التفاسير

< >
عرض

فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً
٢٢
فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً
٢٣
فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً
٢٤
وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً
٢٥
فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً
٢٦
-مريم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال ابن كثيررحمه الله : يقول - تعالى - مخبراً عن مريم، أنها لما قال لها جبريل عن الله - تعالى - ما قال: أنها استسلمت لقضائه - تعالى -، فذكر غير واحد من علماء السلف، أن الملك وهو جبريل - عليه السلام - عند ذلك نفخ فى جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت فى الفرج، فحملت بالولد بإذن الله - تعالى -...
والمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. قال عكرمة: ثمانية أشهر. وعن ابن عباس أنه قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله - تعالى -: {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}. فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شىء بحسبه.
فالمشهور الظاهر - والله على كل شىء قدير - أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن...".
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَحَمَلَتْهُ..} هى الفصيحة؛ أى: وبعد أن قال جبريل لمريم إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكيا... نفخ فيها فحملته، أى: عيسى، فانتبذت به، أى: فتنحت به وهو فى بطنها {مَكَاناً قَصِيّاً} أى: إلى مكان بعيد عن المكان الذى يسكنه أهلها.
يقال: قَصِى فلان عن فلان قَصْواً وقُصُوًّا، إذا بعد عنه. ويقال: فلان بمكان قصى، أى: بعيد.
وجمهور العلماء علىأن هذا المكان القصى، كان بيت لحم بفلسطين.
قال ابن عباس: أقصى الوادى، وهو وادى بيت لحم، فراراً من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج".
ثم حكى - سبحانه - ما اعتراها من حزن عندما أحست بقرب الولادة فقال: {فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً}.
وقوله: {فَأَجَآءَهَا} أى: فألجأها، يقال: أجأته إلى كذا، بمعنى: ألجأته واضطرته إليه. ويقال: جاء فلان. وأجاءه غيره، إذا حمله على المجىء، ومنه قول الشاعر:

وجارٍ سارَ معتمداً عليناأجاءته المخافة والرجاء

قال صاحب الكشاف: "أجاء: منقول من جاء، إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء. ألا تراك تقول: جئت المكان وأجاءنيه زيد، كما تقول: بلغته وأبلغنيه..".
والمخاض: وجع الولادة. يقال: مخضت المرأة - بكسر الخاء - تمخض - بفتحها - إذا دنا وقت ولادتها مأخوذ من المخض، وهو الحركة الشديدة، وسمى بذلك لشدة تحرك الجنين فى بطن الأم عند قرب خروجه.
وجذع النخلة: ساقها الذى تقوم عليه.
أى: وبعد أن حملت مريم بعيسى، وابتعدت به - وهو محمول فى بطنها - عن قومها، وحان وقت ولادتها. ألجأها المخاض إلى جذع النخلة لنتكىء عليه عند الولادة...
فاعتراها فى تلك الساعة ما اعتراها من هم وحزن وقالت: {يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا} الحمل والمخاض الذى حل بى {وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} أى: وكنت شيئاً منسياً متروكاً، لا يهتم به أحد، وكل شىء نُسى وترك ولم يطلب فهو نَسْىٌ ونسِيُّ.
قال القرطبى: "والنِّسْىُ فى كلام العرب: الشىء الحقير الذى من شأنه أن ينسى ولا يتألم لفقده كالوتد، والحبل للمسافر، وقرىء: {نَسْياً} بكسر النون وهما لغتان مثل: الوِتر والوَتر...".
قال الآلوسى ما ملخصه: "وإنما قالت ذلك مع أنها كانت تعلم ما جرى بينها وبين جبريل من الوعد الكريم، استحياء من الناس، وخوفاً من لائمتهم، أو حذرا من وقوع الناس فى المعصية بسبب كلامهم فى شأنها.
وتمنى الموت لمثل ذلك لا كراهة فيه - لأنه يتعلق بأمر دينى - نعم يكره أن يتمنى المرء الموت لأمر دنيوى كمرض أو فقر.. ففى صحيح مسلم، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"لا يتمنين أحدكم الموت لضرر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: الله أحينى ما كانت الحياة خيراً لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لى" .
ومن ظن أن تمنى مريم الموت كان لشدة الوجع فقد اساء الظن.
ثم ذكر - سبحانه - جانباً من إكرامه لمريم فى تلك الساعات العصيبة من حياتها فقال: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَٱشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً...}.
والذى ناداها يرى بعضهم أنه جبريل - عليه السلام -. وقوله {مِن تَحْتِهَآ} فيه قراءتان سبعيتان: إحداهما: بكسر الميم فى لفظ {مِن} على أنه حرف جر، وخفض تاء {تَحْتِهَآ} على أنه مجرور بحرف الجر والفاعل محذوف أى: فناداها جبريل من مكان تحتها، أى أسفل منها...
والثانية بفتح فى لفظ {مَن} على أنه اسم موصول، فاعل نادى وبفتح التاء فى {تَحْتَهَآ} على الظرفية، أى: فنادها الذى هو تحتها، وهو جبريل - عليه السلام -.
قال القرطبى: قوله - تعالى - {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ}.
قال ابن عباس: المراد بمن تحتها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ... ففى هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة، التى لله - تعالى - فيها مراد عظيم".
ويرى بعض المفسرين أن المنادى هو عيسى - عليه السلام - فيكون المعنى: فناداها ابنها عيسى الذى كان عندما وضعته موجوداً تحتها.
وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى فقال: "وأولى القولين فى ذلك عندنا قول من قال: الذى ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية - أى ضمير - ذكره أقرب منه من ذكر جبريل، فرده على الذى هو أقرب إليه أولى من رده على الذى هو أبعد منه، ألا ترى أنه فى سياق قوله - تعالى - {فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً..} ثم قيل: فناداها نسقا على ذلك، ولعلة أخرى وهى قوله:
{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ.. } ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق فى حاله تلك...".
ويبدو لنا أن ما ذهب إليه ابن جرير من كون الذى نادى مريم هو ابنها عيسى، أقرب إلى الصواب، لأن هذا النداء منه لها فى تلك الساعة، فيه ما فيه من إدخال الطمأنينة والسكينة على قلبها.
أى: فناداها ابنها عيسى الذى كان أسفل منها عندما وضعته. مطمئناً إياها بعد أن قالت: يا ليتنى مت قبل هذا الذى حدث لى... ناداها بقوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} يا أماه {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} أى جدولاً صغيراً من الماء، لتأخذى منه ما أنت فى حاجة إليه، وسمى النهر الصغير من الماء سريا، لأن الماء يسرى فيه.
وقيل: المراد بالسرى: عيسى - عليه السلام - مأخوذ من السَّرْو بمعنى الرفعة والشرف.
يقال: سَرُوَ الرجل يسرو - كشرف يشرف - فهو سَرِىّ، إذا علا قدره وعظم أمره ومنه قول الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهالهم سادوا

أى: قد جعل ربك تحتك يا مريم إنسانا رفيع القدر، وهو ابنك عيسى، والجلمة الكريمة تعليل لانتفاء الحزن المفهوم من النهى بقوله: {أَلاَّ تَحْزَنِي} قال بعض العلماء ما ملخصه: "وأظهر القولين عندى أن السرى فى الآية النهر الصغير لأمرين:
أحدهما: القرينة من القرآن، لأن قوله بعد ذلك {فَكُلِي وَٱشْرَبِي} قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به فى قوله: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً}.
الثانى: ما جاء عن ابن عمر من أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"إن السرى الذى قال الله لمريم: {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} نهر أخرجه الله لها لتشرب منه" .
فهذا الحديث - وإن كانت طرقه لا يخلو شىء منها من ضعف - أقرب إلى الصواب من دعوى أن السرى عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه".
وقوله - سبحانه -: {وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ}. معطوف على ما قاله عيسى لأمه مريم. والباء فى قوله {بِجِذْعِ} مزيدة للتوكيد، لأن فعل الهز يتعدى بنفسه.
أى: وحركى نحوك أو جهة اليمين أو الشمال جذع النخلة {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً} وهو ما نضج واستوى من الثمر {جَنِيّاً} أى: صالحاً للأخذ والاجتناء {فَكُلِي} من ذلك الرطب {وَٱشْرَبِي} من ذلك السرى، {وَقَرِّي عَيْناً} أى: طيبى نفسا بوجودى تحتك، واطردى عنك الأحزان.
يقال: قرت عين فلان، إذا رأت ما كانت متشوقة إلى رؤيته. مأخوذ من القرار بمعنى الاستقرار والسكون، لأن العين إذا رأت ما تحبه سكنت إليه، ولم تنظر إلى غيره.
وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، أن مباشرة الأسباب فى طلب الرزق أمر واجب وأن ذلك لا ينافى التوكل على الله، لأن المؤمن يتعاطى الأسباب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع فى ملكه - سبحانه - إلا ما يشاؤه ويريده.
وهنا قد أمر الله - تعالى - مريم - على لسان مولودها - بأن تهز النخلة ليتساقط لها الرطب، مع قدرته - سبحانه - على إنزال الرطب إليها من غير هز أو تحريك، ورحم الله القائل:

ألم تر أن الله قال لمريموهزى إليك الجذع يساقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزهجنته، ولكن كل شىء له سبب

كما أخذوا منها أن خير ما تأكله المرأة بعد ولادتها الرطب، قالوا: لأنه لو كان شىء أحسن للنفساء من الرطب لأطعمه الله - تعالى لمريم.
وقوله - سبحانه -: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَداً فَقُولِيۤ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} حكاية منه - تعالى - لبقية كلام عيسى لأمه.
ولفظ {إِمَّا} مركب من (إن) الشرطية، و (ما) المزيدة لتوكيد الشرط و{تَرَيِنَّ} فعل الشرط، وجوابه {فَقُولِيۤ} وبين هذا الجواب وشرطه كلام محذوف يرشد إليه السياق.
والمعنى: أن عيسى - عليه السلام - قال لأمه: لا تحزنى يا أماه بسبب وجودى بدون أب، وقرى عينا، وطيبى نفسا لذلك، فإما ترين من البشر أحداً كائناً من كان فسألك عن أمرى وشأنى فقولى له {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} أى: صمتا عن الكلام {فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً} لا فى شأن هذا المولود ولا فى شأن غيره، وإنما سأترك الكلام لابنى ليشرح لكم حقيقة أمره.
قالوا: إنما منعت من الكلام لأمرين: أحدهما: ان يكون عيسى هو المتكلم عنها ليكون أقوى لحجتها فى إزالة التهمة عنها، وفى هذا دلالة على تفويض الكلام إلى الأفضل.
والثانى: "كراهة مجادلة السفهاء، وفيه أن السكوت عن السفيه واجب، ومن أذل الناس سفيه لم يجد مسافها".
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد حكت لنا بأسلوبها البليغ الحكيم ما فعلته مريم عندما شعرت بالحمل وما قالته عندما أحست بقرب الولادة، وما قاله لها مولودها عيسى من كلام جميل طيب، لإدخال الطمأنينة على قلبها.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن مشهد آخر من مشاهد تلك القصة العجيبة؛ مشهد مريم عندما جاءت بوليدها إلى قومها، وما قالوه لها، وما قاله وليدها لهم...
استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فيقول: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا...}.