التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ
٧٧
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ
٧٨
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ
٧٩
يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ
٨٠
كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ
٨١
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ
٨٢
-طه

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الآلوسى ما ملخصه: وقوله - سبحانه -: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي...} حكاية إجمالية لما انتهى إليه أمر فرعون وقومه، وقد طوى - سبحانه - ذكر ما جرى عليهم بعد أن تغلب موسى على السحرة.. وبعد أن مكث موسى يبلغهم دعوة الله - تعالى - مدة طويلة ويطلب منهم إرسال بنى إسرائيل معه".
وصدرت الاية الكريمة باللام الموطئة للقسم وبقد تأكيدا لهذا الإيحاء، وتقريرا له ...
أى: والله لقد أوحينا إلى عبدنا موسى - عليه السلام - وقلنا له: سر بعبادى من بنى إسرائيل فى أول الليل متجها بهم من مصر إلى البحر الأحمر فإذا ما وصلت إليه، {فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً}.
أى: فاجعل لهم طريقا فى البحر يابسا، فالضرب هنا بمعنى الجعل كما فى قولهم: ضرب له فى ماله سهما. إذا جعل له سهما.
والمراد بالطريق جنسه فإن الطرق التى حدثت بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر. كانت اثنى عشر طريقا بعدد أسباط بنى إسرائيل.
وعبر - سبحانه - عن بنى إسرائيل الذين خرجوا مع موسى بعنوان العبودية لله - تعالى - للإشعار بعطفه - عز وجل - عليهم ورحمته بهم، وللتنبيه على طغيان فرعون حيث استعبد واستذل عبادا للخالق - سبحانه - وجعلهم عبيدا له..
قال الجمل: "وقوله {يَبَساً} صفة لقوله {طَرِيقاً} وصف به لما يؤول إليه، لأنه لم يكن يبسا بعد. وإنما مرت عليه الصبا فجففته. وقيل: هو فى الأصل مصدر وصف به للمبالغة، أو على حذف مضاف، أو جميع يابس كخادم وخدم وصف به الواحد مبالغة".
وقوله - سبحانه -: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} تذييل قصد به تثبيت فؤاد موسى - عليه السلام - وإدخال الطمأنينة على قلبه.
والدرك: اسم مصدر بمعنى الإدراك. والجملة فى محل نصب على الحال من فاعل "اضرب".
أى: اضرب لهم طريقا فى البحر يابسا، حالة كونك غير خائف من أن يدركك فرعون وجنوده من الخلف، وغير وجل من أن يغرقكم البحر من أمامكم.
فالآية الكريمة قد اشتملت على كل ما من شأنه أن يغرس الأمان والاطمئنان فى قلب موسى ومن معه.
ثم بين - سبحانه - موقف فرعون بعد أن علم بأن موسى قد خرج بقومه من مصر فقال - تعالى -: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}.
أى: وبعد أن علم فرعون بخروج موسى وبنى إسرائيل من مصر، جمع جنوده وأسرع فى طلب موسى ومن معه، فكانت نتيجة ذلك، أن أغرق الله - تعالى - فرعون وجنوده فى البحر. وأهلكهم عن آخرهم...
والتعبير بالاسم المبهم الذى هو الموصول فى قوله {فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} يدل على تعظيم ما غشيهم وتهويله، أى: فعلاهم وغمرهم من ماء البحر ما لا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - بحيث صاروا جميعا فى طيات أمواجه.
ونظيره قوله - تعالى -:
{ إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ } وقوله: { فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى -: {مَا غَشِيَهُمْ} من باب الاختصار ومن جوامع الكلم التى تستقل مع قلتها بالمعانى الكثيرة. أى: غشيهم مالا يعلم كنهه إلا الله - تعالى - وقرىء فغشاهم من اليم ما غشاهم، والتغشية: التغطية....
وقوله - سبحانه -: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} بيان لحال فرعون قبل أن يهلكه الله - تعالى - بالغرق.
أى: وأضل فرعون فى حياته قومه عن طريق الحق، وما هداهم إليها وإنما هداهم إلى طريق الغى والباطل، فكانت عاقبتهم جميعا الاستئصال والدمار.
وما اشتملت عليه الآيتان من إجمال بالنسبة لتلك الأحداث، قد جاء مفصلا فى آيات أخرى ومن ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء:
{ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } ثم ذكر - سبحانه - بنى إسرائيل بنعمه عليهم فقال: {يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ} فرعون وجنده، بأن أغرقناهم أمام أعينكم وأنتم تنظرون إليهم، بعد أن كانوا يسومونكم سوء العذاب.
{وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} أى: وواعدنا نبيكم موسى فى هذا المكان لإعطائه التوراة لهدايتكم وإصلاح شأنكم، وهذا الوعد هو المشار إليه بقوله - تعالى -:
{ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } قال صاحب الكشاف: ذكرهم النعمة فى نجاتهم وهلاك عدوهم، وفيما واعد موسى من المناجاة بجانب الطور، وكتب التوراة فى الألواح. وإنما عدى المواعدة إليهم لأنها لابستهم واتصلت بهم حيث كانت لنبيهم ونقبائهم، وإليهم رجعت منافعها التى قام بها دينهم وشرعهم وفيما أفاض عليهم من سائر نعمه وأرزاقه...
وقال القرطبى ما ملخصه: وقوله: {جَانِبَ} نصب على المفعول الثانى لقوله واعدنا..
و {ٱلأَيْمَنَ} نصب لأنه نعت للجانب، إذ ليس للجبل يمين ولا شمال.
وتقدير الآية: وواعدناكم إتيان جانب الطور ثم حذف المضاف. أى: أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه ليكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام وقيل: وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتى جانب الطور الأيمن فيؤتيه التوراة، فالوعد كان لموسى، ولكن خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم...
وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} نعمة ثالثة من نعمه - سبحانه - عليهم.
والمن: مادة حلوة لزجة تشبه العسل كانت تسقط على الشجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
والسلوى: طائر لذيذ الطعم، يشبه الطائر الذى يسمى السمانى، كانوا يأخذونه ويتلذذون بأكله.
وقيل: هما كناية عما أنعم الله به عليهم، وهما شىء واحد، سمى أحدهما "منا" لامتنان الله - تعالى - عليهم، وسمى الثانى "سلوى" لتسليتهم به.
أى: ونزلنا عليكم بفضلنا ورحمتنا وأنتم فى التيه تلك المنافع والخيرات التى تأخذونها من غير كد أو تعب.
والأمر فى قوله - سبحانه - {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} للإباحة، والجملة مقول لقول محذوف. أى: وقلنا لهم كلوا من طيبات ما رزقناكم من المن والسلوى، ومن غيرهما من اللذائذ التى أحلها الله لكم.
وقوله - تعالى -: {وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} تحذير لهم من تجاوز الحدود التى شرعها الله - تعالى - لهم، إذ الطغيان مجاوزة الحد فى كل شىء.
والضمير فى قوله {فِيهِ} يعود إلى الموصول الذى هو {مَا} فى قوله: {مَا رَزَقْنَاكُمْ} ويحل - بكسر الحاء - بمعنى يجب. يقال: حل أمر الله على فلان يحل حلالا بمعنى وجب.
وقرأ الكسائى {فَيَحُلَّ} بضم الحاء بمعنى ينزل يقال: حل فلان بالمكان يحل - بالضم حلولا، إذا نزل به.
والمعنى: كلوا يا بنى إسرائيل من الطيبات التى رزقكم الله إياها واشكروه عليها، ولا تتجاوزوا فيما رزقناكم الحدود التى شرعناها لكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك حق عليكم غضبى، ونزل بكم عقابى، ومن حق عليه غضبى ونزل به عقابى {فَقَدْ هَوَىٰ} أى: إلى النار.
وأصله السقوط من مكان مرتفع كجبل ونحوه. يقال: هوى فلان - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا سقط إلى أسفل، ثم استعمل فى الهلاك للزومه له.
ثم فتح - سبحانه - باب الأمل لعباده فقال: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ} أى: لكثير المغفرة {لِّمَن تَابَ} من الشرك والمعاصى {وَآمَنَ} بكل ما يجب الإيمان به {وَعَمِلَ صَالِحَاً} أى: وعمل عملا مستقيما يرضى الله - تعالى -. {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} أى: ثم واظب على ذلك، وداوم على استقامته وصلاحه إلى أن لقى الله - تعالى -.
وثم فى قوله {ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} للتراخى النسبى، إذ أن هناك فرقا كبيرا بين من يتوب إلى الله - تعالى - ويقدم العمل الصالح، ويستمر على ذلك إلى أن يلقى الله - تعالى - وبين من لا يداوم على ذلك.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن فتنة قوم موسى - عليه السلام - بعد أن ذهب لمناجاة ربه، وكيف انقادوا لخديعة السامرى لهم.. فقال - تعالى -: {وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ...}.