التفاسير

< >
عرض

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
٢١٥
كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٢١٦
يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
٢١٧
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٢١٨
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الآلوسى: عن ابن جريج قال: سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم فأنزل الله - تعالى - قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ}. الآية. وعن ابن عباس قال: كان عمرو بن الجموع شيخاً كبيراً وعنده مال كثير فقال يا رسول الله: بماذا نتصدق، وعلى من ننفق؟ فنزلت الآية.
والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد أى شىء ينفقونه من أصناف الأموال؟ قل لهم: ما أنفقتم من أموالكم فاجعلوه للوالدين قبل غيرهما ليكون أداء لحق تربيتهما ووفاء لبعض حقوقهما، وللأقربين وفاء لحق القرابة والرحم ولليتامى لأنهم فقدوا الأب الحانى الذى يسد عوزهم، والمساكين لفقرهم واحتياجهم، وابن السبيل لأنه كالفقير لغيبة ماله وانقطاعه عن بلده.
قال الإِمام الرازى: فهذا هو الترتيب الصحيح الذى رتبه الله - تعالى - فى كيفية الإِنفاق ثم لما فصل هذا التفصيل الحسن الكامل أردفه بعد ذلك بالإِجمال فقال: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أى: وكل ما فعلمتوه من خير إما مع هؤلاء المذكورين وإما مع غيرهم حسبة لله وطلبا لجزيل ثوابه وهربا من أليم عقابه فإن الله به عليم فيجازيكم أحسن الجزاء عليه...".
وظاهر الآية - كما يقول الآلوسى - أن السؤال عن المنفق فأجاب ببيان المصرف صريحا، لأنه أهم لأن اعتداد النفقة باعتباره. وأشار - سبحانه - إجمالا إلى بيان المنفق فإن قوله {مِنْ خَيْرٍ} يتضمن كونه حلالا إذ لا يسمى ما عداه خيرا، وإنما تعرض لذلك - أى لبيان المنفق عليه - وليس فى السؤال ما يقتضيه، لأن السؤال للتعلم لا للجدل، وحق المعلم فيه أن يكون كطبيب رفيق يتحرى ما فيه الشفاء، طلبه المريض أم لم يطلبه. ولما كانت حاجتهم إلى من ينفق عليه كحاجتهم إلى ما ينفق بين الأمرين، (وهذا كمن به صفراء فاستأذن طبيبا، فى أكل العسل فقال له: كله مع الخل). فالكلام إذاً من أسلوب الحكيم. ويحتمل أن يكون فى الكلام - أى فى كلام السائلين - ذكر المصرف - أيضاً - كما فى سؤال عمرو بن الجموع إلا أنه لم يذكره فى الآية للإِيجاز فى النظم تعويلا على الجواب، فتكون الآية جوابا لأمرين مسئول عنهما. والاقتصار فى بيان المنفق على الإِجمال من غير تعرض للتفصيل كما فى بيان المصرف للإِشارة إلى كون الثانى أهم. وهل تخرج الآية بذلك عن كونها من أسلوب الحكيم أولا؟ قولان أشهرهما الثانى".
ولم يتعرض - سبحانه - هنا لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين إما اكتفاء بذكرهم فى مواضع أخرى، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله - تعالى -: فى آخر الآية {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فإنه شامل لكل خير واقع فى أى مصرف كان.
قال الجمل و "ذا" اسم موصول بمعنى الذى والعائد محذوف، و "ما" على أصلها من الاستفهام ولذلك لم يعمل فيها يسألونك، وهى مبتدأ وذا خبره، والجملة محلها النصب بيسألون. والمعنى يسألونك أى الشىء الذى ينفقونه".
وقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} تذييل قصد به الحض على فعل الخير، لأن المؤمن عندما يشعر بأن الله يرى عمله ويجازيه عليه بما يستحقه، يشجعه ذلك على الاستمرار فى عمل الخير. وإذا كان بعضنا يكثر من عمل الخير عندما يعلم أن شخصا ذا جاه يسره هذا العمل، فكيف يكون الحال عندما يعلم المؤمن التقى أن الذى يرى عمله ويكافئه عليه هو الله الذى لا تخفى عليه خافية، والذى يعطى من يشاء بغير حساب.
قال بعض العلماء: وقد اختلف فى هذه الآية. فقيل إنها منسوخة بآية الزكاة وهى قوله - تعالى -:
{ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ.. } وقيل - وهو الأولى - إنها غير منسوخة، وهى لبيان صدقة التطوع فإنه متى أمكن الجمع فلا نسخ.
وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} حض لهم على بذل النفس فى سبيل إعلاء كلمة الله، بعد أن حضهم فى الآية السابقة على بذل المال.
والكُره - بضم الكاف - بمعنى الكراهية بدليل قوله - تعالى -: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً...} أى أن القتال لشدة ويلاته، وما فيه من إزهاق الأرواح كأنه الكراهة نفسها فهو من وضع المصدر موضع اسم المفعول مبالغة، وقرئ وهو كره لكم - بفتح الكاف - فيكون فيه معنى الإِكراه، لأن الكره بالفتح ما أكرهت عليه. وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الكراهية.
ويرى كثير من المفسرين أن القتال إنما كان مكروها للنفوس لما فيه من التعرض للجراح وقطع الأطراف، وإزهاق الأرواح والإِنسان ميال بطبعه إلى الحياة، وأيضاً لما فيه من إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل، والحيلولة بين المقاتل وبين طمأنينته ونومه وطعامه، فهو مهما يكن أمره فيه ويلات وشدائد، ومشتقات تتلوها مشقات، ولكن كون القتال مكروها للنفوس لا ينافى الإِيمان ولا يعنى أن المسلمين كرهوا فرضيته، لأن امتثال الأمر قد يتضمن مشقة، ولكن إذا عرف الثواب فى جنبه اقتحام المشقات. ولا شك أن القتال فى سبيل الله - مع ما فيه من صعاب وشدائد - ستكون عاقبته العزة فى الدنيا، والسعادة فى الأخرى.
ويرى بعضهم أن كره المسلمين للقتال ليس سببه ما فيه من شدائد ومخاطر وتضحيات بدليل أنهم كانوا يتنافسون خوض غمراته، وإنما السبب فى كراهيتهم له هو أن الإِسلام قد غرس فى نفوسهم رقة ورحمة وسلاما وحبا، وهذه المعانى جعلتهم يحبون مصابرة المشركين ويكرهون قتالهم أملا فى هدايتهم، ورجاء فى إيمانهم، ولكن الله - تعالى - كتب على المسلمين قتال أعدائهم لأنه يعلم أن المصلحة فى ذلك، فاستجاب المؤمنون بصدق وإخلاص لما فرضه عليهم ربهم.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى ظاهر الآية، لأن القتال فريضة شاقة على النفس البشرية، بحسب الطبع والقرآن لا يريد أن ينكر مشقتها، ولا أن يهون من أمرها، ولا أن ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطرى بكراهيتها، ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر، بأن يقرر أن من الفرائض ما هو شاق ولكن وراءه حكمة تهون مشقته، وتسهل صعوبته، وتحقق به خيراً مخبوءاً قد لا يراه النظر الإِنسانى القصير. وقد بين القرآن هذه الحكمة فى قوله {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}.
أى: وعسى أن تكرهوا شيئا كالقتال فى سبيل الله - تعالى - وهو خير لكم إذ فيه إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة - فى الدنيا مع ادخار الجزاء الأخروى وإما الشهادة والجنة، وعسى أن تحبوا شيئاً كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم فى الواقع لما فيه من الذل ووقوعكم تحت طائلة الأعداء.
قال الفخر الرازى: معنى الآية أنه ربما كان الشىء شاقا عليكم فى الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة فى المستقبل، ولأجله حسن شرب الدواء فى المر فى الحال لتوقع حصول الصحة فى المستقبل، وترك الجهاد، وإن كان يفيد - أى بحسب ظنكم - فى الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإِنفاق ولكن فيه أنوع من المضار منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم... والحاصل أن القتال فى سبيل الله سبب لحصول الأمن من الأعداء فى الدنيا وسبب لحصول الثواب العظيم للمجاهد فى الآخرة..".
وقال القرطبى: والمعنى: عسى أن تكرهوا ما فى الجهاد من المشقة وهو خير لكم فى أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ومن مات منكم مات شهيدا، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم فى أنكم تغلبون ويذهب أمركم.
وهذا صحيح لا غبار عليه، كما اتفق فى بلاد الأندلس، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأى بلاد؟!! وأسر وقتل وسبى واسترق، فإنا لله وإنا إليه راجعون!! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته!! وقال الحسن فى معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة؛ فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك، ولرب أمر تحبه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:

رب أمر تتقيهجر أمراً ترتضيه
خفى المحبوب منهوبدا المكروه فيه

وهذا الكلام الذى كتبه الإِمام القرطبى من مئات السنين يثير فى النفس شجوناً وآلاماً، فإن المسلمين ما هانوا وضعفوا إلا عند ما تركوا الجهاد فى سبيل الله، وتثافلوا إلى الأرض، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وآثروا متع الدنيا وشهواتها على الحياة العزيزة الكريمة.
وقال الإِمام ابن كثير عند تفسيره للآية: هذا إيجاب من الله - تعالى - للجهاد على المسلمين وأن يكفوا شر الأعداء من حوزة الإِسلام. قال الزهرى: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد. فالقاعد عليه إذا استعين به أن يعين، وإذا استغيث به أن يغيث، وإذا استنقر أن ينفر، ولهذا ثبت فى الصحيح
"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية" ، وقال: صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" .
وقد أجمع العلماء على أنه إذا نزل العدو بساحة البلاد وجب القتال على كل المسملين، كل على حسب قدرته.
وقد ختم - سبحانه - هذه الآية الكريمة بقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أى: والله يعلم ما هو خير لكم وما هو شر لكم فى الواقع وأنتم لا تعلمون ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به لأنه لا يأمركم إلا بما علم فيه خيراً لكم، وانتهوا عما نهاكم عنه لأنه لا ينهاكم إلا عما هو شر لكم، ومفعولا يعلم وتعلمون محذوفان دل عليهما ما قبلهما. أى: يعلم الخير والشر وأنتم لا تعلمونهما. والمقصود من هذه الجملة الكريمة الترغيب فى الجهاد، والامتثال لما شرعه الله - تعالى - سواء أعرفت حكمته أم لم تعرف، لأن العليم بالحكم والمصالح هو الله رب العالمين.
وبذلك نرى أن القرآن الكريم لا ينكر على الناس مشاعرهم الطبيعية، وأحاسيسهم الفطرية من كراهية للقتال، ولكنه يربى نفوسهم على الاستجابة لأوامر الله العليم بالغايات المطلع على العواقب، الخبير بما فيه خيرهم ومصلحتهم، وبهذه التربية الحكيمة بذل المؤمنون نفوسهم وأموالهم فى سبيل رضا خالقهم عن طواعية واختيار، لا عن قسر وإجبار.
وبعد أن حرض الله - تعالى - المؤمنين على بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيله عقب ذلك ببيان حكم القتال فى الأشهر الحرم فقال - تعالى -: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}...إلخ.
وقد ذكر كثير من المفسرين ومن أصحاب السير فى سبب نزول هذه الآية قصة ملخصها: أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه اثنا عشر رجلا كلهم من المهاجرين، وأعطاء كتابا مختوما وأمره ألا يفتحه إلا بعد أن يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به ولا يستكره أحداً من أصحابه. فسار عبد الله يومين ثم فتح الكتاب فإذا فيه "إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل بنخلة - مكان بين مكة والطائف - فترصد بها عيراً لقريش وتعلم لنا من أخبارهم".
فقال عبد الله: سمعا وطاعة!! وأخبر أصحابه بذلك وأنه لا يستكرههم فمن أحب الشهادة فيلنهض ومن كره الموت فليرجع فأما أنا فناهض! فنهضوا جميعاً، فلما كانوا فى أثناء الطريق أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما يعتقبانه. فتخلفا فى طلبه، ومضى عبد الله ببقية أصحابه حتى وصلوا نخلة فمرت عير لقريش فى طريقها لمكة وكانت فى حراسة عمرو بن الخضرمى وعثمان بن المغيرة، وأخويه نوفل والحكم به كيسان. فتشاور المسلمون وقالوا: نحن فى آخر يوم من رجب. لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن فى الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام!! فترددوا وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، فرمى "واقد بن عبد الله" عمرو بن الحضرمى يسهم فقتله، وأسروا عثمان والحكم، وأفلت منهم نوفل فأعجزهم.
وقيل: كان ذلك فى أول ليلة من رجب وقد ظنوها آخر ليلة من جمادى. فإقدامهم على ما أقدموا عليه كان على سبيل الخطأ.
ثم أقبل عبد الله ومن معه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله وقد عزلوا من ذلك الخمس فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه وقال لهم:
"ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام" وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام، واشتد ذلك على المسلمين، حتى أنزل الله تعالى قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ...}.
والمعنى: يسألونك يا محمد عن حكم القتال فى الشهر الحرام، قل لهم. القتال فيه أمر كبير مستنكر، وذنب عظيم مستقبح، لأن فيه اعتداء على الشهر الحرام المقدس، وانتهاك لمحارم الله - تعالى -.
والسائلون قيل هم المؤمنون؛ وقد سألوا عن حكم ذلك على سبيل التعليم والتماس المخرج لما حصل منهم. وقيل هم المشركون وسؤالهم على سبيل التعيير للنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث أقدم بعضهم وهو عبد الله ومن معه على القتال فيه فرد الله عليهم بأن القتال فيه كبير ولكن ما فعله هؤلاء المشركون من صد عن سبيل الله وكفر به ... الخ أكبر من ذلك بكثير.
فالجواب تشريع إن كان السؤال من المسلمين. وتبكيت وتوبيخ إن كان من المشركين، لأنهم توقعوا أن يجيبهم بإباحة القتال فيه فيثيروا الشبهات حول الإِسلام والمسلمين، فلما أجابهم بأن القتال فيه كبير وأن ما فعلوه من جرائم فى حق المسلمين أكبر وأعظم كبتوا وألقموا حجراً.
والمراد بالشهر الحرام الأشهر الحرم جميعها وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وسميت بذلك لحرمة القتال فيها، فأل فى الشهر للجنس. وقيل للعهد والمراد بالشهر الحرام شهر رجب الذى حدثت فيه قصة عبد الله بن جحش وأصحابه. وقوله "قتال فيه" بدل اشتمال من الشهر الحرام، و{قِتَالٌ} مبتدأ و{كَبِيرٌ} خبر و{فِيهِ} ظرف صفة لقتال مخصصة له.
قال الإِمام الرازى: فإن قيل: لم نكر القتال فى قوله - تعالى -: {قِتَالٌ فِيهِ} ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجئ باللام حتى يكون المذكور الثانى هو الأول، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثانى غير الأول كما فى قوله - تعالى -:
{ فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } قلنا: نعم ما ذكرتم من أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثانى غير الأول. والقوم أرادوا بقولهم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} ذلك القتال المعين الذى أقدم عليه عبد الله وأصحابه فقال - تعالى - {قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}. وفيه تنبيه على أن القتال الذى يكون كبيراً ليس هو القتال الذى سألتم عنه؛ بل هو قتال آخر؛ لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإِسلام وإذلال الكفر فكيف يكون هذا من الكبائر؟ إنما القتال الكبير هو الذى يكون الغرض فيه هدم الإِسلام وتقوية الكفر؛ فكان اختيار التنكير فى اللفظين لأجل هذه الدقيقة. ولو أنه وقع التعبير عنهما أو عن أحدهما بلفظ التعريف لبطلت هذه الفائدة. فسبحان من له تحت كل كلمة من كلمات هذا الكتاب - بل تحت كل حرف منه - سر لطيف لا يهتدى إليه إلا أولو الألباب".
ثم أخذ القرآن يعدد على المشركين جرائمهم التى كل جريمة منها أكبر من القتال فى الشهر الحرام الذى فعله المؤمنون لدفع الضرر عن أنفسهم أو لجهلهم بالميقات فقال - تعالى -: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ}.
أى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين نحن نوافقكم على أن القتال فى الشهر الحرام كبير، ثم قل لهم أيضاً على سبيل التوبيخ إن ما فعلتموه أنتم من صرفكم المسلمين عن طاعة الله وعن الوصول إلى حرمه، ومن شرككم بالله فى بيته، ومن إخراجكم لأهله منه أعظم وزرا عند الله من القتال فى الشهر الحرام.
فالمقصود من هذه الجملة الكريمة إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين بسبب ما وقع من عبد الله بن جحش ومن معه، وتبكيت المشركين على جرائمهم التى أولها يتمثل فى قوله تعالى -: {وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} أى: منع من يريد الإِسلام من دخوله، وابتدأ - سبحانه - ببيان صدهم عن سبيله للإِشارة إلى أنهم يعاندون الحق فى ذاته.
وثانيها قوله: {وَكُفْرٌ بِهِ} أى: كفر بالله - تعالى - وهو معطوف على ما قبله.
وثالثها قوله: {وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} وهو معطوف على سبيل الله أى: وصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام بمنعهم المؤمنين من الحج والاعتمار.
ورابعها قوله: {وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ} أى: وإخراج النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من مستقرهم حول المسجد الحرام بمكة وهم القائمون بحقوقه، كل ذلك "أكبر" جرما، وأعظم إثما {عِندَ ٱللَّهِ} من القتال فى الشهر الحرام.
قال الجمل: فقوله "أكبر" خبر عن الثلاثة أعنى: صد وكفر وإخراج وفيه حينئذ احتمالان:
أحدهما: أن يكون خبراً عن المجموع.
وثانيهما: أن يكون خبرا عنهما باعتبار كل واحد كما تقول: زيد وبكر وعمرو أفضل من خالد أى: كل واحد منهم على انفراده أفضل من خالد، وهذا هو الظاهر. والمفضل عليه محذوف أى: أكبر مما فعلته السرية".
ثم أضاف - سبحانه - إلى جرائمهم السابقة جريمة خامسة فقال: {وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ} أى: ما فعله المشركون من إنزال الشدائد بالمؤمنين تارة بإلقاء الشبهات وتارة بالتعذيب ليحملوهم على ترك عقيدتهم أكبر إثما من القتل فى الشهر الحرام، لأن الفتنة عن الدين تفضى إلى القتل الكثير فى الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم فى الآخرة.
وقيل المراد بالفتنة هنا الكفر. أى: كفركم بالله أكبر من القتل فى الشهر الحرام.
وأصل الفتنة: عرض الذهب على النار، لاستخلاصه من الغش، ثم استعملت فى الشرك وفى الامتحان بأنواع الأذى والاضطهاد.
ويعزى إلى عبد الله بن جحش أنه قال ردا على المشركين عندما قالوا: استحل محمد وأصحابه القتال فى الشهر الحرام.

تعدون قتلا فى الحرام عظيمةوأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمدوكفر به، والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهلهلئلا يرى لله فى البيت ساجد
فإنا وإن عيَّر تُمونا بقتلهوأرجف بالإِسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمى رماحنابنخلة لما أوقد الحرب واقد
دماً، وابن عبد الله عثمان بينناينازعه غل من القد عاند

وقوله - تعالى -: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ} بيان لشدة عداوة الكفار للمؤمنين ودوامها.
أى: ولا يزال المشركون يقاتلونكم أيها المؤمنون ويضمرون لكم السوء ويداومون على إيذائكم لكى يرجعوكم عن دين الإِسلام إلى الكفر إن استطاعوا ذلك وقدروا عليه. والتعبير بقوله {وَلاَ يَزَالُونَ} المفيد للدوام والاستمرار للإِشعار بأن عداوة المشركين للمسلمين لا تنقطع، وأنهم لن يكفوا عن الإِعداد لقتالهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فعلى المؤمنين ألا يغفلوا عن الدفاع عن أنفسهم.
و{حَتَّىٰ} للتعليل أى: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} لكى {يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ} أو بمعنى إلى، أى: إلى أن يردوكم عن دينكم. والرد: الصرف عن الشىء والإِرجاع إلى ما كان عليه قبل ذلك: فغاية المشركين أن يردوا المسلمين بعد إيمانهم كافرين.
وقوله: {إِن اسْتَطَاعُواْ} يدل - كما يقول الزمخشرى - على استبعاد استطاعتهم رد المسلمين عن دينهم، وذلك كقول الرجل لعدوه: إن ظفرت بى فلا تبق على. وهو واثق من أنه لن يظفر به. ويشهد لذلك التعبير بإن المفيدة للشك.
وفائدة التقييد بالشرط "إن" التنبيه على سخافة عقول المشركين، وكون دوام عداوتهم للمؤمنين لن تؤدى إلى النتيجة التى يتمنونها وهى رد المسلمين عن دينهم، لأن لهذا الدين ربا يحميه، وأتباعه يفضلون الموت على الرجوع عنه.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة من يرتد عن الإِسلام فقال: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأُوْلۤـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
ويرتدد يفتعل من الرد وهو الرجوع عن دينه إلى الكفر.
و{حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أى: بطلت وفسدت وأصله من الحبط، بفتح الباء - وهو أن تأكل الدابة أكلا كثيراً تنتفخ معه بطونها فلا تنتفع بما أكلت ويفسد حالها وربما تموت من ذلك. شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الصالحة ثم يفسدها بارتداده فتكون وبالا عليه، بحال الدابة التى أكلت حتى أصابها الحبط ففسد حالها.
والمعنى: ومن يرتدد منكم عن دين الإِسلام، فيمت وهو كافر دون أن يعود إلى الإِيمان، فأولئك الذين ارتدوا وماتوا على الكفر بطلت جميع أعمالهم الصالحة، وصارت غير نافعة لهم لا فى الدنيا بسبب انسلاخهم عن جماعة المسلمين، ولا فى الآخرة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر، وأولئك الذين هذا شأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون خلوداً أبدياً كسائر الكفرة، ولا يغنى عنهم إيمانهم السابق على الردة شيئاً.
وجىء بصيغة الافتعال من الردة وهى مؤذنة بالتكلف، للإِشارة إلى أن من باشر الدين الحق وخالطت بشاشته قلبه كان من المستبعد عليه أن يرجع عنه، فهذا المرتد لم يكن مستقراً على هذا الدين الحق وإنما قلقاً مضطرباً غير مستقر حتى انتهى به الأمر بموته على الكفر لتكلفه الدخول فى الدين الحق دون الثبات عليه.
وفى قوله: {مِنْكُمْ} إشعار بأنه لا يتصور أن تتحقق بغية المشركين وهى أن يردوا المسلمين جميعاً عن دينهم. بل أقصى ما يتصوره العقلاء أن ينالوا ضعيف الإِيمان فيردوه إلى دينهم، فيكون الله - تعالى - قد نفى خبثه عن هذا الدين، إذ لا خير فى هؤلاء المشركين ولا فيمن عاد إليهم بعد إيمانه، والكل مأواهم النار وبئس القرار.
قال الجمل: ومن شرطية فى محل رفع بالابتداء، يرتدد فعل الشرط، ومنكم متعلق بمحذوف لأنه حال من الضمير المستكن فى يرتدد؛ ومن للتبعيض. والتقدير: ومن يرتدد فى حال كونه كائناً منكم أى بعضكم، وعن دينه متعلق بيرتدد، وقوله فيمت وهو كافر عطف على الشرط والفاء مؤذنة بالتعقيب، وقوله: {وَهُوَ كَافِرٌ} جملة حالية من ضمير يمت. وقوله: فأولئك جواب الشرط. وقوله: وأولئك أصحاب النار مستأنف لمجرد الإِخبار بأنهم أصحاب النار أو معطوف على جواب الشرط..".
وفى الإِتيان باسم الإِشارة "أولئك" فى الموضعين تنبيه إلى أنهم أحرياء بتلك العقوبات الأليمة بسبب ردتهم وموتهم على الكفر.
وفى التنصيص على حبوط أعمالهم فى الدنيا والآخرة زيادة مذمة لهم، فهم فى الدنيا - بسبب ردتهم - تسلب عنهم آثار كلمة الشهادتين من حرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليهم بعد الموت، والدفن فى مقابر المسلمين، ومن طلاق زوجته المسلمة منه ومن عدم التوارث إلى غير ذلك من حقوق المسلمين، أما فى الآخرة فشأنهم شأن الكافرين فى ملازمتهم للنار. هذا، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من من هذه الآية الكريمة.
1 - حرمة القتال فى الشهر الحرام، والجمهور على أن هذا الحكم منسوخ، وأنه لا حرج فى قتال المشركين فى الأشهر الحرم لقوله - تعالى -:
{ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } فإن المراد بالأشهر الحرم هنا: هى أشهر العهد الأربعة التى أبيح للمشركين السياحة فيها فى الأرض، لا الأشهر الحرم الأربعة المعروفة، فالتقييد بها يفيد أن قتلهم بعد انسلاخها مأمور به فى جميع الأزمنة والأمكنة. وأيضاً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وثقيف وأرسل بعض أصحابه إلى أوطاس ليحارب من فيها من المشركين، وكان ذلك فى بعض الأشهر الحرم، ولو كان القتال فيهن حراما لما فعله النبى صلى الله عليه وسلم.
قال الآلوسى: وخالف عطاء فى ذلك، فقد روى عنه أنه سئل عن القتال فى الشهر الحرام فحلف بالله - تعالى - ما يحل للناس أن يغزوا فى الحرم ولا فى الشهر الحرام إلا أن يقاتلوا فيه وجعل ذلك حكما مستمراً إلى يوم القيامة، والأمة اليوم على خلافه فى سائر الأمصار".
وقد رجح بعض العلماء ما ذهب إليه عطاء فقال: ومهما يكن فإن القتال فى الأشهر الحرم حرام فى حال الاختيار والابتداء فلا يصح البدء بالغزو فيه. ولقد قال جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل فى الشهر الحرام إلا أن يُغزَى أو يغزو حتى إذا حضر ذلك أقام حتى ينسلخ.
ولقد قال بعض العلماء: إن تحريم القتال فى الشهر الحرام منسوخ بقوله - تعالى -:
{ وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } وبقتال النبى صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فيه. والحقيقة أنه لم يثبت ناسخ صريح فى النسخ فإن قوله - تعالى -: { وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } العموم فيه بالنسبة للمقاتلين لا بالنسبة لزمان القتال، وأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يبتدئ قتالا فى الشهر الحرام مختاراً قط، والتحريم فى الاختيار والابتداء كما بينا لا فى البقاء والاضطرار، لذا قال - سبحانه -: { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } ولأن الأشهر الحرم نص عليها فى خطبة الوداع وكل ما جاء فيها غير منسوخ".
2 - كذلك من الأحكام التى أخذها العلماء من الآية أن الردة تحبط العمل فى الدنيا سواء أمات المرتد على كفره أم عاد إلى الإِسلام قبل موته بدليل قوله - تعالى - فى آية أخرى
{ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } فقد علق الحبوط بمجرد الشرك، والخطاب وإن كان للنبى صلى الله عليه وسلم فالمراد أمته لاستحالة الشرك عليه. وعلى هذا الرأى سار المالكية والأحناف.
ويرى الشافعية أن الردة تحبط العمل فى الدنيا متى مات المرتد كافراً، لأن الآية تقول: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ويظهر أثر الخلاف فيمن حج مسلما، ثم أرتد ثم أسلم، فالأحناف والمالكية يوجبون عليه إعادة الحج لأن الردة أحبطت حجه. والشافعية يقولون: لا حج عليه لأن حجه قد سبق والردة لا تحبط العمل إلا إذا مات الشخص كافراً.
ولكل فريق أدلته المبسوطة فى كتب الفقه.
وبعد أن بين - سبحانه - عاقبة من يرتد عن دينه أتبع ذلك ببيان عاقبة المؤمنين الصادقين فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلۤـٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قال الإِمام الرازى: فى تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان:
الأول: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله: هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا، فهل نطمع منه أجراً وثواباً؟ فنزلت الآية، لأن عبد الله كان مؤمناً وكان مهاجراً، وكان مجاهداً بسبب هذه المقاتلة.
وفى الثانى: أنه تعالى لما أوجب الجهاد قبل بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به وجزاؤه فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد".
والمعنى: إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، واستقاموا على طريق الحق، وأذعنوا لحكمه، واستجابوا لأوامر الله ونواهيه: {وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} أى: تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل نصرة دينهم: {وَجَاهَدُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ} لإِعلاء كلمته {أُوْلۤـٰئِكَ} الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة {يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ}. أى: يؤملون تعلق رحمته - تعالى - بهم، أو ثوابه على أعمالهم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أى: واسع المغفرة للتائبين المستغفرين، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين.
قال القرطبى: "والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع، والقصد ترك الأول إيثارا للثانى. والهجرة ضد الوصل، والاسم الهجرة. وجاهد مفاعله من جهد إذا استخرج الجهد. والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود، والجهاد - بالفتح - الأرض الصلبة.
وإنما قال {يَرْجُونَ} وقد مدحهم، لأنه لا يعلم أحد فى هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ فى طاعة الله كل مبلغ لأمرين:
أحدهما: أنه لا يدرى بماذا ختم له.
والثانى: لئلا يتكل على عمله، والرجاء أبداً معه خوف كما أن الخوف معه رجاء".
وجىء بهذه الأوصاف الثلاثة مترتبة على حسب الواقع إذ الإِيمان يكون أولا ثم المهاجرة من أرض الظالمين إذا لم يستطع دفع ظلمهم، ثم الجهاد من أجل إعلاء كلمة الحق.
وأفرد الإِيمان بموصول وحده لأنه أصل الهجرة والجهاد، وجمع الهجرة والجهاد فى موصول واحد لأنهما فرعان عنه.
وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد دعت المؤمنين إلى بذل أموالهم وأنفسهم فى سبيل نصرة الحق بأحكم أسلوب، وبرأتهم مما أثاره المشركون حولهم من شبهات، وحذرتهم من السير فى طريقهم، وبشرتهم بحسن العاقبة متى استجابوا لتعاليم دينهم، واعتصموا بحبله.
وبعد هذا الحديث الجامع عن البذل والتضحية، ساق القرآن فى آيتين ثلاثة أسئلة وأجاب عنها بما يشفى الصدور، ويصلح النفوس.
فقال تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ...وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.