التفاسير

< >
عرض

وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا
١
وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا
٢
وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا
٣
وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا
٤
وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا
٥
وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا
٦
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
٧
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
٨
قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا
٩
وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا
١٠
-الشمس

أضواء البيان في تفسير القرآن

في تلك الآيات العشر يقسم الله تعالى سبع مرات بسبع آيات كونية، هي الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض، والنفس البشرية، مع حالة لكل مقسم به، وذلك على شيء واحد، وهو فلاح من زكى تلك النفس وخيبة من دساها، ومع كل آية جاء القسم بها توجيهاً إلى أثرها العظيم المشاهد الملموس، الدال على القدرة الباهرة.
وذلك كالآتي أولاً: {وَٱلشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1] فالشمس وحدها آية دالة على قدرة خالقها، لما فيها من طاقة حرارية في ذاتها تفوق كل تقدير، وهي على الزمان بدون انتقاص، فهي في ذاتها آية.
ثم جاء وصف أثرها وهو: ضحاها، وهو انتشار ضوئها ضحوة النهار، وهذا وحده آية، لأن نتيجة لحركتها، وحركتها آية من آيات الله كما قال تعالى:
{ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ * وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ } [يس: 37-38]، وهي الآية التي حاج بها إبراهيم عليه السلام نمروذ في قوله: { فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ } [البقرة: 258].
ففي هذا السير قدرة باهرة ودقة متناهية، وضحاها: نتيجة لهذا السير، ثم ضحاها نعم جزيلة على الكون كله، من انتشار في الأرض وانتفاع بضوئها وأشعتها.
وقد قالوا: لو اقتربت درجة أو ارتفعت درجة لما استطاع أحد أن ينتفع منها بشيء، لأنها تحرق باقترابها، ويتجمد العالم من بعدها، ذلك تقدير العزيز العليم.
فالضحى وحده آية وهو حرها كقوله:
{ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ } [طه: 119]، أي بحرّ الشمس، وقد أقسم تعالى بالضحى وحده في قوله تعالى: { وَٱلضُّحَىٰ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ } [الضحى: 1-2].
وقوله: {وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا} [الشمس: 2]، فهو كذلك القمر وحده آية، وكذلك تلوه للشمس ونظام مسيره بهذه الدقة، وهذا النظام فلا يسبقها ولا تفوته:
{ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلْلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [يس: 40].
وفي قوله تعالى: {إِذَا تَلاَهَا} أي تلا الشمس، دلالة على سير الجميع، وأنها سابقته وهو تاليها.
فقيل: تاليها عند أول الشهر تغرب، ويظهر من مكان غروبها.
وقد قال بعض أهل الهيأة: تاليها في منزلة الحجم، أي كبرى وهو كبير بعدها في الحجم، وفيه نظر.
ولا يخفى ما في القمر من فوائد للخليفة، من تخفيف ظلمة الليل، وكذلك بعض الخصائص على الزرع، وأهم خصائصه بين الشهور بتقسيم السنة ومعرفة العبادات من صوم، وحج، وزكاة، وعدد النساء، وكفارات بصوم، وحلول الديون، وشروط المعاملات، وفي كل ما له صلة بالحساب في عبادة أو معاملة.
وقد جاء القسم بالقمر في المدثر في قوله:
{ كَلاَّ وَٱلْقَمَرِ * وَٱللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } [المدثر: 32-33] الآية، وقوله { وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ } [الانشقاق: 18]، ما يدل على عظمة آيته ودقة دلالته.
وقوله: {وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا} [الشمس: 3]، والنهار هو أثر من آثار ضوء الشمس.
وجلاها. قيل: الضمير فيه راجع للشمس كما في الذي قبله، ولكن اختار لبن كثير أن يكون راجعاً للأرض، أي كشفها وأوضح كل ما فيها ليتيسر طلب المعاش والسعي، كقوله:
{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [يونس: 67]، وقوله: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِبَاساً وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً } [الفرقان: 47].
وقد أقسم تعالى بالنهار إذا تجلى: أي ظهر ووضح بدون ضمير إلى غيره في قوله تعالى:
{ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } [الليل: 1-2]، أي في مقابلة غشاوة الليل يكون يتجلي النهار.
وقد بين تعالى عظم آية النهار وعظم آية الليل، وأنه لا يقدر على الإتيان بهما إلا الله، كما في قوله:
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ } [القصص: 71-72].
وقوله: {وَٱللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: 4]، قالوا يغشى الشمس فينحجب ضياؤها، والكلام على الليل، كالكلام على النهار، من حيث الآية. والدلالة على قدرته تعالى.
وتقدمت النصوص الكافية وسيأتي الإقسام بالليل في قوله:
{ وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } [الليل: 1]، أي يغشى الكون كله، كما في قوله: { وَٱللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } [الانشقاق: 17]، أي جمع واشتمل بظلامه.
والضمير في يغشاها: راجع إلى الشمس، وعليه، قيل: إن الإقسام في هذه الأربعة راجع كله إلى الشمس في حالات مختلفة، في ضحاها ثم تجليها، ثم تلو القمر لها، ثم يغشيان الليل إياها، وهنا سؤال: كيف يغشى الليل الشمس، مع أن الليل وهو الظلمة نتيجة لغروب الشمس عن الجهة التي فيها الليل؟
فقيل: إن الليل يغطي ضوء الشمس، فتتكون الظلمة، والواقع خلاف ذلك. وهو أن الشمس ظاهرة وضوؤها منتشر، ولكن في قسم الأرض المقابل للظلمة الموجودة، كما أن الظلمة تكون في القسم المقابل للنهار، وهكذا.
ولذا قال ابن كثير: إن الضمير في يغشاها وجلاها راجع إلى الأرض، إلا أن فيه مغايرة في مرجع الضمير، والله تعالى أعلم.
وقوله: {وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5]، قيل: ما، بمعنى الذي، وجيء بها بدلاً عن من، التي لأولى العلم، لإشعارها معنى الوصفية، أي والسماء والقادر الذي بناها، وكذلك ما بعدها في الأرض، وما طحاها ونفس، والحكيم العليم الذي سواها، وما مشترك بين العالم وغيره، كقوله:
{ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } [الكافرون: 3]، ومثله { فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } [النساء: 3].
وتقدم مراراً أحوال السماء في بنائها ورفعها، وجعلها سبعاً طباقاً، وقد بين في تلك النصوص كيفية بنائها، وأنه سبحانه وتعالى بناها بقوة، كما في قوله تعالى:
{ وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } [الذاريات: 47]، أي بقوة، وقوله تعالى: {وَٱلأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا} [الشمس: 6] مثل دحاها.
وقالوا: إبدال الدال طاء مشهور، وطحا تأتي بمعنى خلق، وبمعنى ذهب في كل شيء، فمن الأول:

وما تدري جذيمة من طحاها ولا من ساكن العرش الرَّفيع

ومن الثاني قول علقمة:

طحا بك قلب في الحسان طروب يعيد الشباب عصر حان مشيب

ولا منافاة في ذلك بأنه تعالى خلقها ومدها، وذهب بأطرافها كل مذهب، أي في مدها.
تنبيه
قالوا: ذكر السماء وما بناها، للدلالة على حدوثها، وبالتالي على حدوث الشمس والقمر، وأن تدبيرهما لله.
وقوله: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7-8]، قالوا: النفس تحمل كامل خلقة الإنسان بجسمه وروحه وقواه الإنسانية، من تفكير وسلوك... إلخ.
وقيل: النفس هنا بمعنى القوى المفكرة المدركة مناط الرغبة والاختيار، وعليه فذكر النفس بالمعنى الأول، تكون تسويتها في استواء خلقتها وتركيب أعضائها، وهي غاية في الدلالة على القدرة والكمال والعلم، كما في قوله:
{ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين: 4]، وقال: { وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الذاريات: 21]، أي من أعضاء وأجزاء وتراكيب وعدة أجهزة تبهر العقول في السمع، وفي البصر، وفي الشم، وفي الذوق، وفي الحس، ومن داخل الجسم ما هو أعظم، فحق أن يقسم بها.
وما سواها: اي بالقدرة الباهرة، والعلم الشاملز وذكرها بالمعنى الثاني، فإنه في نظري أعظم من المعنى الأول، وذلك أن القوى المدركة والمفكرة والمقدرة للأمور التي لها الاختيار، ومنها القبول والرفض والرضى والسخط والأخذ والمنع، فإنها عالم مستقل.
وإنها كما قلنا أعظم مما تقدم، لأن الجانب الخلقي قال تعالى فيه:
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } [غافر: 57]، ولكن في هذا الجانب قال: { إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } [الأحزاب: 72].
ومعلوم أن بعض أفراد الإنسان حملها بصدق واداها بوفاء، ونال رضى الله تعالى رضي الله عنهم ورضوا عنه.
فهذه النفس في تسويتها لتلقى معني الخير والشر، واستقبال الإلهام الإلهي للفجور، والتقوى أعظم دلالة على القدرة من تلك الجمادات التي لا تبدي ولا تعيد، والتي لا تمسك سلباً ولا إيجاباً.
وهنا مثال بسيط فيما استحدث من آلات حفظ وحساب، كالآلة الحاسبة والعقل الألكتروني، فإنها لا تخطئ كما يقولون، وقد بهرت العقول في صفتها، ولكن بنظرة بسيطة نجدها أمام النفس الإنسانية كقطرة من بحر.
فنقول: إنها أولاً من صنع هذه النفس ذات الإدراك النامي والاستنتاج الباهر.
ثانياً: هي لا تخطئ لأنها لا تقدر أن تخطئ، لأن الخطأ ناشئ عن اجتهاد فكري، وهي لا اجتهاد لها، إنما تشير وفق ما رسم لها كالمادة المسجلة في شريط، فإن المسجل مع دقة حفظه لها فإنه لا يقدر أن يزيد ولا ينقص حرفاً واحداً.
أما الإنسان فإنه يغير ويبدل، وعندما يبدل كلمة مكان كلمة، فلقدرته على إيجاد الكلمة الأخرى، أو لاختياره ترك الكلمة الأولى.
وهكذا هنا، فالله تعالى هنا خلق تلك النفس أولاً، ثم سواها على حال تقبل تلقي الإلهام بقسيمة: الفجور والتقوى، ثم تسلك أحد الطريقين، فكأن مجيء القسم بها بعد تلك المسميات دلالة على عظم ذاتها وقوة دلالتها على قدرة خالقها، وما سواها مستعدة قابلة لتلقي إلهام الله إياها.
تنبيه
وفي مجيئها بعد الآيات الكونية. من شمس وقمر وليل ونهار، وسماء وأرض، لفت إلى وجوب التأمل في كل المخلوقات، يستلهم منها الدلالة على قدرة خالقها والاستدلال على تغير الأزمان، وحركة الأفلاك، وإحداث السماء بالبناء أنه لا بد لهذا العالم من صانع، ولا بد للمحدث المتجدد من فناء وعدم.
كما عرض إبراهيم عليه السلام على النمروذ نماذج الاستدلال على الربوبية والألوهية، فأشار إلى الشمس أولاً، ثم إلى القمر، ثم انتقل به إلى الله سبحانه.
وقوله: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، إن كان ألهمها بمعنى هداها وبين لها، فهو كما في قوله:
{ وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ } [البلد: 10]، وقوله: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ } [الإنسان: 3]، وهذا على الهداية العامة، التي بمعنى الدلالة والبيان.
وإن كان بمعنى التيسير والإلزام، ففيه إشكال القدر في الخير والاختيار.
وقد بحث هذا المعنى الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب بحثاً وافياً.
قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس: 9-10].
هذا هو جواب القسم فيما تقدم، فالواو قد حذفت منه اللام لطول ما بين المقسم به والمقسم عليه.
وقد نوه عنه الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه عند الكلام على قوله تعالى:
{ إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } [ص: 64]، من سورة ص، وأنهم استدلوا لهذه الآية عليه.
والأصل: لقد أفلح، فحذفت اللام لطول الفصل، وزكاها بمعنى طهَّرها، وأول ما يطهرها منه دنس الشرك ورجسه، كما قال تعالى:
{ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [التوبة: 28]، وتطهيرها منه بالإيمان ثم من المعاصي بالتقوى، كما في قوله تعالى: { فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } [النجم: 32]، ثم بعمل الطاعات { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ } [الأعلى: 14-15].
واختلف في مرجع الضمير في زكاها ودساها، وهو يرجع إلى اختلافهم في {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8]، فهل يعود إلى الله تعالى، كما في {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} [الشمس: 7]، أم يعود على العبد.
ويمكن أن يستدل لكل قول ببعض النصوص. فمما يستدل به للقول الأول قوله تعالى:
{ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [النساء: 49]، وقوله: { وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً } [النور: 21]، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول عند هذه الآية: "اللَّهم أئت نفسي تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، وانت وليها ومولاها" .
ومما استدل به للقول الثاني فكقوله: { قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ } [الأعلى: 14-15]، وقوله: { وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } [فاطر: 18]، وقوله: { فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ * وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ } [النازعات: 18-19]، وقوله: { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } [عبس: 3]، وكلها كما ترى محتملة، والإشكال فيها كالإشكال فيما قبلها.
والذي يظهر والله تعالى أعلم: أن الجمع بين تلك النصوص كالجمع في التي قبلها، وأن ما يتزكى به العبد من إيمان وعمل في طاعة وترك لمعصية، فإنه بفضل من الله، كما في قوله تعالى المصرح بذلك
{ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً } [النور: 21].
وكل النصوص التي فيها عود الضمير أو إسناد التزكية إلى العبد، فإنها بفضل من الله ورحمة، كما تفضل عليه بالهدى والتوفيق للإيمان، فهو الذي يتفضل عليه بالتوفيق إلى العمل الصالح. وترك المعاصي، كما في قولك "لا حول ولا قوة إلا بالله" وقوله:
{ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ } [النجم: 32]، وقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ } [النساء: 49]، إنما هو بمعنى المدح والثناء،كما في قوله تعالى: { قَالَتِ ٱلأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا } [الحجرات: 14]، بل إن في قوله تعالى: { بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } [النساء: 49]، الجمع بين الأمرين، القدري والشرعي، {بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} بفضله، {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} بعدله. والله تعالى أعلم.