التفاسير

< >
عرض

وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً
٢
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً
٣
-الإسراء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والواو فى قوله - تعالى -: {وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ}، استئنافية، أو عاطفة على قوله: { سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ .. } }. والمراد بالكتاب: التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام - والضمير المنصوب فى قوله: {وجعلناه} يعود إلى الكتاب.
وقوله {لبنى إسرائيل} متعلق بهدى.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } }. و{أن} فى قوله {أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً} يصح أن تكون زائدة وتكون الجملة مقولة لقول محذوف، والمعنى:
وآتينا موسى الكتاب من أجل أن يكون هداية لبنى إسرائيل إلى الصراط المستقيم.
وقلنا لهم: لا تتخذوا غير الله - تعالى - وكيلا، أى: معبودا، تفوضون إليه أموركم، وتكلون إليه شئونكم، فهو - سبحانه -:
{ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً } }. قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قرأ أبو عمرو {ألا يتخذوا} بالياء خبرا عن بنى إسرائيل: وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب، أى: قلنا لهم لا تتخذوا. ويصح أن تكون {أن} ناصبة للفعل فيكون المعنى: وجعلناه هدى لئلا تتخذوا ... وأن تكون {أن} بمعنى أى التى للتفسير - أى هى مفسرة لما تضمنه الكتاب من النهى عن اتخاذ وكيل سوى الله - تعالى -.
وقوله: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ...} منصوب على الاختصاص، أو على النداء والمقصود بهذه الجملة الكريمة إثارة عزائمهم نحو الإِيمان والعمل الصالح، وتنبيههم إلى نعمه - سبحانه - عليهم، حيث جعلهم من ذرية أولئك الصالحين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - وحضهم على السير على منهاجهم فى الإِيمان والعمل الصالح، فإن شأن الأبناء أن يقتدوا بالآباء فى التقوى والصلاح.
والمعنى: لا تتخذوا يا بنى إسرائيل معبودا غير الله - تعالى -، فأنتم أبناء أولئك القوم الصالحين، الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فأنجاهم الله - تعالى - مع نبيهم من الغرق.
قال الآلوسى: وفى التعبير بما ذكر إيماء إلى علة النهى من أوجه: أحدها تذكيرهم بالنعمة فى إنجاء آبائهم. والثانى: تذكيرهم بضعفهم وحالهم المحوج إلى الحمل والثالث: أنهم أضعف منهم - أى من آبائهم - لأنهم متولدون عنهم وفى إيثار لفظ الذرية الواقعة على الأطفال والنساء فى العرف الغالب مناسبة تامة لما ذكر.
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} تذييل قصد به الثناء على نوح - عليه السلام - أى: إن نوحا - عليه السلام - كان من عبادنا الشاكرين لنعمنا، المستعملين لها فيما خلقت له، المتوجهين إلينا بالتضرع والدعاء فى السراء والضراء.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: قوله: {إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً} ما وجه ملاءمته لما قبله؟.
قلت: كأنه قيل لا تتخذوا من دونى وكيلا، ولا تشركوا بى، لأن نوحا كان عبدا شكورا، وأنتم مَنْ آمن به وحمل معه، فاجعلوه أسوتكم كما جعله آباؤكم أسوتهم، ويجوز أن يكون تعليلا لاختصاصهم، والثناء عليهم بأنهم أولاد المحمولين مع نوح - عليه السلام - فهم متصلون به، فاستأهلوا لذلك الاختصاص ...
وبذلك نرى الآيتين الكريمتين قد دعتا إلى إخلاص العبادة لله - تعالى - بأسلوب يرضى العقول السليمة، والعواطف الشريفة.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك قضاءه العادل فى بنى إسرائيل وساق سنة من سننه التى لا تتخلف فى خلقه فقال - تعالى -: {وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً ...}.