التفاسير

< >
عرض

الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ
١
ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
٢
ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ
٣
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٤
-إبراهيم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

سورة إبراهيم - عليه السلام - من السور القرآنية التى افتتحت بحرف من الحروف المقطعة وهو قوله - تعالى -: {الۤر}.
وقد سبق أن ذكرنا آراء العلماء فى هذه الحروف عند تفسيرنا لسور: آل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد.
وقلنا ما خلاصته: لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض سور القرآن، على سبيل الإِيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن.
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند الله. هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، فإن لم تستطيعوا فهاتوا عشر سور من مثله، فإن عجزتم فهاتوا سورة واحدة من مثله.
قال - تعالى -:
{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وقوله {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تنويه بشأن القرآن الكريم، وبيان للغرض السامى الذى أنزله الله - تعالى - من أجله.
والظلمات: جمع ظلمة، والمراد بها: الكفر والضلال، والمراد بالنور: الإِيمان والهداية.
والباء فى {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} للسببية، والجار والمجرور متعلق بقوله {لِتُخْرِجَ}.
والصراط: الجادة والطريق، من سرط الشئ إذا ابتلعه، وسمى الطريق بذلك، لأنه يبتلع المارين فيه، وأبدلت سينه صادا على لغة قريش.
والمعنى: هذا كتاب جليل الشأن، عظيم القدر، أنزلناه إليك يا محمد، لكى تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال، إلى نور الإِيمان والعلم والهداية, وهذا الإِخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره.
وقوله {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} بدل من قوله {إِلَى ٱلنُّورِ}.
أى لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله {ٱلْعَزِيزِ} أى: الذى يَغلب ولا يُغلب {ٱلْحَمِيدِ} أى: المحمود بكل لسان.
وأسند - سبحانه - الإِخراج إلى النبى صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التى تنقل الناس من الكفر إلى الإِيمان، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإِمام الرازى -، لأنه ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية، وشبه الإِيمان بالنور، لأنه نهاية ما ينجلى به طريق هدايته".
وفى جمع "الظلمات" وإفراد "النور" إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة، وأما الإِيمان فطريق واحد.
وقوله - سبحانه - : {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله - تعالى - ومشيئته، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط، أما الهداية فمن الله وحده.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال: {ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ..}
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض مِلكا ومُلكا وخلقا لا يشاركه فى ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع.
ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل أو عطف بيان من العزيز الحميد.
وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أى: هو الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض.
وجملة "وويل للكافرين من عذاب شديد" تهديد ووعيد لمن كفر بالحق وأعرض عنه.
ولفظ "ويل" مصدرلا يعرف له فعل من لفظه مثل "ويح" وجاء مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام، ومعناه الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة، أى: الله - تعالى - هو الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض، وويل للكافرين بما أنزلناه إليك - أيها الرسول الكريم - من عذاب شديد سينزل بهم، فيجعلهم يستغيثون دون أن يجدوا من يغيثهم.
ثم وصف - سبحانه - هؤلاء الكافرين بجملة من الصفات الذميمة، التى أردتهم وأهلكتهم فقال - تعالى - : {ٱلَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا عَلَى ٱلآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً...}
ويستحبون: بمعنى يحبون، فالسين والتاء للتأكيد، أى: يختارون ويؤثرون ولذا عداه بعلى. أى: يختارون شهوات الحياة الدنيا، ويؤثرون لذائذها ومتعها على الدار الآخرة وما فيها من نعيم وخيرات..
"ويصدون" من الصد، وهو صرف الغير عن الشئ ومنعه منه يقال: صد فلان فلانا عن فعل الشئ، إذا منعه من فعله.
وسبيل الله: طريقه الموصلة إليه وهو ملة الإِسلام.
ويبغون من البغاء - بضم الباء - بمعنى الطلب. يقال: بغيت لفلان كذا، إذا طلبته له، وبغيت الشئ أبغيه بغاء وبغى وبغية إذا طلبته.
والعوج - بكسر العين وفتحها - مصدر عوج - كتعب. إلا أن بعضهم يرى أن مكسور العين يكون فيما ليس بمرئى كالآراء والأقوال والعقائد، وأن مفتوحها يكون فى المرئيات كالأجساد والمحسوسات.
أى: أن هؤلاء الكافرين يؤثرون شهوات الدنيا على الآخرة ونعيمها، ولا يكتفون بذلك بل يضعون العراقيل فى طريق دعوة الحق حتى يبتعد الناس عنها، ويطلبون لها العوج والميل تبعا لزيغ نفوسهم، مع أنها أقوم طريق، وأعدل سبيل، والضمير المنصوب فى قوله "يبغونها" يعود إلى سبيل الله، أى يبغون لها العوج، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير، كما فى قوله
{ وَإِذَا كَالُوهُمْ... } أى: كالوا لهم.
وقوله {عِوَجاً} مفعول به ليبغون.
وبعضهم جعل الضمير المنصوب فى "يبغونها"، وهو الهاء هو المفعول، وجعل "عوجا" حال من سبيل الله أى: ويريدونها أن تكون فى حال اعوجاج واضطراب. وقوله: {أُوْلَـٰئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ} بيان الحكم العادل الذى أصدره - سبحانه - عليهم.
أى: أولئك الموصوفون بما ذكر فى ضلال بعيد عن الحق.
والإِشارة بأولئك الدالة على البعد، للتنبيه على أنهم أحرياء بما وصفوا به بسبب تلبسهم بأقبح الخصال، وأبشع الرذائل.
وعبر بفى الظرفية للدلالة على تمكن الضلال منهم، وأنه محيط بهم كما يحيط الظرف بالمظروف.
قال الآلوسى: وفى الآية من المبالغة فى ضلالهم ما لا يخفى، حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازا كجد جده...
ويجوز أن يقال: إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به، بناء على أن البعد فى الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده، وسبب بعده ضلاله، لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه، فيكون كقولك: قتل فلانا عصيانه، والإِسناد مجازى وفيه المبالغة المذكورة أيضا.
ثم بين - سبحانه - منه أخرى من مننه على عباده فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...}.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: "اعلم أنه - تعالى - لما ذكر فى أول السورة {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ...} كان هذا إنعاما على الرسول، من حيث إنه فوض إليه هذا المنصب العظيم، وإنعاما على الخلق من حيث إنه أرسل إليهم من خلصهم من ظلمات الكفر...
ثم ذكر فى هذه الآية ما يجرى مجرى تكميل النعمة والإِحسان فى الوجهين:
أما بالنسبة إلى الرسول، فلأن بعثته كانت إلى الناس عامة..
وأما بالنسبة لعامة الخلق، فلأنه - سبحانه - ما بعث رسولا إلى قوم إلا بلسانهم..." والباء فى قوله "بلسان" للملابسة، والمراد باللسان: اللغة التى يتخاطب بها الرسول مع قومه..
والمعنى: وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - رسولا من الرسل إلى قوم من الأقوام، إلا وكانت لغته كلغتهم، لكى يتيسر لهم أن يفهموا عندما يريد أن يبلغهم إياه من الأوامر والنواهى...
قال ابن كثير: "هذا من لطفه - تعالى - بخلقه: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغتهم ليفهموا عنهم ما يريدون، وما أرسلوا به إليهم كما قال الإِمام أحمد.
حدثنا وكيع، عن عمر بن أبى ذر قال: قال مجاهد: عن أبى ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لم يبعث الله - عز وجل - نبيا إلا بلغة قومه" .
وقال صاحب الكشاف: "فإن قلت: لم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب وحدهم، وإنما بعث إلى الناس جميعا، وهم على ألسنة مختلفة. فإن لم تكن للعرب حجة، فلغيرهم الحجة. وإن لم تكن لغيرهم حجة، فلو نزل بالعجمية لم تكن للعرب حجة - أيضا - قلت: لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها، فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفى التطويل، فبقى أن ينزل بلسان واحد. فكان أول الألسنة لسان قوم الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم أقرب إليه.
فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم فى كل أمة من أمم العجم، مع ما فى ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة، والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم فى تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، ولأنه أبعد من التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والاختلاف..." وقال الشوكانى: ما ملخصه: "وقد قيل فى هذه الآية إشكال، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - أرسل إلى الناس جمعيا، ولغاتهم متباينة...
وأجيب: بأنه - صلى الله عليه وسلم - وإن كان مرسلا إلى الثقلين، لكن لما كان قومه العرب، وكانوا أخص به وأقرب إليه، كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم، وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم.
ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم، وبينه الرسول لكل قوم بلسانهم، لكان ذلك مظنة للاختلاف، وفتحا لباب التنازع، لأن كل أمة قد تدعى من المعانى فى لسانها ما لا عرفه غيرها.
وربما كان ذلك - أيضا - مفضيا إلى التحريف والتصحيف، بسبب الدعاوى الباطلة التى يقع فيها المتعصبون".
وجملة {فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} مستأنفة.
أى: فيضل الله من يشاء إضلاله، أى يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه. ويهدى من يشاء هدايته، لا راد لمشيئته، ولا معقب لحكمه.
"وهو" سبحانه "العزيز" الذى لا يغلبه غالب "الحكيم" فى كل أفعاله وتصرفاته.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: وتفريع قوله "فيضل الله من يشاء... إلخ" على مجموع جملة {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}، ولذلك جاء فعل "يضل" مرفوعا غير منصوب، إذ ليس عطفا على فعل "ليبين" لأن الإِضلال لا يكون معلولا للتبين ولكنه مفرع على الإِرسال المعلل بالتبيين.
والمعنى: أن الإِرسال بلسان قومه لعلة التبيين. وقد يحصل أثر التبيين بمعرفة الاهتداء، وقد لا يحصل أثره بسبب ضلال المبين لهم.
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت وظيفة القرآن الكريم، ووظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما توعدت الكافرين بسوء المصير إذا ما استمروا فى كفرهم وغيهم، كما وضحت بعض مظاهر قدرة الله - تعالى - ولطفه بعباده، وفضله عليهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن رسالة موسى - عليه السلام - كانت أيضا لإِخراج قومه من الظلمات إلى النور، ولتذكيرهم بنعم خالقهم عليهم، وبغناه عنهم، فقال تعالى:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ....}.