التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
٨٤
ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
٨٥
أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
٨٦
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

بعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الله - تعالى - قد أخذ على بنى إسرائيل عهداً بأن يعبدوه ويؤدوا فرائض الله، إلا أنهم نقضوا هذا العهد وتولوا عنه سوى قليل منهم بعد ذلك بين فى هذه الآيات الكريمة أنه - سبحانه - أخذ عليهم عهداً آخر ولكنهم نقضوه كما هو دأبهم.
وملخص هذا العهد الذى ذكرته الآيات الكريمة، أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق ألا يقتل بعضهم بعضاً، وألا يخرج بعضهم بعضاً من داره، وأنهم إذا وجدوا أسيراً منهم فى يد غيرهم فإن عليهم أن يبذلوا أموالهم لفدائه من الأسر، وتخليصه من أيدى أعدائهم، ثم لما نشبت الحرب بين قبيلتى الأوس والخزرج، انضمت قبيلة بنى قريظة إلى الأوس، وانضمت قبيلة بنى قينقاع وبنى النضير إلى الخزرج، وصارت كل طائفة من طوائف اليهود تقاتل بجانب أبناء ملتهم المنضمين إلى حلفائهم الآخرين فإذا وضعت الحرب أوزارها، بذل جميع اليهود أموالهم لتخليص الأسرى من أعدائهم كما أمرهم - تعالى - وبهذا يكونون قد آمنوا ببعض الكتاب وهو بذل الفداء لتخليص الأسرى، وكفروا ببعضه وهو تحريم سفك دماء إخوانهم وإخراجهم من ديارهم، ويحكى التاريخ أن العرب كانوا يعيرونهم فيقولون لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم؟ فكان اليهود يقولون: قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحى أن نخذل حلفاءنا وقد أمرنا أن نفتدى أسرانا.
وقد توعدهم - سبحانه - بالخزى فى الدنيا والآخرة، جزاء نقضهم لعهوده، وتفريقهم بين أحكامه.
والمعنى الإِجمالى للآيات الكريمة: واذكروا - أيضاً - يا بنى إسرائيل وقت أن أخذنا عليكم العهد، وأوصيناكم فيه بألا يتعرض بعضكم لبعض بالقتل، وبألا يخرج بعضكم بعضاً من مساكنهم، ثم أقررتم وأنتم تشهدون على الوفاء بهذا العهد، والالتزام بما جاء فيه، ثم أنتم هؤلاء - يا معشر اليهود - بعد إقراركم بالميثاق، وبعد شهادتكم المؤكدة على أنفسكم بأنكم قد قبلتموه، خرجتم على تعاليم التوراة، فنقضتم عهودكم، وأراق بعضكم دماء بعض، وأخرجتم إخوانكم فى الملة والدم من ديارهم ظلماً وعدواناً، وتعاونتم على قتلهم وإخراجهم مع من ليسوا من ملتكم أو قرابتكم، ومع ذلك فإذا وقع إخوانكم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم فى الأسر فاديتموهم، فلم لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها فى مفاداتهم؟ وكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى فى أيدى عدوهم؟ إن هذا التفريق بين أحكام الله جزاء فاعله الهوان فى الدنيا. والعذاب الدائم فى الأخرى، وما الله بغافل عما تعملون. ولا شك أن أولئك اليهود الذين نقضوا عهودهم، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، قد باعوا دينهم بدنياهم، فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون.
وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} معناه: اذكروا حين أخذنا العهد عليكم يا بنى إسرائيل ألا يسفك أحد منكم دم غيره، وألا يخرجه من دياره. على حد قوله:
{ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } أى فليسلم بعضكم على بعض.
وفائدة هذا التعبير، التنبيه إلى أن الأمة المتواصلة بالدين، يجب أن يكون شعورها بالوحدة قوياً وعميقاً، بحيث يكون قتل الرجل لغيره قتلا لنفسه، وإخراجه له من داره إخراجاً لها.
قال صاحب المنار: (وقد أورد - سبحانه - النهى عن سفك بعضهم دم بعض، وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم، بعبارة تؤكد وحدة الأمة، وتحدث فى النفس أثراً شريفاً، يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر فقال تعالى:
{لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده، وقال تعالى: {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} على هذا النسق، وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن الكريم.
وقوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} تسجيل عليهم بأنهم قد قبلوا العمل بالميثاق والتزموا به، إذ المعنى. ثم اعترفتم بهذا الميثاق - أيها اليهود - ولم تنكروه، فكان من الواجب عليكم أن تفوا به، فماذا كان موقفهم بعد هذا الاقرار والإِشهاد؟
لقد بين القرآن الكريم بعد ذلك بأنهم نقضوا عهودهم، وارتكبوا ما نهوا عن ارتكابه، فقال تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ...} أى: ثم أنتم - يا معشر اليهود - بعد اعترافكم بالميثاق، والتزامكم به، نقضتم عهودكم، وارتكبتم فى حق إخوانكم ما نهيتم عنه، من القتل والإِخراج، وفعلتم ما لا يليق بالعقلاء، ومن يحترم المواثيق.
ولما كان قتل بعضهم لبعض، وإخراجهم من أماكنهم يحتاج إلى قوة وغلبة، بين - سبحانه - أنهم يرتكبون ذلك وهم متعاونون عليه بالشرور ومجازوة الحدود، فقال تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} تظاهرون: من التظاهر وهو التعاون، وأصله من الظهر، كأن المتعاونين يسند كل واحد منهم ظهره إلى الآخر. والمعنى: تتعاونون على قتل إخوانكم وإخراجهم من ديارهم مع من ليسوا من أقاربكم وليسوا من دينكم، وأنتم مرتكبون ذلك الإِثم والعدوان.
وقوله تعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} بيان لتناقضهم وتفريقهم لأحكام الله تعالى.
وأُسارى: جمع أسير بمعنى مأسور، وهو من يؤخذ على سبيل القهر فيشد بالإِسار وهو القد - بكسر القاف -، والقد: سير يقد من جلد غير مدبوغ. وتفادوهم: تنقذوهم من الأسر بالفداء، يقال: فاداه وفداه: أعطى فداءه فأنقذه.
أى: أنتم - يا معشر اليهود - إن وجدتم الذين قاتلتموهم وأخرجتموهم من ديارهم أسرى تسعون فى فكاكهم، وتبذلون عرضاً لإِطلاقهم، والشأن أن قتلهم وإخراجهم محرم عليكم كتركهم أسرى فى أيدى أعدائكم، فلماذا لم تتبعوا حكم التوراة فى النهى عن قتالهم وإخراجهم كما اتبعتم حكمها فى مفاداتهم؟
وصدرت الجملة الكريمة "وهو محرم عليكم إخراجهم" بضمير الشأن للاهتمام بها. والعناية بشأنها، وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم، وليس خافياً عليهم.
وقوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} توبيخ وتقريع لهم على تفريقهم بين أحكام الله.
والمعنى: أفتتبعون أحكام كتابكم فى فداء الأسرى، ولا تتبعونها فى نهيكم عن قتال إخوانكم وإخراجهم من ديارهم؟ فالاستفهام للإِنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه - تعالى - بالإِيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر.
وبعض الكتاب الذى آمنوا به هو ما حرم عليهم من ترك الأسرى فى أيدى عدوهم، وبعضه الذى كفروا به ما حرم عليهم من القتل والإِخراج من الديار، فالإِنكار منصب على جمعهم بين الكفر والإِيمان.
قال فضيلة المرحوم للشيخ محمد الخضر حسين: "وإنما سمى - سبحانه - عصيانهم بالقتل والإِخراج من الديار كفراً؛ لأن من عصى أمر الله - تعالى - بحكم عملى معتقداً أن الحكمة والصلاح فيما فعله، بحيث يتعاطاه دون أن يكون فى قلبه أثر من التحرج، ودون أن يأخذه ندم وحزن من أجل ما ارتكب. فقد خرج بهذه الحالة النفسية عن سبيل المؤمنين، وفى الآية الكريمة دليل واضح على أن الذى يؤمن ببعض ما تقرر فى الدين بالدليل القاطع ويكفر ببعضه، يدخل فى زمرة الكافرين لأن الإِيمان كل لا يتجزأ".
ثم بين - سبحانه - العقاب الدنيوى والأخروى الذى استحقه أولئك المفرقون لأحكمه فقال تعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فى ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.
اسم الإِشارة (ذلك) مشار به إلى القتل والإِخراج من الديار، اللذين نقضوا بهما عهد الله بغياً وكفراً والخزى فى الدنيا هو الهوان والمقت والعقوبة ومن مظاهره: ما لحق اليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء بنى فينقاع والنضير عن ديارهم، وقتل بنى قريظة وفتح خيبر، وما لحقهم بعد ذلك من هوان وصغار، وتلك سنة الله فى كل أمة لا تتمسك بدينها ولا تربط شئونها بأحكام شريعتها وآدابها.
ولما كان البعض قد يتوهم أن خزيهم فى الدنيا قد يكون سبباً فى تخفيف العذاب عنهم فى الأخرى، نفى - سبحانه - هذا التوهم، وبين أنهم يوم القيامة سيصيرون إلى ما هو أشد منه. لأن الله - تعالى - ليس ساهياً عن أعمالهم حتى يترك مجازاتهم عليها.
فالمراد من نفى الغفلة نفى ما يتسبب عنها من ترك المجازاة لهم على شرورهم.
وفى ذلك دليل على أن الله - تعالى - يعاقب الحائدين عن طريقه المستقيم، بعقوبات فى الدنيا، وفى الآخرة، جزاء طغيانهم، وإصرارهم على السيئات.
ثم أكد - سبحانه - هذا الوعيد الشديد وبين علته فقال تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}.
والمعنى: أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام الله، وباعوا دينهم بدنياهم، وآثروا متاع الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب الله فلا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة، ولا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا.
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض، فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين.
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بلون آخر من ألوان جناياتهم، فقال تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا...فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}.