التفاسير

< >
عرض

وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ
٥
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٦
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
٧
-الرعد

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى: قوله - تعالى -: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} أى: إن تعجب يا محمد من تكذيبهم لك بعدما كنت عندهم الصادق الأمين. فأعجب منه تكذيبهم بالبعث - لأن من شاهد ما عدد - سبحانه - من الآيات الدالة على قدرته. أيقن بأن من قدر على إنشائها، كانت الإِعادة أهون شئ عليه وأيسره، والله - تعالى - لا يتعجب، ولا يجوز عليه التعجب، لأنه - أى التعجب - تغير النفس بما تخفى أسبابه، وذلك فى حقه - تعالى - محال، وإنما ذكر ذلك ليتعجب منه نبيه والمؤمنون".
وجوز بعضهم أن يكون الخطاب لكل من يصلح له، أى: وإن تعجب أيها العاقل لشئ بعد أن شاهدت من مظاهر قدرة الله فى هذا الكون ما شاهدت فازدد تعجبا ممن ينكر بعد كل هذا قدرته - سبحانه - على إحياء الموتى.
قال الجمل: وقوله {فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} فيه وجهان: أحدهما أنه خبر مقدم وقولهم مبتدأ مؤخر، ولا بد من حذف صصفة لتتم الفائدة، أى: فعجب أى عجب قولهم. أو فعجب غريب قولهم. والثانى أنه مبتدأ، وسوغ الابتداء ما ذكرته من الوصف المقدر، ولا يضر حينئذ كون خبره معرفة.
والتنكير فى قوله {فعجب} للتهويل والتعظيم.
وجملة {أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} فى محل نصب مقول القول.
أى: وإن تعجب من شئ - أيها الرسول الكريم - فاعجب من قول أولئك المشركين: أئذا صرنا ترابا وعظاما نخرة بعد موتنا أئنا بعد ذلك لنعاد إلى الحياة مرة أخرى من جديد.
والاستفهام للإِنكار، لاستبعادهم الشديد إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى لمحاسبتهم على أعمالهم، كما حكى القرآن عنهم قولهم فى آية أخرى:
{ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ } وكرر همزة الاستفهام فى {أئذا}، {وأئنا} لتأكيد هذا الإِنكار.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جزاءهم على هذا القول الباطل فقال - تعالى - {أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ...}
أى: أولئك المنكرون لقدرة الله - تعالى - على البعث، هم الذين كفروا بربهم {وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} والأغلال: جمع غل. وهو قيد من حديد تشد به اليد إلى العنق، وهو أشد أنواع القيود.
أى: وأولئك هم الذين توضع الأغلال والقيود فى أيديهم وأعناقهم يوم القيامة، عندما يساقون إلى النار بذلة وقهر، بسبب إنكارهم لقدرة الله على إعادتهم إلى الحياة، وبسبب جحودهم لنعم خالقهم ورازقهم.
قال - تعالى -:
{ إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ } وقيل إن الجملة الكريمة تمثيل لحالهم فى الدنيا، حيث شبه - سبحانه - امتناعهم عن الإِيمان، وعدم التفاتهم إلى الحق، بحال قوم فى أعناقهم قيود لا يستطيعون معها التفاتا أو تحركاً.
والأول أولى لأن حمل الكلام على الحقيقة واجب، ما دام لا يوجد مانع يمنع منه، وهنا لا مانع، بل صريح القرآن يشهد له.
وقوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} أى: وأولئك الموصوفون بما ذكر، هم أصحاب النار التى لا ينفكون عنها. ولا يخرجون منها.
وكرر - سبحانه - اسم الإِشارة، للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيرد بعده من عقوبات.
وجاء به للبعيد، للإِشارة إلى بعد منزلتهم فى الجحود والضلال.
ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من طغيانهم واستهزائهم برسولهم - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ...}.
والمراد بالسيئة: الحالة السيئة كالعقوبات والمصائب التى تسوء من تنزل به.
والمراد بالحسنة: الحالة الحسنة كالعافية والسلامة.
والمثلات: جمع مثلة - بفتح الميم وضم الثاء كسمرة، وهى العقوبة الشديدة الفاضحة التى تنزل بالإِنسان فتجعله مثالاً لغيره فى الزجر والردع.
والاستعجال: طلب حصول الشئ قبل حلول وقته.
أى أن هؤلاء المشركين بلغ بهم الحال فى الطغيان، أنهم كانوا إذا هددهم الرسول. - صلى الله عليه وسلم - بعقاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم، سخروا منه، وتهكموا به وقالوا له على سبيل الاستهزاء: ائتنا بما تعدنا به من عذاب إن كنت من الصادقين.
وشبيه بهذا قوله - تعالى -:
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ } وقوله - تعالى - { وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } والجملة الكريمة تحكى لوناً عجيباً من ألوان توغلهم فى الجحود والضلال، حيث طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعجيل العقوبة التى توعدهم بها، بدل أن يطلبوا منه الدعاء لهم بالسلامة والأمان والخير والعافية.
وجملة {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ} فى موضع الحال، لزيادة التعجب من جهلهم وطغيانهم، لأن آثار الأقوام المهلكين بسبب كفرهم ما زالت ماثلة أمام أبصارهم، وهم يمرون عليها فى أسفارهم، فكان من الواجب عليهم - لو كانوا يعقلون - أن يعتبروا بها.
وقوله - سبحانه - {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} بيان لرحمة الله - تعالى - بعباده، ولشدة عقابه للمصرين على الكفر منهم أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو مغفرة عظيمة للناس مع ظلمهم لأنفسهم، حيث أطاعوها فى ارتكاب الذنوب والمعاصى.
ومن مظاهر هذه المغفرة أنه - سبحانه - لم يعاجلهم بالعقوبة. بل صبر عليهم، وأمهلهم، لعلهم يتوبون إليه ويستغفرونه، ويقلعون عن ذنوبهم.
قال - تعالى -:
{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ... } وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لشديد العقاب للمصرين على كفرهم وضلالهم ومعاصيهم.
وقدم - سبحانه - مغفرته على عقوبته، فى مقابل تعجل هؤلاء الكافرين للعذاب، ليظهر الفارق الضخم بين الخير الذى يريده - سبحانه - لهم، وبين الشر الذى يريدونه لأنفسهم بسبب انطماس بصائرهم...
قال ابن كثير ما ملخصه: قوله - سبحانه - {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}.
أى: إنه ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار. ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب، ليعتدل الرجاء والخوف. كما قال - تعالى -
{ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ } وقال - تعالى - { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } وعن سعيد بن المسيب قال: لما هذه الآية {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ...} قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحداً العيش. ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد" .
ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من رذائلهم، وهو عدم اعتدادهم بالقرآن الكريم، الذى هو أعظم الآيات والمعجزات فقال - تعالى -: {وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ...}
و{لولا} هنا حرف تحضيض بمعنى هلا.
ومرادهم بالآية: معجزة كونية كالتى جاء بها موسى من إلقائه العصى فإذا هى حية تسعى، أو كالتى جاء بها عيسى من إبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى بإذن الله، أو كما يقترحون هم من جعل جبل الصفا ذهباً...
لأن القرآن - فى زعمهم - ليس كافياً لكونه معجزة دالة على صدقه - صلى الله عليه وسلم -.
أى: ويقول هؤلاء الكافرون الذين عموا وصموا على الحق واستعجلوا العذاب. هلا أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - آية أخرى غير القرآن الكريم تدل على صدقه.
ولقد حكى القرآن مطالبهم المتعنتة فى آيات كثيرة، منها قوله - تعالى - :
{ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ ٱلأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً... } وقد رد الله - تعالى - عليهم ببيان وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال {إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ...}.
أى: أن وظيفتك - أيها الرسول الكريم - هى إنذار هؤلاء الجاحدين بسوء المصير، إذا ما لجوا فى طغيانهم، وأصروا على كفرهم وعنادهم وليس من وظيفتك الإِتيان بالخوارق التى طلبوها منك.
وإنما قصر - سبحانه - هنا وظيفة النبى - صلى الله عليه وسلم - على الإِنذار، لأنه هو المناسب لأحوال المشركين الذين أنكروا كون القرآن معجزة.
وقوله {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أى: ولكل قوم نبى يهديهم إلى الحق والرشاد بالوسيلة التى يراها مناسبة لأحوالهم، وأنا - أيها الرسول الكريم - قد جئتهم بهذا القرآن الكريم الهادى للتى هى أقوم. والذى هو خير وسيلة لإِرشاد الناس إلى ما يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم.
قال الشيخ القاسمى: "أو المعنى: ولكل قوم هاد عظيم الشأن، قادر على هدايتهم. هو الله - تعالى - فما عليك إلا إنذارهم لا هدايتهم كما قال - تعالى -
{ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ... } أو المعنى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} أى: قائد يهديهم إلى الرشد، وهو الكتاب المنزل عليهم، الداعى بعنوان الهداية إلى ما فيه صلاحهم.
يعنى: أن سر الإِرسال وآيته الفريدة إنما هو الدعاء إلى الهدى، وتبصير سبله، والإِنذار من الاسترسال فى مساقط الردى. وقد أنزل عليك من الهدى أحسنه. فكفى بهدايته آية كبرى وخارقة عظمى. وأما الآيات المقترحة فأمرها إلى الله وحده...".
* * *
ثم صور - سبحانه - سبعة علمه تصويراً عميقاً، تقشعر منه الجلود، وترتجف له المشاعر، وساق سنة من سننه التى لا تتغيير ولا تتبدل، فقال - تعالى - :
{ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ...}.