التفاسير

< >
عرض

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٥
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
١٤٦
ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ
١٤٧
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٤٨
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
١٤٩
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
١٥٠
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

المعنى: ولئن جئت - يا محمد - اليهود ومن على طريقتهم فى الكفر بكل برهان وحجة، بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحول من قبلة بيت المقدس فى الصلاة إلى قبلة المسجد الحرام، ما صدقوا به، لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة يزيلها الدليل، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما فى كتبهم من أنك على الحق المبين.
وما أنت - يا محمد - بتابع قبلتهم، لأنك على الهدى وهم على الضلال وفى هذه الجملة الكريمة حسم لأطماعهم، وتقرير لحقية القبلة إلى الكعبة، بعد أن أشاعوا بأن النبى صلى الله عليه وسلم لو ثبت على قبلتهم لكانوا يرجون أنه النبى المنتظر، فقطع القرآن الكريم آمالهم فى رجوع النبى صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم، وأخبر بأنه ليس يتابع لها.
ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب فى القبلة، وأن كل طائفة منهم لا تتبع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى: {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} أى: ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى بمتبعين لقبلة اليهود، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك، مختلفون فى باطلهم وذلك لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس.
ثم ساق القرآن الكريم بعد ذلك تحذيراً للأمة كلها من اتباع أهل الكتاب، وجاء هذا التحذير فى شخص النبى صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ}.
أى: لئن اتبعت - يا محمد - قبلتهم - على سبيل الفرض، والتقدير من بعد وضوح البرهان وإعلامى إياك بإقامتهم على الباطل، إنك إذاً لمن الظالمين لأنفسهم، المخالفين لأمرى.
فالآية الكريمة: وعيد وتحذير للأمة الإِسلامية من اتباع آراء اليهود المنبعثه عن الهوى والشهوة، وسيق الوعيد والتحذير فى صورة الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم الذى لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب، تأكيداً للوعيد والتحذير، فكأنه يقول:
لو اتبع أهواءهم أفضل الخليقة، وأعلاهم منزلة عندى، لجازيته مجازاة الظالمين، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه فى الفضل وعلو المنزلة إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من المشركين.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟.
قلت: كلتا القبلتين باطلة، مخالفة لقبلة الحق، فكانت بحكم الاتحاد فى البطلان قبلة واحدة".
- ثم بين القرآن الكريم أن أهل الكتاب يعرفون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم معرفة لا يخالطها شك فقال تعالى: {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}.
أى: أن أحبار اليهود وعلماء النصارى يعرفون صدق رسالة النبى صلى الله عليه وسلم ويعرفون أن توجهه إلى البيت الحرام حق، كما يعرفون أبناءهم فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية، بالمعرفة الحسية فى أن كلا متهما يقين لا اشتباه فيه.
قال الإِمام ابن كثير: "يخبر الله أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل فى صحة الشىء بهذا كما جاء فى الحديث
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل معه صبى صغير إبنك هذا؟ قال نعم يا رسول الله أشهد به، قال: أما إنه لا يخفى عليك ولا تخفى عليه" ويروى عن عمر أنه قال "لعبد الله بن سلام" أتعرف محمداً صلى الله عليه وسلم كما تعرف ولدك. قال نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين فى الأرض بنعته، وإنى لا أدرى ما كان من أم ولدى، فقبل عمر - رضى الله عنه - رأسه".
أى: وإن طائفة من أهل الكتاب مع ذلك التحقيق والإِيقان العلمى من أنك على حق فى كل شئونك ليتمادون فى إخفائه وجحوده، وهم يعلمون ما يترتب على ذلك الكتمان من سوء المصير لهم فى الدنيا والآخرة - ثم ثبت الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذى لا شك فيه.
أى: اعلم - يا محمد - أن ما أوحى إليك وأمرت به من التوجه إلى المسجد الحرام. هو الحق الذى جاءك من ربك، وأن ما يقوله اليهود وغيرهم من المشركين هو الباطل الذى لا شك فيه، فلا تكونن من الشاكين فى كتمانهم الحق مع علمهم به، أو فى الحق الذى جاءك من ربك وهو ما أنت عليه فى جميع أحوالك ومن بينها التوجه إلى المسجد الحرام.
والشك غير متوقع من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال المفسرون إن النهى موجه إلى الأمة فى شخص نبيّها صلى الله عليه وسلم إذ كان فيها حديثو عهد بكفر يخشى عليهم أن يفتنوا بزخرف من القول يروج به أهل الكتاب شبهاً تعلق بأذهان من لم يرسخ الإِيمان فى قلوبهم.
وقد وضح ابن جرير -رحمه الله - هذا المعنى بقوله:
فإن قال لنا قائل: "أوكان النبى صلى الله عليه وسلم شاكا فى أن الحق من ربه أو فى أن القبلة التى وجهه الله إليها حق من الله - تعالى - حتى نهى عن شك فى ذلك فقيل له: {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}. قيل: ذلك من الكلام الذى تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهى للمخاطب به، والمراد به غيره كما قال جل ثناؤه:
{ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ وَٱلْمُنَافِقِينَ } ثم قال { وَٱتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فخرج الكلام مخرج الأمر للنبى صلى الله عليه وسلم والنهى له. والمراد به أصحابه المؤمنون به.
- ثم قال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ}.
أى: ولكل أهل ملة قبلة يتجهون إليها فى عباداتهم، فسارعوا أنتم جهدكم إلى ما اختاره الله لكم من الأعمال التى تكسبكم سعادة الدارين، والتى من جملتها التوجه إلى البيت الحرام.
ثم ساق الله - تعالى - وعداً لمن يطيع أمره، ووعيداً لمن ينصر عن الخير. فقال - تعالى -: {أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً}.
أى: فى أى بقعة يدرككم الأجل، وتموتون فيها، يجمعكم الله - تعالى - يوم القيامة. لتقفوا بين يديه للحساب، لأنه - سبحانه - قادر على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم حيث كنتم، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم، كما أنه - سبحانه - قدير على كل شىء، وما دام الأمر كذلك، فبادروا بالأعمال الصالحة شكراً لربكم، وحافظوا على قبلتكم، حتى لا تضلوا كما ضل اليهود ومن على طريقتهم فى الكفر والعناد.
ثم أكد - سبحانه - حكم التحويل، وبين عدم تفاوت الأمر باستقبال المسجد الحرام فى حالتى السفر أو الحضر. فقال - تعالى -: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}...
أى: ومن أى موضع خرجت وإلى أم مكان آخر سرت، فول - يا محمد - وجهك عند صلاتك إلى المسجد الحرام، وإن هذا التوجه شطره لهو الحق الذى لا شك فيه عند ربك، فحافظوا على ذلك أيها المؤمنون وأطيعوا الله - تعالى - فى كل ما يأمركم به، ويتهاكم عنه، لأنه - سبحانه - ليس بساه عن أعمالكم، ولا بغافل عنها، ولكنه محصيها عليكم، وسيجازيكم الجزاء الذى تستحقونه عليها يوم القيامة.
ثم كرر - سبحانه - الأمر للمؤمنين بأن يتجهوا فى صلاتهم إلى المسجد الحرام فقال: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}.
أى: ومن أى مكان خرجت - يا محمد - فول وجهك تلقاء المسجد الحرام، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولوا وجوهكم فى صلاتكم تجاهه ونحوه.
وتلك هى المرة الثالثة التى تكرر فيها الأمر للمؤمنين بالتوجه إلى المسجد الحرام فى صلاتهم، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده لأن تحول القبلة كان أول نسخ فى الإِسلام - كما قال كثير من العلماء - فاقتضى الأمر تأكيده فى نفوس المؤمنين حتى يستقر فى مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح، ولأن الله - تعالى - أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر من أحكام فاختلفت فوائدها، فكأنه - سبحانه - يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين.
الزموا هذه القبلة لأنها هى القبلة التى ترضونها وترغبون فيها وطالما تمنيتموها، والزموها - أيضاً - لأنها هى القبلة التى لن تنسخ بعد ذلك.
والزموها - كذلك - لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين، وغيرهم من المعاندين والخاسرين.
وقد اقترن هذا الأمر الثالث بالتوجه إلى المسجد الحرام فى هذا الآية الكريمة بحكم ثلاث.
أولها: قوله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي} والمراد من الناس اليهود ومن لف لفهم من المناوئين للدعوة الإِسلامية.
والمعنى عليك - أيها النبى - ومن معك من المؤمنين أن تتجهوا فى صلاتكم إلى الكعبة المشرفة، لكى تقطعوا دابر فتنة اليهود وحجتهم فقد قالوا لكم وقت اتجاهكم إلى بيت المقدس. إذا كان لكم أيها المسلمون دين يخالف ديننا فلماذا تتجهون إلى قبلتنا، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة فاتجاهكم إلى المسجد الحرام من شأنه أن يزيل هذه الحجة التى قد تبدو مقبولة فى نظر ضعاف العقول.
وقوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} استثناء من الناس، والمعنى:
لئلا يكون لأحد من اليهود حجة عليكم، إلا المعاندين منهم القائلين: ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا حباً لدين قومه، واشتياقاً لمكة، وهؤلاء لا تخافون مطاعنهم بل اجعلوا خوفكم منى وحدى ولا تقيموا لما يشاغبون به فى أمر القبلة وغيره وزنا، فإنى كفيل أن أرد عنكم كيدهم وأحبط سعيهم، فأنتم، أيها المؤمنون - ما توجهتهم إلى بيت المقدس ثم إلى المسجد الحرام إلا بإذن ربكم وأمره، ففى الحالتين أنتم مطيعون لخالقكم - عز وجل -.
وقد أحسن صاحب الكشاف فى شرحه للجملة الكريمة، وصرح بأنه يجوز أن يراد بالناس وبالذين ظلموا مشركو العرب فقال:
{إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} استثناء من الناس، ومعناه: لئلا يكون حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء قبله، فإن قلت: أى حجة كانت تكون للمنصفين منهم لو لم يحول حتى احترز من تلك الحجة، ولم يبال بحجة المعاندين؟.
قلت: كانوا يقولون ما له لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور فى نعته فى التوراة؟ فإن قلت: كيف أطلق اسم الحجة على قول المعاندين؟
قلت: لأنهم يسوقونه سياق الحجة، ويجوز أن يكون المعنى: لئلا يكون للعرب عليكم حجة واعتراض فى ترككم التوجه إلى الكعبة التى هى قبلة إبراهيم وإسماعيل أبى العرب إلا الذين ظلموا منهم وهم أهل مكة، حين يقولون بداله فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم".
وثانيها: قوله تعالى: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} أى: ولو وجوهكم شطر المسجد الحرام {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} ولتكون قبلتكم مستقلة عن قبلة اليهود وغيرهم، فالجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}.
وثالثها: قوله - تعالى - {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} أى: ولكى ترشدوا للصواب فى كل أموركم فما ضلت عنه الأمم من الحق هديناكم إليه، وخصصناكم به ولهذا كانت أمتكم خير أمة أخرجت للناس.
والجملة الكريمة معطوفة على الجملة السابقة وهى قوله تعالى: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ}.
وبذلك تكون الآيات الكريمة التى نزلت فى شأن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام قد ثبتت المؤمنين، ودحضت كل شبهة أوردها اليهود وغيرهم فى هذه المسألة.
خامساً: هذا، وفى ختام هذا المبحث نحب أن نجيب على السؤال الخامس، وهو: لماذا فصل القرآن الكريم الحديث عن تحويل القبلة فنقول:
لقد شرع الله - تعالى - تحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن صلى المسلمون إلى بيت المقدس فترة من الزمان، وكرر الأمر بتولية الوجوه إلى المسجد الحرام عند الصلاة، وأقام الأدلة الساطعة على أن ذلك التحويل هو الحق، وأتى بألوان من الوعيد لمن لم يتبع أوامره، وساق وجوهاً من التأكيدات تدل على عناية بالغة بشأنها.
والمقتضى لهذه العناية وذلك التفصيل - مع أن التوجه إليها فرع من فروع الدين - هو أن التحويل من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. كان أول نسخ فى الإِسلام - كما قال بذلك كثير من العلماء - والنسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فاقتضى الأمر بسط الحديث فى مسألة القبلة ليزدادوا إيماناً على إيمانهم.
ولأن هذا التحويل - أيضاً - جاء على خلاف رغبة اليهود، فإنهم كانوا يحرصون على استمرار المسلمين فى التوجه إلى بيت المقدس، لأنه قبلتهم، فلما حصل التحويل إلى المسجد الحرام، اتخذوا منه مادة للطعن فى صحة النبوة ليفتنوا ضعفاء العقيدة، وسلكوا لبلبلة أفكار المسلمين كل وسيلة.
فزعموا أن نسخ الحكم بعد شرعه مناف للحكمة، ومباين للعقول، فلا يقع فى الشرائع الإِلهية، وساقوا من الشبهات والمفتريات ما بينا بعضه عند تفسيرنا للآيات الكريمة.
ويبدو أن شغبهم هذا، كان له آثاره عند ذوى النفوس المريضة وضعاف الإِيمان فلهذا كله أخذت مسألة القبلة شأناً غير شأن بقية الأحكام الفرعية، فكان مقتضى الحال أن يكون الحديث عنها مستفيضاً، ومدعماً بالأدلة والبراهين، وهذا ما راعاه القرآن الكريم عند حديثه عن مسألة القبلة، فلقد قرر وكرر، ووعد وتوعد، ووضح وبين، ليدفع كل شبهة، وليجتث كل حجة، ويزيد المؤمنين إيماناً على إيمانهم، وينهض بضعفاء الإِيمان إلى منزلة الراسخين فى العلم، ويهوى باليهود ومن حذا حذوهم فى مكان سحيق، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وبعد أن أنهى القرآن حديثه عن نعمة تحويل القبلة أتبعه بالحديث عن نعمة جليلة أخرى وهى نعمة ارسال الرسول فيهم لهدايتهم فقال - تعالى -:
{كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا...وَلاَ تَكْفُرُونِ}.