التفاسير

< >
عرض

وَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ
٩٣
فَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ
٩٤
وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ
٩٥
حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ
٩٦
وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ
٩٧
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ
٩٨
لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ
٩٩
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ
١٠٠
-الأنبياء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والضمير فى قوله - تعالى -: {وَتَقَطَّعُوۤاْ..} يعود للناس الذى تفرقوا فى شأن الدين شيعا وأحزابا. أى: وافترق الناس فى شأن الدين الحق فرقا متعددة، وسنحاسبهم جميعا على أعمالهم حسابا دقيقا، يجازى فيه المحسن خيرا، ويعاقب فيه المسىء على إساءته.
وقال - سبحانه -: {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} بالنفى المفيد للعموم، لبيان كمال عدالته - تعالى - وتنزيهه - عز وجل - عن ظلم أحد، أو أخذ شىء مما يستحقه.
وعبر عن العمل بالسعى، لإِظهار الاعتداد به، وأن صاحب هذا العمل الصالح، قد بذل فيه جهدا مشكورا، وسعى من أجل الحصول عليه سعيا بذل فيه طاقته.
ثم أكد - سبحانه - بعد ذلك ما سبق أن قرره من أن الكل سيرجعون إليه للحساب، فقال: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}.
وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال منها:
أن المعنى: وحرام - أى: وممتنع امتناعا تاما - على قرية أهلكنا أهلها بسبب فسوقهم عن أمرنا، وتكذيبهم لرسلنا أنهم لا يرجعون إلينا فى الآخرة للحساب.
فالآية الكريمة تأكيد لما قررته الآيات السابقة، من أن الذين تقطعوا أمرهم بينهم، والذين آمنوا وعملوا صالحا فى دنياهم، الكل سيرجعون إلى الله - تعالى - ليجازيهم بما يستحقون يوم القيامة.
وقد أكدت الآية الكريمة ورجوعهم إليه - تعالى - يوم القيامة بأسلوب بديع، حيث نفت عن الأذهان ما قد يتبادر من أن هلاك الكافرين بالعذاب فى الدنيا، قد ينجيهم من الحساب والعقاب يوم القيامة، وأثبتت أن الرجوع يوم القيامة للحساب مؤكد.
قال صاحب فتح القدير: {وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ..} قرأ أهل المدينة "حرام"، وقرأ أهل الكوفة "وحرم" - بكسر الحاء وإسكان الراء - وهما لغتان مثل: حلال وحل.
ومعنى {أَهْلَكْنَاهَآ}: قدرنا إهلاكها. وجملة {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} فى محل رفع مبتدأ، وقوله: "حرام" خبرها.. والمعنى: وممتنع ألبتة عدم رجوعها إلينا للجزاء...
وقال بعض العلماء: "وجعل أبو مسلم هذه الآية من تتمة ما قبلها و "لا" فيها على بابها. وهى مع لفظ "حرام" من قبيل نفى النفى. فيدل على الإِثبات، والمعنى: وحرام على القرية المهلكة. عدم رجوعها إلى الآخرة، بل واجب رجوعها للجزاء، فيكون الغرض إبطال قول من ينكر البعث. وتحقيق ما تقدم من أنه لا كفران لسعى أحد وأنه - سبحانه - سيحييه وبعمله يجزيه.
ومنهم من يرى أن "لا" زائدة، وأن المراد بالرجوع رجوع الهالكين إلى الدنيا فيكون المعنى: وحرام على أهل قرية أهلكناهم بسبب كفرهم ومعاصيهم، أن يرجعوا إلى الدنيا مرة أخرى بعد هلاكهم.
ومنهم من يرى أن المراد بقوله - تعالى - {أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أى: لا يرجعون إلى التوبة أو إلى الإِيمان.
قال صاحب الكشاف: استعير الحرام للممتنع وجوده، ومنه قوله - تعالى -:
{ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } أى. منعهما منهم .. ومعنى الرجوع: الرجوع من الكفر إلى الإِسلام والإِنابة، ومجاز الآية: إن قوما عزم الله - تعالى - على إهلاكهم غير متصور أن يرجعوا وينيبوا إلى أن تقوم القيامة...
ويبدو لنا أن القول الأول هو أقرب إلى الصواب، لأنه هو المتبادر من ظاهر الآية، ولأنه هو المستقيم مع سياق الآيات، ولأنه بعيد عن التكلف إذ أن الآية الكريمة واضحة فى بيان أن حكمة الله قد اقتضت أن يرجع المهلكون فى الدنيا بسبب كفرهم ومعاصيهم إلى الحياة يوم القيامة ليحاسبوا على أعمالهم كما قال - تعالى -:
{ قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } ولعل مما يؤيد هذا الرأى قوله - تعالى - بعد ذلك: {حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ..}.
فإن حتى هنا ابتدائية، وما بعدها غاية لما يدل عليه ما قبلها، فكأنه قيل: إن هؤلاء المهلكين ممتنع ألبتة عدم رجوعهم إلينا وإنما هم سيستمرون على هلاكهم حتى تقوم الساعة فيرجعوا إلينا للحساب، ويقولوا عند مشاهدته: يا ويلنا قد كنا فى غفلة من هذا.
ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان لقبيلتين من الناس، قيل: مأخوذان من الأوجة وهى الاختلاط أو شدة الحر، وقيل من الأوج وهو سرعى الجرى.
والمراد بفتحهما: فتح السد الذى على هاتين القبيلتين، والذى يحول بينهم وبين الاختلاط بغيرهم من بقية الناس.
{وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} والحدب: المرتفع من الأرض كالجبل ونحوه.
و {يَنسِلُونَ} من النسل - بإسكان السين - وهو مقاربة الخطو مع الإِسراع فى السير، يقال: نسل الرجل فى مشيته إذا أسرع، وفعله من باب قعد وضرب.
أى: وهم - أى يأجوج ومأجوج من كل مرتفع من الأرض يسرعون السير إلى المحشر، أو إلى الأماكن التى يوجههم الله - تعالى - إليها، و قيل إن الضمير "هم" يعود إلى الناس المسوقين إلى أرض المحشر.
وقوله: {وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ..} معطوف على {فُتِحَتْ} أى: فتح السد الذى كان على يأجوج ومأجوج، وقرب موعد الحساب والجزاء.
قال الآلوسى: وهو ما بعد النفخة الثانية لا النفخة الأولى. وهذا الفتح لسد يأجوج ومأجوج يكون فى زمن نزول عيسى من السماء، وبعد قتله الدجال.
فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه من حديث طويل: إن الله - تعالى - يوحى إلى عيسى بعد أن يقتل الدجال: أنى قد أخرجت عبادا من عبادى، لا يدان لك بقتالهم، فحرز عبادى إلى الطور، فيبعث الله - تعالى - يأجوج ومأجوج وهم كما قال - سبحانه - {مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ} ثم يرسل الله عليهم نغفا - فى رقابهم فيصبحون موتى كموت نفس واحدة".
وقوله: فإذا هى شاخصة أبصار الذين كفروا.. جواب للشرط وهو قوله: تعالى - قبل ذلك {إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ}.
والضمير "هى" للقصة والشأن. و "إذا" للمفاجأة.
قال الجمل: قوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ..} فيه وجهان: أحدهما - وهو الأجود - أن يكون هى ضمير القصة. وشاخصة: خبر مقدم. وأبصار: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر لهى لأنها لا تفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها..".
والمعنى: لقد تحقق ما أخبرنا به من أمارات الساعة، ومن خروج يأجوج ومأجوج، ومن عودة الخلق إلينا للحساب.. ورأى المشركون كل ذلك، فإذا بأبصارهم مرتفعة الأجفان لا تكاد تطرف من شدة الهول والفزع.
يقال: شخص بصر فلان يشخص شخوصا فهو شاخص، إذا فتح عينيه وصار لا يستطيع تحريكهما.
وقوله: {يٰوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا} مقول لقول محذوف.
أى: أن هؤلاء الكافرين يقولون وهم شاخصو البصر: يا هلاكنا أقبل فهذا أوانك، فإننا قد كنا فى الدنيا فى غفلة تامة عن هذا اليوم الذى أحضرنا فيه للحساب.
وقوله: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} إضراب عن وصف أنفسهم بالغفلة، إلى وصفها بالظلم وتجاوز الحدود.
أى: لم نكن فى الحقيقة فى غفلة عن هذا اليوم وأهواله، فقد أخبرنا رسلنا به، بل الحقيقة أننا كنا ظالمين لهؤلاء الرسل لأننا لم نطعمهم، وكنا ظالمين لأنفسنا حيث عرضناها لهذا العذاب الأليم.
وهكذا يظهر الكافرون الندامة والحسرة فى يوم لا ينفعهم فيه ذلك.
وقوله - سبحانه -: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ..} زيادة فى تقريعهم وتوبيخهم.
والحَصَب - بفتحتين - ما تحصب به النار. أى: يلقى فيها لتزداد به اشتعالا كالحطب والخشب.
أى: إنكم - أيها الكافرون - وأصنامكم التى تعبدونها من دون الله - تعالى - وقود جهنم، وزادها الذى تزداد به اشتعالا.
وفى إلقاء أصنامهم معهم فى النار مع أنها لا تعقل، زيادة فى حسرتهم وتبكيتهم، حيث رأوا بأعينهم مصير ما كانوا يتوهمون من ورائه المنفعة.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قرنوا بآلهتهم؟ قلت: لأنهم لا يزالون لمقارنتهم فى زيادة غم وحسرة، حيث أصابهم ما أصابهم بسببهم، النظر إلى وجه العدو باب من العذاب، ولأنهم قدروا أنهم يستشفعون بهم فى الآخرة، وينتفعون بشفاعتهم، فإذا صادفوا الأمر على عكس ما قدروا، لم يكن شىء أبغض إليهم منهم.
وجملة {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} بدل من {حَصَبُ جَهَنَّمَ}، أو مستأنفة.
أى: أنتم - أيها الكافرون - ومعكم أصنامكم داخلون فى جهنم دخولا لا مفر لكم منه.
وجاء الخطاب بقوله {أَنتُمْ} على سبيل التغليب، وإلا فالجميع داخلون فيها.
ولا يدخل فى هذه الآية ما عبده هؤلاء المشركون من الأنبياء والصالحين كعيسى والعزيز والملائكة، فإن عبادتهم لهم كانت عن جهل وضلال منهم، فإن هؤلاء الأخيار ما أمروهم بذلك، وإنما أمروهم بعبادة الله - تعالى - وحده.
ثم أقام - سبحانه - لهؤلاء الكافرين الأدلة على بطلان عبادتهم لغيره فقال: {لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا}.
أى: لو كان هؤلاء الأصنام المعبودون من دون الله آلهة حقا - كما زعمتم أيها الكافرون - ما ألقى بهم فى النار، وما قذفوا فيها كما يقذف الحطب، وحيث تبين لكم دخولهم إياه، فقد ثبت بطلان عبادتكم لها، وأن هذه الآلهة المزعومة لا تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها.
وقوله {وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} تذييل مقرر لما قبله. أى: وكل من العابدين والمعبودين باقون فى هذه النار على سبيل الخلود الأبدى.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان حال الكافرين فى جهنم فقال: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ}.
أى: لهم فيها تنفس شديد يخرج من أقصى أفواههم بصعوبة وعسر، كما هو شأن المغموم المحزون. وأصل الزفير: تردد النفس حتى تنتفخ منه الضلوع.
{وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} أى: وهم فى جهنم لا يسمعون ما يريحهم، وإنما يسمعون ما فيه توبيخهم وعذابهم، أو: وهم فيها لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة ما هم فيه من هول وخوف.
وبعد هذا الحديث الذى ترتجف له القلوب.. أتبع القرآن ذلك بحديث آخر تسر له النفوس، وتنشرح له الصدور، فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ...}.