التفاسير

< >
عرض

أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ
١
فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ
٢
وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ
٣
فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ
٤
ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ
٥
ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ
٦
وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ
٧
-الماعون

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

الاستفهام فى قوله - سبحانه - {أَرَأَيْتَ} للتعجيب من حال هذا الإِنسان الذى بلغ النهاية فى الجهالة والجحود.. ولتشويق السامع ما سيذكر بعد هذا الاستفهام.
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح له. أى: أخبرنى - أيها الرسول الكريم - أرأيت وعرفت أسوأ وأعجب من حال هذا الإِنسان الذى يكذب بيوم الدين، أى: بيوم البعث والجزاء والحساب وينكر ما جئت به من عند ربك من حق وهداية.
مما لا شك فيه أن حال هذا الإِنسان من أعجب الأحوال، وعاقبته من أسوأ العواقب!..
والرؤية فى قوله {أَرَأَيْتَ} يحتمل أن تكون بصرية، فتتعدى لواحد هو الاسم الموصول، كأنه - تعالى - قال: أأبصرت أسوأ وأعجب من هذا المكذب بيوم الدين.
ويحتمل أن تكون علمية، فتتعدى لاثنين، أولهما: الاسم الموصول والثانى: محذوف، والتقدير: أعرفت الذى يكذب بالدين من هو؟ إننا نحن الذين نعرفك صفاته، وهى: {فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} أى: فذلك الذى يكذب بالبعث والحساب والجزاء، من أبرز صفاته القبيحة. أنه "يدع اليتيم" أى: يقسو عليه، ويزجره زجرا عنيفا، ويسد كل باب خير فى وجهه، ويمنع كل حق له..
فقوله: {يَدُعُّ} من الدع وهو الدفع الشديد، والتعنيف الشنيع للغير..
{ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ} أى: أن من صفاته الذميمة - أيضا - أنه لا يحث أهله وغيرهم من الأغنياء على بذل الطعام للبائس المسكين، وذلك لشحه الشديد، واستيلاء الشيطان عليه، وانطماس بصيرته عن كل خير.
وفى هذه الآية والتى قبلها دلالة واضحة على أن هذا الانسان المكذب الدين قد بلغ النهاية فى السوء والقبح، فهو لقسوة قلبه لا يعطف على يتيم، بل يحتقره ويمنع عنه كل خير، وهو لخبث نفسه لا يفعل الخير، ولا يحض غيره على فعله، بل يحض على الشرور والآثام.
ولما كانت هذه الصفات الذميمة، لا تؤدى إلى إخلاص أو خشوع لله - تعالى - وإنما تؤدى إلى الرياء وعدم المبالاة بأداء التكاليف التى أوجبها - سبحانه - على خلقه..
لما كان الأمر كذلك، وصف - سبحانه - هؤلاء المكذبين بالبعث والجزاء بأوصاف أخرى، فقال: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ. ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ. ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ. وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ}.
والفاء فى قوله: {فَوَيْلٌ} للتفريع والتسبب، والويل: الدعاء بالهلاك والعذاب الشديد.
وهو مبتدأ، وقوله {لِّلْمُصَلِّينَ} خبره، والمراد بالسهو هنا: الغفلة والترك وعدم المبالاة..
أى: فهلاك شديد، وعذاب عظيم، لمن جمع هذه الصفات الثلاث، بعد تكذيبه بيوم الدين، وقسوته على اليتيم، وامتناعه عن إطعام المسكين.
وهذه الصفات الثلاث أولها: الترك للصلاة، وعدم المبالاة بها، والإِخلال بشروطها وأركانها وسننها وآدابها.
وثانيها: أداؤها رياء وخداعا لا عن إخلاص وطاعة لله رب العالمين كما قال - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } وثالثها: منع الماعون: أى منع الخير والمعروف والبر عن الناس. فالمراد بمنع الماعون: منع كل فضل وخير عن سواهم. فلفظ "الماعون" أصله "معونة" والألف عوض من الهاء. والعون: هو مساعدة الغير على بلوغ حاجته.. فالمراد بالماعون: ما يستعان به على قضاء الحوائج، من إناء أو فأس، أو نار، أو ما يشبه ذلك.
ومنهم من يرى أن المراد بالماعون هنا: الزكاة، لأنه جرت عادة القرآن الكريم أن يذكر الزكاة بعد الصلاة.
قال الإِمام ابن كثير: قوله: {وَيَمْنَعُونَ ٱلْمَاعُونَ} أى: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه، حتى ولا بإعارة ما ينتفع به، ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة ومنع القربات أولى وأولى..
وسئل ابن مسعود عن الماعون فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقِدْر..
وهكذا نرى السورة الكريمة قد ذمت المكذبين بيوم الدين ذما شديدا حيث وصفتهم بأقبح الصفات وأشنعها.
نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من ذلك.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.