التفاسير

< >
عرض

أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَٰتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٣
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ
١٤
-هود

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

و {أَمْ} هنا منقطعة بمعنى بل التى للإِضراب وهو انتقال المتكلم من غرض إلى آخر والافتراء: الكذب المتعمد الذى لا توجد أدنى شبهة لقائله.
والمعنى: إن هؤلاء المشركين لم يكتفوا بما طلبوه منك يا محمد، بل تجاوزوا ذلك إلى ما هو أشد جرما، وهو قولهم إنك افتريت القرآن الكريم، واخترعته من عند نفسك.
وقوله: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ...} أمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم، ويكبت نفوسهم.
أى: قل لهم يا محمد على سبيل التحدى: إن كان الأمر كما تزعمون من أنى قد افتريت هذا القرآن، فأنا واحد منكم وبشر مثلكم فهاتوا أنتم عشر سور مختلقات من عند أنفسكم، تشبه ما جئت به فى حسن النظم، وبراعة الأسلوب، وحكمة المعنى، وادعوا لمعاونتكم فى بلوغ هذا الأمر كل من تتوسمون فيه المعاونة غير الله - تعالى - لأنه هو - سبحانه - القادر على أن يأتى بمثله.
وجواب الشرط فى قوله - سبحانه - {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} محذوف دل عليه ما تقدم. أى: إن كنتم صادقين فى زعمكم أنى افتريت هذا القرآن، فهاتوا أنتم عشر سور مثله مفتريات من عند أنفسكم.
والمتأمل لآيات القرآن الكريم، يرى أن الله - تعالى - قد تحدى المشركين تارة بأن يأتوا بمثله كما فى سورتى الإِسراء والطور. ففى سورة الإسراء يقول - سبحانه -
{ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً } وفى سورة الطور يقول - سبحانه - { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ } وتارة تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله كما فى هذه السورة، وتارة تحداهم بأن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما فى سورتى البقرة ويونس، ففى سورة البقرة { وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ... } وفى سورة يونس يقول - سبحانه -: { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } وقد عجزوا عن الإِتيان بمثل أقصر سورة، وهم من هم فى فصاحتهم، فثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه - {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} إرشاد لهؤلاء المشركين إلى طريق الحق والسعادة لو كانوا يعقلون، إذ الخطاب موجه إليهم لعلهم يثوبون إلى الرشد.
***والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين تحديتهم أن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن، وأبحث لهم أن يستعينوا فى ذلك بمن شاءوا من البشر، قل لهم: فإن لم يستجب لدعوتكم من استعنتم بهم فى الإِتيان بعشر سور من مثل القرآن.. وهم لن يستجيبوا لكم قطعا - {فَٱعْلَمُوۤا} أيها الناس أن هذا القرآن {أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} وحده، وبقدرته وحدها. ولا يقدر على إنزاله بتلك الصورة أحد سواه.
واعلموا - أيضا - أنه {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} - سبحانه - فهو الإِله الحق، الذى تعنوا له الوجوه، وتخضع له القلوب، وتتجه إليه النفوس بالعبادة والطاعة.
{فَهَلْ أَنتُمْ} أيها المشركون بعد كل تلك الأدلة الواضحة الدالة على وحدانية الله، وعلى أن هذا القرآن من عنده {مُّسْلِمُونَ} أى: داخلون فى الإِسلام، متبعون لما جاءكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
والمراد بالعلم فى قوله {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ...}: الاعتقاد الجازم البالغ نهاية اليقين، أى فأيقنوا أن هذا القرآن ما أنزل إلا ملابسا لعلم الله - تعالى - المحيط بكل شئ.
والفاء فى قوله {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} للتفريع، والاستفهام هنا المقصود به الحض على الفعل وعدم تأخيره.
أى: فهل أنتم بعد كل هذه الأدلة على صدق ما جاءكم به نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تشكون فى أن الإِسلام هو الدين الحق؟ إن الشك فى ذلك لا يكون من عاقل، فبادروا إلى الدخول فى الإِسلام إن كنتم من ذوى العقول التى تعقل ما يقال لها.
ويرى بعض العلماء أن الخطاب فى هذه الآية موجه إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين، أو إليه وحده - صلى الله عليه وسلم - وعلى سبيل التعظيم وعليه يكون المعنى:
"فإن لم يستجب لكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة الحق، بعد أن ثبت عجزهم عن الإِتيان بما تحديتموهم به {فَٱعْلَمُوۤاْ} أى فازدادوا علما ويقينا وثباتا، بأن هذا القرآن "إنما أنزل بعلم الله" الذى لا يعزب عنه شئ، وازدادوا علما بأنه لا إله إلا هو - سبحانه - مستحق للعبادة والطاعة، فهل أنتم بعد كل ذلك {مُّسْلِمُونَ} أى ثابتون على الإِسلام، وملتزمون بكل أوامره ونواهيه.
ومع أننا نرى أن القولين صحيحان من حيث المعنى، إلا أننا نفضل الرأى الأول القائل بأن الخطاب للمشركين، لأن سياق الآيات السابقة فى شأنهم فلأن يكون الخطاب لهم هنا أولى.
ثم بين - سبحانه - سوء مصير الذين لا يريدون بأقوالهم وأعمالهم وجه الله - تعالى - فقال:
{مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا...}