التفاسير

< >
عرض

أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
١٧
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٨
وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
٢٠
أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٢١
إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ
٢٢
لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ
٢٣
-النحل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والاستفهام فى قوله - سبحانه -: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ..} للإِنكار والتوبيخ لأولئك المشركين الذين عبدوا غير الله - تعالى -
أى: أفمن يخلق هذه الأشياء العجيبة، والمخلوقات البديعة، التى بينا لكم بعضها، وهو الله - عز وجل - كمن لا يخلق شيئا على سبيل الإِطلاق، بل هو مخلوق، كتلك الأصنام والأوثان وغيرها، التى أشركتموها فى العبادة مع الله - تعالى -؟
إن فعلكم هذا لدليل واضح على جهلكم - أيها المشركون - وعلى انطماس بصيرتكم، وقبح تفكيركم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت من لا يخلق أريد به الأصنام، فلماذا جئ بمن الذى هو لأولى العلم؟.
قلت: فيه أوجه: أحدها أنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولى العلم.
الثانى: المشاكلة بينه وبين من يخلق.
الثالث: أن يكون المعنى: أن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولى العلم، فكيف بما لا علم عنده. كقوله - تعالى -
{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ .. } يعنى أن الآلهة - التى عبدوها - حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب لأن هؤلاء أحياء وهم أموات، فكيف تصح لهم العبادة، لا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا.
فإن قلت الآية إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيها بالله - تعالى -: فكان من حق الإِلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟
قلت حين جعلوا غير الله مثل الله فى تسميته باسمه والعبادة له، وسووا بينه، فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيها بها، فأنكر عليهم ذلك بقوله: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ..}.
وقوله - سبحانه -: {أفلا تذكرون} زيادة فى توبيخهم وفى التهكم بهم.
أى: أبلغ بكم السفه والجهل أنكم سويتم فى العبادة بين من يخلق ومن لا يخلق، والحال أن هذه التسوية لا يقول بها عاقل، لأن من تفكر أدنى تفكر، وتأمل أقل تأمل، عرف وتيقن أنه لا يصح التسوية فى العبادة بين الخالق والمخلوق، فهلا فكرتم قليلا فى أمركم، لكى تفيئوا إلى رشدكم، فتخلصوا العبادة لله الخلاق العليم.
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمه على سبيل الإِجمال، بعد أن فصل جانباً منها فى الآيات السابقة فقال - تعالى - {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}.
والمراد بالنعمة هنا جنسها، الذى يشمل كل نعمه، لأن لفظ العدد والإِحصاء قرينة على ذلك، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد فى معنى الجمع اعتمادا على القرينة - من أبلغ الأساليب الكلامية.
أى: وإن تعدوا نعمة الله - تعالى - التى أنعمها عليكم، فى أنفسكم، وفيما سخره لكم لا تستطيعون حصر هذه النعم لكثرتها ولتنوعها.
وما دام الأمر كذلك فاشكروه عليها ما استطعتم، وأخلصوا له العبادة والطاعة.
وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} استئناف قصد به فتح باب الأمل أمامهم لكى يتداركوا ما فرط منهم من جحود وتقصير فى حقه - سبحانه -.
أى: إن الله - تعالى - لغفور لعباده على ما فرط منهم متى تابوا إليه توبة نصوحا، رحيم بهم، حيث لم يؤاخذهم بذنوبهم. بل منحهم نعمه مع تقصيرهم فى شكره - تعالى.
قال ابن كثير -رحمه الله - قوله: "{إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أى يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازى على اليسير".
وقوله - سبحانه -: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} بيان لكمال علمه - تعالى - وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية.
أى: والله - تعالى - وحده، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال، وما تظهرونه منها، وهو محص عليكم ذلك، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر.
ثم وصف - سبحانه - الأوثان التى يعبدها المشركون من دونه، بثلاثة أوصاف. تجعلها بمعزل عن النفع، فضلا عن استحقاقها للعبادة، فقال - تعالى - {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}.
فوصفها - أولا - بالعجز التام، فقال - تعالى -: {وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً ..}.
أى: وهذه الآلهة التى تعبدونها من دون الله - تعالى - لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت، بل هم يخلقون بأيديكم، فأنتم الذين تنحتون الأصنام. كما قال - سبحانه - حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - الذى قال لقومه على سبيل التهكم بهم:
{ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } }. وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم، أو هو مفتقر إلى من يوجده؟!
وهذه الآية الكريمة أصرح فى إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التى تقول: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ..} لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا، أما هذه الآية التى معنا فنفت عنهم ذلك، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو الله - عز وجل -، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير، فهم أعجز من عبدتهم، وعليه فلا تكرار بين الآيتين.
وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى - {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ}.
أى: هؤلاء المعبودون من دون الله - تعالى -، هم أموات لا أثر للحياة فيهم، فهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يغنون عن عابديهم شيئا، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم للحياة فقدانا تاما.
وجملة {غير أحياء} جئ بها لتأكيد موتهم، وللدلالة على عراقة وصفهم بالموت، حيث إنه لا توجد شائبة للحياة فيهم، ولم يكونوا أحياء - كعابديهم - ثم ماتوا، بل هم أموات أصلا. أو جئ بها على سبيل التأسيس، لأن بعض ما لا حياة فيه من المخلوقات، قد تدركه الحياة فيما بعد، كالنطفة التى يخلق الله - تعالى - منها حياة، أما هذه الأصنام فلا يعقب موتها حياة، وهذا أتم فى نقصها، وفى جهالة عابديها.
وأما الصفة الثالثة لتلك الأصنام فهى قوله - تعالى -: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}.
ولفظ {أيان} ظرف زمان متضمن معنى متى.
وهذه الصفة تدل على جهلهم المطبق، وعدم إحساسهم بشئ.
أى: أن من صفات هذه المعبودات الباطلة، أنها لا تدرى متى يبعثها الله - تعالى - لتكون وقودا للنار.
وبعضهم يجعل الضمير فى {يشعرون} يعود على الأصنام، وفى {يبعثون} يعود على العابدين لها، فيكون المعنى: وما تدرى هذه الأصنام التى تعبد من دون الله - تعالى - متى تبعث عبدتها للحساب يوم القيامة.
قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} الضمير فى {يشعرون} للآلهة وفى {يبعثون} للكفار الذين يعبدون الأصنام.
والمعنى: وما تشعر هذه الجمادات من الأصنام أيان يبعث عبدتهم من الكفار، ويكون هذا على طريقة التهكم بهم، لأن شعور الجماد مستحيل بما هو من الأمور الظاهرة. فضلا عن الأمور التى لا يعلمها إلا الله - سبحانه -.
ويجوز أن يكون الضمير فى الفعلين للآلهة. أى: وما تشعر هذه الأصنام أيان تبعث. ويدل على ذلك قوله تعالى -:
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. } }. وبعد أن أبطل - سبحانه - عبادة غيره بهذا الأسلوب المنطقى الحكيم، صرح بأنه لا معبود بحق سواه، فقال: {إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وَاحِدٌ}.
أى إلهكم المستحق للعبادة والطاعة هو إله واحد لا شريك له، لا فى ذاته ولا فى صفاته: فأخلصوا له العبادة، ولا تجعلوا له شركاء.
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى جعلت المشركين يصرون على كفرهم ويستحبون العمى على الهدى، فقال - تعالى -: {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ}.
أى: فالكافرون الذين لا يؤمنون بالآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب قلوبهم منكرة للحق، جاحدة لنعم الله، منصرفة عن وحدانية الله - تعالى - وعن الأدلة الدالة عليها، وحالهم فوق ذلك أنهم مستكبرون مغرورون، لا يستمعون إلى موعظة واعظ، ولا إلى إرشاد مرشد. ومتى استولت على إنسان هاتان الصفتان - الجحود والاستكبار -، حالفه البوار والخسران، وآثر سبيل الغى على سبيل الرشد.
والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته {فَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ..} دون التصريح بذواتهم، لاشتهارهم بتلك الصفات القبيحة، وللإِيمان بأن عدم إيمانهم بالآخرة، هو أساس خيبتهم، وخسرانهم وجحودهم ...
وعبر بالجملة الاسمية فى قوله {قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ} للدلالة على تأصل صفتى الجحود والاستكبار فى قلوبهم، وعلى أن الإِنكار للحق سمة من سماتهم التى لا يتحولون عنها مهما وضحت لهم الأدلة على بطلانها، وعلى أن التعالى والغرور لا ينفك عنهم، وأنهم ممن قال - سبحانه - فيهم:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين } }. أى: صاغرين أذلاء.
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم، فقال: {لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}.
وكلمة {لا جرم} وردت فى القرآن فى خمسة مواضع، وفى كل موضع كانت متلوة بأن واسمها، وليس بعدها فعل.
وجمهور النحاة على أنها مركبة من {لا} و{جرم} تركيب خمسة عشر ومعناها بعد التركيب معنى الفعل: حق وثبت، والجملة بعدها فاعل.
قال الخليل: لا جرم، كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا، يقال: فعلوا ذلك، فيقال: لا جرم سيندمون.
وقال الفراء: {لا جرم} كلمة كانت فى الأصل بمنزلة لا بد ولا محالة، فجرت على ذلك وكثرت حتى تحولت إلى معنى القسم، وصارت بمنزلة حقا فلذلك يجاب عنها باللام، كما يجاب بها عن القسم ألا تراهم يقولون لا جرم لآتينك.
والمعنى: حق وثبت أن الله - تعالى - يعلم ما يسره هؤلاء المشركون وما يعلنونه من أقوال وأفعال، وسيجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقوبات، لأنه - سبحانه - لا يحب المستكبرين عن الاستجابة للحق، المغرورين بأموالهم وأولادهم، الجاحدين لنعم الله وآلائه.
قال القرطبى: قال العلماء: وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه، إلا الكبر، فإنه فسق يلزمه الإِعلان، وهو أصل العصيان كله.
وفى الحديث الصحيح:
"إن المتكبرين يحشرون أمثال الذَرِّ يوم القيامة، يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم" أو كما قال صلى الله عليه وسلم: "تصغر لهم أجسامهم فى المحشر حتى يضرهم صغرها، وتعظم لهم فى النار حتى يضرهم عظمها" .
وبعد أن أقامت السورة الكريمة الأدلة الساطعة، على وحدانية الله، وقدرته، وعلى بطلان عبادة غيره .. أتبعت ذلك بحكاية بعض أقاويل المشركين، وردت عليها بما يدحضها، وببيان سوء عاقبتهم، وعاقبة أشباههم من قبلهم، فقال - تعالى -: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ...}.