التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١١
لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ
١٢
لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ
١٣
وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٤
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ
١٥
وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ
١٦
يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٧
وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
١٨
-النور

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: "هذه الآيات نزلت فى شأن السيدة عائشة - رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين، بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التى غار الله - تعالى - لها ولنبيه صلى الله عليه وسلم فأنزل براءتها صيانة لعرض الرسول صلى الله عليه وسلم.
جاء فى الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. فأقرع بيننا فى غزوة غزاها فخرج سهمى - وكان ذلك فى غزوة بنى المصطلق على الأرجح -، فخرجت مع النبى صلى الله عليه وسلم، وذلك بعدما أُنزل الحجاب، وأنا أُحمل فى هودج وأنزل فيه.
فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش.
فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الراحلة، فلمست صدرى، فإذا عقد لى قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدى فاحتبسنى ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بى، فاحتملوا هودجى، فرحلوه على بعيرى. وهم يحسبون أنى فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا، لم يثقلهن اللحم، فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدى بعد ما سار الجيش. فجئت منزلهم، وليس فيه أحد منهم فيممت منزلى الذى كنت فيه. وظننت أن القوم سيفقدوننى فيرجعون إلى.
فبينا أنا جالسة فى منزلى غلبتنى عيناى فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمى، قد عرَّس - أى تأخر - من وراء الجيش، فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم، فأتانى فعرفنى حين رآنى. وقد كان يرانى قبل أن يُضْرَب علينا الحجاب.
فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفنى. فخمرت وجهى بجلبابى، والله ما كلمنى كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ راحلته، فوطىء على يديها فركبتها، فانطلق يقود بى الراحلة. حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا فى نحو الظهيرة. فهلك من هلك فى شأنى، وكان الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول...".
وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ}.
والإفك: أشنع الكذب وأفحشه، يقال أفِكَ فلان - كضرب وعلم - أَفْكاً وإِفْكاً، أى: كذب كذبا قبيحا.
والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، من العصب وهو الشد، لأن كل واحد منها يشد الآخر ويؤازره.
أى: إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح، وبهتان شنيع، على السيدة عائشة - رضى الله عنها - هم جماعة ينتسبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم قد استزلهم الشيطان. - كمسطح بن أثاثة - وبعضهم يظهرون الإِسلام ويبطنون الكفر والنفاق - كعبد الله بن أبى بن سلول - وأتباعه.
وفى التعبير بقوله - تعالى - {عُصْبَةٌ}: إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة، التى تواطئوا على نشرها، وتكاتفوا على إشاعتها، بمكر وسوء نية.
وقوله - سبحانه -: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ..} تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين الصادقين، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح.
أى: لا تظنوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم، بل هو خير لكم، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفه. كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبى صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته، وللمؤمنين، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى.
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الخائضين فى حديث الإفك من عقاب فقال: {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ}.
أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا فى إشاعة حديث الإفك العقاب الذى يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام، وما اقترفه من سيئات.
وقوله - تعالى -: {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} بيان لسوء عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب.
والكبر - بكسر الكاف وضمها - مصدر لمعظم الشىء وأكثره.
أى: والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب، وحرض على إشاعته، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله - تعالى -.
والمقصود بهذا الذى تولى كبره. عبد الله بن أبى بن سلول، رأس المنافقين وزعيمهم، فهو الذى قاد حملته، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته.
روى أنه لما جاء صفوان بن المعطل يقود راحلته وعليها عائشة - رضى الله عنها - قال عبد الله بن أبى لمن حوله: من هذه؟ قالوا عائشة فقال - لعنه الله -: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، والله ما نجت منه وما نجا منها.
وقال ابن جرير: "والأولى بالصواب قول من قال، الذى تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، وأن الذى بدأ بذكر الإفك. وكان يجمع أهله ويحدثهم به، هو عبد الله بن أبى بن سلول".
وقال الآلوسى: "والذى تولى كبره ... كما فى صحيح البخارى عن الزهرى عن عروة عن عائشة: هو عبد الله بن أبى - عليه اللعنة - وقد سار على ذلك أكثر المحدثين.
أخرج الطبرانى وابن مردويه عن ابن عمر، أنه بعد نزول هذه الآيات فى براءة السيدة عائشة دعا الرسول صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس، ثم تلاها عليهم. ثم بعث إلى عبد الله بن أبى. فجىء به فضربه حدين، ثم بعث إلى حسان بن ثابت، ومسطح. وحمنة بنت جحش فضربوا ضربا وجيعا... وقيل إن ابن أبى لم يحد أصلا، لأنه لم يقر، ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة".
ثم وجه - سبحانه - المؤمنين إلى الطريق الذى كان يجب عليهم أن يسلكوه فى مثل هذه الأحوال فقال:
{لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ}.
و "لولا" حرف تحضيض بمعنى هلا والمراد "بأنفسهم" هنا إخوانهم فى الدين والعقيدة.
أى: هلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون والمؤمنات - حديث الإفك هذا ظننتم "بأنفسكم". أى: بإخوانكم وبأخواتكم ظنا حسنا جميلا، وقلتم: هذا الحديث الذى أذاعه المنافقون كذب شنيع وبهتان واضح لا يصدقه عقل أو نقل.
وفى التعبير عن إخوانهم وأخواتهم فى الدين بأنفسهم، أسمى ألوان الدعوة إلى غرس روح المحبة والمودة والإخاء الصادق بين المؤمنين، حتى لكأن الذى يظن السوء بغيره إنما ظنه بنفسه.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ ... ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ... } وقوله - سبحانه - { .. وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ... } قال أبو حيان -رحمه الله -: "وعدل بعد الخطاب - فى الآية الأولى - إلى الغيبة فى هذه الآية -، وعن الضمير إلى الظاهر، فلم يجىء التركيب ظننتم بأنفسكم خيرا وقلتم هذا إفك مبين. ليبالغ - سبحانه - فى التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان، دلالة على أن الاشتراك فيه، مقتض فى أن لا يصدق مؤمن على أخيه قول عائب ولا طاعن، وفيه تنبيه على أن المؤمن إذا سمع قالة سوء فى أخيه أن يبنى الأمر فيه على ظن الخير، وأن يقول بناء على ظنه: هذا إفك مبين. هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن، ومعنى بأنفسهم، أى: كأن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات هذا الأمر على أنفسهم، فإذا كان ذلك يبعد عليهم قضوا بأنه فى حق من هو خير منهم أبعد..".
ولقد فعل المؤمنون الصادقون ذلك، فها هو ذا أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى، قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقوله الناس فى عائشة - رضى الله عنها -؟ قال: نعم، وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا. والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك.
وفى رواية أن أبا أيوب قال لزوجته أم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت له: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءا؟ قال: لا، فقالت: ولو كنت أنا بدل عائشة - رضى الله عنها - ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعائشة خير منى، وصفوان خير منك.
وهكذا المؤمنون الأطهار الأخيار، يبنون أمورهم على حسن الظن بالناس.
ورحم الله صاحب الانتصاف. فقد علق على ما قالته أم أيوب لزوجها فقال: ولقد ألهمت - أم أيوب - بنور الإيمان إلى هذا السر الذى انطوى عليه التعبير عن الغير من المؤمنين بالنفس، فإنها نزلت زوجها منزلة صفوان ونفسها منزلة عائشة، ثم أثبتت لنفسها ولزوجها البراءة والأمانة، حتى أثبتتها لصفوان وعائشة بالطريق الأولى - رضى الله عنها -.
ثم وصف - سبحانه - الخائضين فى حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل، فقال: {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أى: هلا جاء هؤلاء الذين افتروا على السيدة عائشة ما افتروا، بأربعة شهداء يشهدون لهم على ثبوت ما تفوهوا به.
{فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ} أى: وما داموا لم يأتوا بهم - ولن يأتوا بهم - {فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ} أى: فى حكمه - سبحانه - وفى شريعته {هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس، ويسجل عليهم الخزى والعار إلى يوم القيامة.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بالمؤمنين فقال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
و "لولا" هنا لامتناع الشىء لوجود غيره، و "أفضتم" من الإفاضة بمعنى التوسع فى الشىء. والاندفاع فيه بدون تريث أو تحقق، وأصله من قوله: "أفاض فلان الإناء، إذا ملأه حتى فاض".
أى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم - أيها المؤمنون - فى الدنيا بإعطائكم فرصة للتوبة. وفى الآخرة بقبول توبتكم، لولا ذلك "لمسكم" أى: لنزل بكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم، لا يعلم مقدار ألمه وشدته إلا الله - تعالى -.
ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية فقال: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ}. و "إذ" ظرف لقوله - تعالى - {لَمَسَّكُمْ}.
أى: لمسكم عذاب عظيم. وقت تلقيكم هذا الحديث السيىء لسانا عن لسان باستخفاف واستهتار! ويأخذه بعضكم عن بعض بدون تحرج أو تدبر.
{وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أى: وتقولون بأفواهكم قولا تلوكه الأفواه، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل.
ففى هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا فى حديث الإفك، بدون تدبر أو تعقل، حتى لكأنهم - وقد أفلت منهم الزمام، واستزلهم الشيطان - ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا بوعيهم، وبألسنتهم لا بعقولهم، ولا بقلوبهم، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها. ولا دليل معهم على صدقها.
وهذا كله يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح من تثبت ومن حسن ظن بالمؤمنين.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما هو أشد فى الزجر والتهديد فقال: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ}.
أى: وتحسبون أن ما خضتم فيه من كذب على الصديقة بنت الصديق شيئا هينا، والحال أن ما فعلتموه ليس كذلك، بل هو عند الله - تعالى - وفى حكمه شىء عظيم، تضج لهوله الأرض والسماء لأن ما خضتم فيه يسىء إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويسىء إلى أهل بيته، ويسىء إلى صحابى جليل هو صفوان، ويسىء إلى بيت الصديق - رضى الله عنه - بل ويسىء إلى الجماعة الإسلامية كلها.
ثم يوجههم - سبحانه - مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه فى مثل هذه الأحوال فيقول: {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}.
وأصل معنى "سبحانك" تنزيه الله - تعالى - عن كل نقص. ثم شاع استعماله فى كل أمر يتعجب منه. وهذا المعنى هو المراد هنا.
والبهتان: هو الكذب الذى يبهت ويحير سامعه لشناعته وفظاعته، يقال: بهت فلان فلانا إذا قال عليه مالم يقله وما لم يفعله.
أى: وهلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون - حديث الإفك ممن افتراه واخترعه، قلتم له على سبيل الزجر والردع والإِفحام: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا. أى: ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات فى الكذب والافتراء.
وقلتم له أيضا - على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر: "سبحانك"، أى: نتعجب يا ربنا من شناعة ما سمعناه، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة كذب يبهت ويدهش من يسمعه، وهو فى الشناعة لا تحيط بوصفه عبارة.
وهكذا يؤدب الله - تعالى - عباده المؤمنين بالأدب السامى، حيث يأمرهم فى مثل هذه الأحوال، أن ينزهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسىء إلى المؤمنين، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك، وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به.
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم فقال: {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}.
أى: يعظكم الله تعالى أيها المؤمنون - بما يرقق قلوبكم، ويحذركم من العودة إلى الخوض فى حديث الإفك، أو فيما يشبهه من أحاديث باطلة، وعليكم أن تمتثلوا ما آمركم به، وما أنهاكم عنه امتثالا كاملا، إن كنتم مؤمنين إيمانا كاملا.
فقوله - تعالى {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} من باب تهييجهم وإثارة حماستهم للاستجابة لوعظه وتحذيره - سبحانه -.
وقوله - تعالى - {وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} إبراز لما تفضل به - سبحانه - عليهم من تعليم وتوجيه وحسن تربية.
أى: ويبين الله - تعالى - لكم الآيات التى تسعدكم فى دنياكم وآخرتكم متى اتبعتم ما اشتملت عليه من آداب وأحكام، والله - تعالى - "عليم" بأحوال خلقه "حكيم" فى جميع ما يأمر به، أو ينهى عنه.
ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين، فيهدد الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا بالعذاب الأليم، وينهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان، قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ...}.