التفاسير

< >
عرض

ٱلْقَارِعَةُ
١
مَا ٱلْقَارِعَةُ
٢
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ
٣
يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ
٤
وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ
٥
فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ
٦
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ
٧
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ
٨
فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ
٩
وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ
١٠
نَارٌ حَامِيَةٌ
١١
-القارعة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

لفظ "القارعة" اسم فاعل من القرع، وهو الضرب بشدة بحيث يحصل منه صوت شديد.
والمراد بها هنا: القيامة، ومبدؤها النفخة الأولى، ونهايتها: قضاء الله - تعالى - بين خلقه، بحكمه العادل، وجزائه لكل فريق بما يستحقه من جنة أو نار.
وسميت القيامة بذلك. كما سميت بالطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية.. إلخ - لأنها تقرع القلوب بأهوالها، وتجعل الأجرام العلوية والسفلية يصطك بعضها ببعض، فيحصل لها ما يحصل من تزلزل واضطراب وتقرع أعداء الله - تعالى - بالخزى والعذاب والنكال، كما قال - تعالى -:
{ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ } والاستفهام فى قوله - سبحانه -: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} استفهام عن حقيقتها، والمقصود به التهويل من أمرها، والتفظيع من حالها، وتنبيه النفوس إلى ما يكون فيها من شدائد، تفزع لها القلوب فزعا لا تحيط العبارة بتصويره، ولا تستطيع العقول أن تدرك كنهه.
و "القارعة": مبتدأ، و "ما": مبتدأ ثان، و "القارعة": خبر المبتدأ الثانى، وجملة المبتدأ الثانى وخبره فى محل رفع خبر المبتدأ الأول.
وقوله - سبحانه -: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ} معطوف على جملة "ما القارعة" والخطاب فى قوله {وَمَآ أَدْرَاكَ} لكل من يصلح له.
أى: وما أدراك - أيها المخاطب - ما كنهها فى الشدة؟ إنها فى الشدة والهول شئ عظيم. لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -.
فالمقصود من الآيات الكريمة: تعظيم شأنها، والتعجيب من حالها، وأنها تختلف عن قوارع الدنيا - مهما بلغ عظمها - اختلافا كبيرا.
وبعد أن بين - سبحانه - أن معرفة حقيقتها أمر عسير.. أتبع ذلك ببيان أحوال الناس وقت وقوعها فقال: {يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ}.
و "يوم" منصوب بفعل مقدر. والفراش: هو الحشرة التى تتهافت نحو النار، وسمى بذلك لأنه يتفرش وينتشر من حولها.
والمبثوث: المنتشر المتفرق. تقول: بثثت الشئ، إذا فرقته، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ } أى: متناثرة متفرقة.
أى: تحصل القارعة يوم يكون الناس فى انتشارهم وكثرتهم واضطرابهم وإقبالهم نحو الداعى لهم نحو أرض المحشر.. كالحشرات الصغيرة المتهافتة نحو النار.
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد شبه الناس فى هذا الوقت العصيب، بالفراش المتفرق المنتشر فى كل اتجاه، وذلك لأن الناس فى هذا اليوم يكونون فى فزع، يجعل كل واحد منهم مشغولا بنفسه، وفى حالة شديدة من الخوف والاضطراب.
وقوله - سبحانه -: {وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ} بيان لحالة أخرى من الأحوال التى يكون عليها هذا الكون يوم القيامة.
والعهن: الصوف ذو الألوان المتعددة، والمنفوش: المفرق بعضه عن بعض.
أى: وتكون الجبال فى ذلك اليوم، كالصوف الذى ينفش ويفرق باليد ونحوها. لخفته وتناثر أجزائه، حتى يسهل غزله.
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة، يراها قد اشتملت على أقوى الأساليب وأبلغها، فى التحذير من أهوال يوم القيامة، وفى الحض على الاستعداد له بالإِيمان والعمل الصالح.
لأنها قد ابتدأت بلفظ القارعة، المؤذن بأمر عظيم، ثم ثنت بالاستفهام المستعمل فى التهويل، ثم أعادت اللفظ بذاته بدون إضمار له زيادة فى تعظيم أمره، ثم جعلت الخطاب لكل من يصلح له، ثم شبهت الناس فيه تشبيها تقشعر منه الجلود، ثم وصفت الجبال - وهى المعروفة بصلابتها ورسوخها - بأنها ستكون فى هذا اليوم كالصوف المتناثر الممزق.
ثم بين - سبحانه - أحوال السعداء والأشقياء فى هذا اليوم فقال: {فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}.
أى: فأما من ثقلت موازين حسناته. ورجحت أعماله الصالحة على غيرها، فهو فى عيشة مرضية. أو فى عيشة ذات رضا من صاحبها، لأنها عيشة هنية كريمة.
{وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أى: خفت موازين حسناته، وثقلت موازين سيئاته، {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} أى: فمرجعه ومأواه الذى يأوى إليه، نار سحيقة يهوى إليها بدون رحمة أو شفقة، بسبب كفره وفسوقه.
فالمراد بالأم هنا: المرجع والمأوى، وبالهاوية: النار التى يسقط فيها، وسميت النار بذلك. لشدة عمقها. وسمى المأوى أُمًّا، لأن الإِنسان يأوى إليه كما يأوى ويلجأ إلى أمه.
ويرى بعضهم أن المراد بأمه هنا الحقيقة، لأن العرب يكنون عن حال المرء بحال أمه فى الخير وفى الشر، لشدة محبتها له.
قال صاحب الكشاف: قوله: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة، هوت أمه، لأنه إذا هوى - أى سقط وهلك.. فقد هوت أمه ثكلا وحزنا.. فكأنه قيل: وأما من خفت موازينه فقد هلك.
وقيل: "هاوية" من أسماء النار، وكأنها النار العميقة لهوى أهل النار فيها مهوى بعيدا، كما روى: "يهوى فيها سبعين خريفا"، أى: فمأواه النار.
وقيل للمأوى: أم، على التشبيه، لأن الأم مأوى الولد ومفزعه..
وقال بعض العلماء: واعلم أنه يجب علينا أن نؤمن بما ذكره الله - تعالى - من الميزان فى هذه الآية وما يشبهها، وليس علينا أن نبحث فيما وراء ذلك مما لم يثبت عن الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم ونَكل ما وراء ذلك إلى علام الغيوب، على أن وزن الأعمال، أو وزن صحائفها أو وزن الصور الجميلة، كل ذلك أمر ممكن، لا يترتب على فرض وقوعه محال، فوقوع شئ من ذلك، لا يعجز الله - تعالى - ولا يقف أمام قدرته الغالبة.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، بما يزيد من هول هذه الهاوية فقال: {وَمَآ أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ. نَارٌ حَامِيَةٌ}
أى: وأى شئ يخبرك بكنه تلك النار السحيقة؟ إننا نحن الذين نخبرك بذلك فنقول لك - أيها المخاطب - على سبيل التحذير من العمل الذى يؤدى إليها: إنها نار قد بلغت النهاية فى حرارتها.
نسأل الله تعالى - أن يعيذنا جميعا منها.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.