، لا بأقوال العلماء، ولذا لم ننقل أقوال من رجح ما ذكرنا.
وما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النَّبي من أن سبب النزول يدل على ذلك. لأن سبب نزولها "أن الصائح صاح قتل محمد صلى الله عليه وسلم" وأن قوله:
{ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [آل عمران: 144] يدل على ذلك وأن قوله: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّه} [آل عمران: 146] يدل على أن الربيين لم يقتلوا لأنهم لو قتلوا لما قال عنهم {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ} [آل عمران: 146] الآية. فهو كلام كله ساقط وترجيحات لا معول عليها فالترجيح بسبب النزول فيه أن سبب النزول لو كان يقتضي تعيين ذكر قتل النَّبي لكانت قراءة الجمهور قاتل بصيغة الماضي من المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ظاهر السقوط كما ترى والترجيح بقوله: { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ } [آل عمران: 144] ظاهر السقوط. لأنهما معلقان بأداة الشرط والمعلق بها لا يدل على وقوع نسبة أصلاً لا إيجاباً ولا سلباً حتى يرجح بها غيرها.
وإذا نظرنا إلى الواقع في نفس الأمر وجدنا نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت لم يقتل ولم يمت والترجيح بقوله: {فَمَا وَهَنُواْ} [آل عمران: 146] سقوطه كالشمس في رابعة النهار وأعظم دليل قطعي على سقوطه قراءة حمزة والكسائي
{ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ } [البقرة: 191] كل الأفعال من القتل لا من القتال وهذه القراءة السبعية المتواترة فيها. { فَإِن قَاتَلُوكُمْ } [البقرة: 191] بلا ألف بعد القاف فعل ماض من القتل {فَٱقْتُلُوهُمْ} [البقرة: 191] أفتقولون هذا لا يصح لأن المقتول لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله. بل المعنى قتلوا بعضكم وهو معنى مشهور في اللغة العربية يقولون قتلونا وقتلناهم يعنون وقوع القتل على البعض كما لا يخفى. وقد أشرنا إلى هذا البيان في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب والعلم عند الله تعالى.