التفاسير

< >
عرض

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٢
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ
٥٣
وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٥٤
-الحج

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة، ظنا منهم أن مشركى قريش قد أسلموا.
ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.
ثم قال -رحمه الله -: قال ابن أبى حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة سورة النجم، فلما بلغ هذا الموضع:
{ أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } قال: فألقى الشيطان على لسانه: "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن ترتجى".
قالوا: - أى المشركون -: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ..}.
وجمع - سبحانه - بين الرسول والنبى، لأن المقصود بالرسول من بعث بكتاب، وبالنبى من بعث بغير كتاب، أو المقصود بالرسول من بعث بشرع جديد، وبالنبى من بعث لتقرير شرع من قبله.
ولفظ {تَمَنَّىٰ} هنا: فسره العلماء بتفسيرين:
أولهما: أنه من التَّمَنِّى، بمعنى محبة الشىء، وشدة الرغبة فى الحصول عليه، ومفعول "ألقى" محذوف والمراد بإلقاء الشيطان فى أمنيته: محاولته صرف الناس عن دعوة الحق، عن طريق إلقاء الأباطيل فى نفوسهم، وتثبيتهم على ما هم فيه من ضلال.
والمعنى: وما أرسلنا من قبلك - يا محمد - من رسول ولا نبى، إلا إذا تمنى هداية قومه إلى الدين الحق الذى جاءهم به من عند ربه، ألقى الشيطان الوساوس والشبهات فى طريق أمنيته لكى لا تتحقق هذه الأمنية، بأن يوهم الشيطان الناس بأن هذا الرسول أو النبى ساحر أو مجنون، أو غير ذلك من الصفات القبيحة التى برأ الله - تعالى - منها رسله وأنبياءه.
قال - تعالى -:
{ كَذَلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } والآية الكريمة على هذا التفسير واضحة المعنى، ويؤيدها الواقع، إذ أن كل رسول أو نبى بعثه الله - تعالى - كان حريصا على هداية قومه، وكان يتمنى أن يؤمنوا جميعا، بل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كاد يهلك نفسه هما وغما بسبب إصرار قومه على الكفر.
قال - تعالى -:
{ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } إلا أن قوم كل رسول أو نبى منهم من آمن به. ومنهم من أعرض عنه بسبب إغراء الشيطان لهم، وإيهامهم بأن ما هم عليه من ضلال هو عين الهدى.
وإلى هذا التفسير أشار صاحب الكشاف بقوله: "قوله - تعالى -: {مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ} دليل بين على تغاير الرسول والنبى. والفرق بينهما أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه والنبى غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله.
والسبب فى نزول هذه الآية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أعرض عنه قومه وشاقوه، وخالفته عشيرته ولم يشايعوه فى ما جاء به: تمنى لفرط ضجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم.
أما التفسير الثانى للفظ {تَمَنَّىٰ} فهو أنه بمعنى قرأ وتلا. ومنه قول حسان بن ثابت، فى رثاء عثمان بن عفان رضى الله عنه:

تمنى كتاب الله أول لَيْلِهِوآخره لاقى حمام المقادر

أى: قرأ وتلا كتاب الله فى أول الليل. وفى آخر الليل وافاه أجله.
ومفعول {أَلْقَى} على هذا المعنى محذوف - أيضا - والمراد بما يلقيه الشيطان فى قراءته: ما يلقيه فى معناها من أكاذيب وأباطيل، ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه الرسول وما يتلوه، وليس المراد أنه يلقى فيها ما ليس منها بالزيادة أو بالنقص، فإن ذلك محال بالنسبة لكتاب الله - تعالى - الذى تكفل - سبحانه - بحفظه فقال:
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } والمعنى: وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - من رسول ولا نبى إلا إذا قرأ شيئا مما أنزلناه عليه، القى الشيطان فى معنى قراءته الشبه والأباطيل، ليصد الناس عن اتباع ما يتلوه عليهم هذا الرسول أو النبى.
قال الآلوسى -رحمه الله -: والمعنى: وما أرسلنا من قبلك رسولا ولا نبيا، إلا وحاله أنه إذا قرأ شيئا من الآيات، ألقى الشيطان الشبه والتخيلات فيما يقرؤه على أوليائه، ليجادلوه بالباطل، ويردوا ما جاء به، كما قال - تعالى -:
{ ... وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ.. } وقال - سبحانه -: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً.. } وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ } ): إن محمدا يحل ذبيحة نفسه ويحرم ما ذبحه الله. وكقولهم عند سماع قراءته لقوله - تعالى - { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.. } إن عيسى قد عبد من دون الله، وكذلك الملائكة قد عبدوا من دون الله..
والآية الكريمة {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} على هذا التفسير - أيضا - واضحة المعنى، إذا المراد بما يلقيه الشيطان فى قراءة الرسول أو النبى، تلك الشبه والأباطيل التى يلقيها فى عقول الضالين، فيجعلهم يؤولونها تأويلا سقيما ويفهمونها فهما خاطئا.
وقوله - تعالى -: {فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} بيان لسنته - سبحانه - التى لا تتخلف فى إحقاق الحق. وإبطال الباطل.
وقوله {فَيَنسَخُ} من النسخ بمعنى الإِزالة. يقال: نسخت الشمس الظل إذا أزالته.
أى: فيزيل - سبحانه - بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان فى القلوب التى شاء الله - تعالى - لها الإِيمان والثبات على الحق ثم يحكم - سبحانه - آياته بأن يجعلها متقنة، لا تقبل الرد، ولا تحتمل الشك فى كونها من عند - عز وجل - والله عليم بجميع شئون خلقه، حكيم فى كل أقواله وأفعاله وتصرفاته.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الحكمة فى إلقاء الشيطان لشبهه وضلالته هى امتحان الناس فقال: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ...}.
أى: فعل ما فعل - سبحانه - ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه فى القلوب فتنة واختبارا وامتحانا، للذين فى قلوبهم مرض، أى: شك وارتياب، وهم المنافقون، وللذين قست قلوبهم، وهم الكافرون المجاهرون بالجحود والعناد.
فقوله - تعالى -: {لِّيَجْعَلَ..} متعلق بـ {أَلْقَى} أى: ألقى الشيطان فى أمنية الرسل والأنبياء ليجعل الله - تعالى - ذلك الإِلقاء فتنة الذين فى قلوبهم مرض.
ومعنى كونه فتنة لهم: أنه سبب لتماديهم فى الضلال، وفى إصرارهم على الفسوق والعصيان.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الفريقين فقال: {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ}، وهم من فى قلوبهم مرض، ومن قست قلوبهم {لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أى لفى خلاف للحق شديد. بسبب نفاقهم وكفرهم.
ثم بين - سبحانه - حكمة أخرى لما فعله الشيطان من إلقاء الشبه والوساوس فى القلوب فقال:
{وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}.
والضمير فى {أَنَّهُ} يعود إلى ما جاء به الرسل والأنبياء من عند ربهم.
أى: وفعل ما فعل - سبحانه - أيضا، ليعلم العلماء من عباده، الذين حبب - سبحانه - إليهم الإِيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أن ما جاء به الرسل والأنبياء هو الحق الثابت من ربك، فيزدادوا إيمانا به {فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} أى: فتخضع وتسكن وتطمئن إليه نفوسهم.
و {وَإِنَّ ٱللَّهَ} - تعالى - {لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} به وصدقوا أنبياءه ورسله {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة.
هذا، وقد أبطل العلماء - قديما وحديثا - قصة الغرانيق، ومن العلماء القدماء الذين تصدوا لهذا الإِبطال الإِمام الفخر الرازى، فقد قال ما ملخصه: قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق، واستدلوا على بطلانها بالقرآن والسنة والمعقول.
أما القرآن فمن وجوه منها قوله - تعالى -:
{ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ } وقوله - سبحانه -: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ } وقوله - عز وجل-: { قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ .. } وأما السنة، فقد قال الإِمام البيهقى: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل وأيضا فقد روى البخارى فى صحيحه أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة "النجم" وسجد فيها المسلمون والمشركون والإِنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق. وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق.
وأما المعقول فمن وجوه منها: أن من جوز على الرسول - صلى الله عليه وسلم - تعظيم الأوثان فقد كفر، لان من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه - صلى الله عليه وسلم - كان نفى الأوثان.
ومنها: أننا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه.. فإنه لا فرق فى العقل بين النقصان عن الوحى وبين الزيادة فيه.
فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإِجمال أن هذه القصة موضوعة. أكثر ما فى الباب أن جمعا من الفسرين ذكرها، لكنهم ما بلغوا حد التواتر. وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة.
وقال بعض العلماء ما ملخصه: اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعا، ودلالة القرآن على بطلانها، لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به، وصرح بعد ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب.
والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإِلقاء على لسانه - صلى الله عليه وسلم - شرعا ولو على سبيل السهو.
والذى يظهر لنا أنه الصواب: هو أن ما يلقيه الشيطان فى قراءة النبى: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر أو أساطير الأولين..
والدليل على هذا المعنى: أن الله - تعالى - بين أن الحكمة فى الإِلقاء المذكور امتحان الخلق، لأنه قال: {لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم...} ثم قال: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ...} فهذا يدل على أن الشيطان يلقى عليهم، أن الذى يقرؤه النبى ليس بحق، فيصدقه الأشقياء، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان فى إلقائه...".
ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيستمرون على شكهم فى القرآن حتى تأتيهم الساعة، وأنه - تعالى - سيحكم بين الناس يوم القيامة، فيجازى الذين أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى. فقال - عز وجل -: {وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}.