التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ
٤٥
قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
٤٦
قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ
٤٧
وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ
٤٨
قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
٤٩
وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ
٥٠
فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
٥١
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٥٢
وَأَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
٥٣
-النمل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - سبحانه -: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً..} معطوف على قوله - تعالى -: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً } واللام فى قوله {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ..} جواب لقسم محذوف، و {ثَمُودَ} اسم للقبيلة التى منها صالح - عليه السلام -، سميت باسم جدها ثمود. وقيل: سميت بذلك لقلة مائها، لأن الثمد هو الماء القليل.
وكانت مساكنهم بالحجر - بكسر الحاء وسكون الجيم -، وهو مكان بين الحجاز والشام، ومازلت مساكنهم تعرف بمدائن صالح إلى اليوم. وقد مر النبى صلى الله عليه وسلم بديارهم، وهو ذاهب إلى غزوة تبوك، سنة تسع بعد الهجرة.
وصالح - عليه السلام - هو نبيهم، وكان واحدا منهم، وينتهى نسبه إلى نوح - عليه السلام - وقبيلة ثمود تسمى عادا الثانية، أما قبيلة عاد فتسمى عادا الأولى، ونبيهم هود - عليه السلام - قالوا: وكان بين القبيلتين زهاء مائة عام.
والمعنى: وبالله لقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود، أخاهم صالحا - عليه السلام -، فقال لهم ما قاله كل نبى لقومه: {أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ} - تعالى - وحده، ولا تشركوا معه آلهة أخرى.
و"إذا" فى قوله - تعالى -: {فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} هى الفجائية و {يَخْتَصِمُونَ} من المخاصمة بمعنى المجادلة والمنازعة.
أى: أرسلنا نبينا صالحا إلى قومه، فكانت المفاجأة أن انقسم قومه إلى قسمين: قسم آمن به - وهم الأقلون -، وقسم كفر به - وهم الأكثرون.
وهذه الخصومة بين الفريقين، قد أشار إليها القرآن فى قوله - تعالى -:
{ قَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِيۤ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } وقوله - تعالى -: {قَالَ يٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ...} بيان لما وجهه صالح إلى الكافرين من قومه، من نصائح حكيمة...
أى: قال صالح - عليه السلام - للمكذبين لرسالته من قومه بأسلوب رقيق حكيم: يا قوم لماذا كلما دعوتكم إلى الحق أعرضتم عن دعوتى، وآثرتم الكفر على الإيمان، واستعجلتم عقوبة الله - تعالى - التى حذرتكم منها، قبل أن تتضرعوا إليه - سبحانه - بطلب الهداية والرحمة.
وقوله: {لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} حض منه على الإِقلاع عما هم فيه من عناد وضلال.
أى: هلا استغفرتم الله - تعالى - وأخلصتم له العبادة، واتبعتمونى فيما أدعوكم إليه، لكى يرحمكم ربكم ويعفو عنكم.
فالمراد بالسيئة: العذاب الذى تعجلوه، والذى أشار إليه - سبحانه - فى قوله:
{ فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ } ثم حكى - سبحانه - ما رد به هؤلاء المتكبرون على نبيهم فقال - تعالى - {قَالُواْ ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ...}.
وقوله: {ٱطَّيَّرْنَا} أصله تطيرنا، فأدغمت التاء فى الطاء، وزيدت همزة الوصل، ليتأتى الابتداء بالكلمة. والتطير: التشاؤم.
قال الآلوسى: وعبر عنه بذلك، لأنهم كانوا إذا خرجوا مسافرين فيمرون بطائر يزجرونه فإن مر سانحا - بأن مر من ميامن الشخص إلى مياسره - تيمنوا، وإن مر بارحا - بأن مر من المياسر إلى الميامن - تشاءموا. فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببا لهما من قدر الله - تعالى - وقسمته - عز وجل - أو من عمل العبد الذى هو سبب الرحمة والنعمة.
أى قال المكذبون من قوم صالح فى الرد عليه: أصابنا الشؤم والنحس بسبب وجودك فينا، وبسبب المؤمنين الذين استجابوا لدعوتك. حيث أصبنا بالقحط بعد الرخاء والضراء بعد السراء.
ولا شك أن قولهم هذا يدل على جهلهم المطبق، وعلى سوء تفكيرهم، لأن السراء والضراء من عند الله - تعالى - وحده. ولا صلة لهما بوجود صالح والذين آمنوا معه بينهم ولذا رد عليهم صالح - عليه السلام - بقوله {طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ...}.
أى: قال لهم موبخا وزاجرا: ليس الأمر كما زعمتم أن وجودنا بينكم هو السبب فيما أصابكم من شر، بل الحق أن ما يصيبكم من شر وقحط هو من عند الله، بسبب أعمالكم السيئة، وإصراركم على الكفر، واستحبابكم المعصية على الطاعة. والعقوبة على المغفرة.
ثم زاد صالح - عليه السلام - الأمر توضيحا وتبيانا فقال لهم: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ}.
أى قال لهم: ليس ما أصابكم بسببنا. بل أنتم قوم "تفتنون" أى تختبرون وتمتحنون بما يقع عليكم من شر، حتى تتوبوا إلى خالقكم، قبل أن ينزل بكم العذاب الماحق، إذا ما بقيتم على كفركم.
فأنت ترى أن صالحا - عليه السلام - قد رد على جهالتهم بأسلوب قوى رصين، بين لهم فيه، أن تشاؤمهم فى غير محله، وأن حظهم ومستقبلهم ومصيرهم بيد الله - تعالى - وحده، وأن ما أصابهم من بلاء وقحط، إنما هو لون من امتحان الله - تعالى - لهم، لكى يتنبهوا ويستجيبوا لدعوة الحق، قبل أن يفاجئهم الله - تعالى - بالعذاب الذى يهلكهم.
ولكن هذا النصح الحكيم الذى وجهه صالح إلى المكذبين من قومه، لم يجد أذنا صاغية منهم، بل قابله زعماؤهم بالتكبر وبالإِصرار على التخلص من صالح - عليه السلام - ومن أهله، وقد حكى القرآن ذلك فى قوله - تعالى -: {وَكَانَ فِي ٱلْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
والمراد بالمدينة: مدينة قوم صالح - عليه السلام - وهى الحِجْر - بكسر الحاء وإسكان الجيم -.
قال الجمل: قوله: "تسعة رهط" أى تسعة أشخاص، وبهذا الاعتبار وقع تمييزاً للتسعة، لا باعتبار لفظه، وهم الذين سعوا فى عقر الناقة، وباشره منهم قدار بن سالف، وكانوا من أبناء أشراف قوم صالح، والإِضافة بيانية. أى: تسعة رهط. وفى الصباح: الرهط دون العشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة.
ووصفهم بأنهم يفسدون فى الأرض ولا يصلحون. للإِشارة إلى أن نفوسهم قد تمحضت للفساد وللإِفساد، ولا مكان فيها للصلاح وللإِصلاح.
وقوله: {تَقَاسَمُواْ} فعل أمر محكى بالقول، بمعنى: احلفوا بالله، ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مفسرا لقالوا، فكأنه قيل: ما الذى قالوا؟ فكان الجواب: تقاسموا أى: أقسموا.
وقوله: {لَنُبَيِّتَنَّهُ} من البيات وهو مباغتة العدو ليلا لقتله. يقال بيت القوم العدو، إذا أوقعوا به ليلا.
والمراد بوليه: المطالبون بدمه من أقاربه، وفى ذلك إشارة إلى أن هؤلاء الظالمين لم يكونوا ليستطيعوا قتل صالح - عليه السلام - علانية، خوفا من مناصرة أقاربه له.
و {مَهْلِكَ} بفتح الميم وكسر اللام بزنة مرجع - مصدر ميمى، من هلك الثلاثى، وقرأ بعضهم {مُهَلِكَ} بضم الميم وفتح اللام - من أهلك الرباعى، فهو أيضا مصدر ميمى من أهلك، ويجوز أن يكون اسم زمان أو مكان.
والمعنى: وكان فى المدينة التى يسكنها صالح - عليه السلام - وقومه، تسعة أشخاص، دأبهم وديدنهم، الإِفساد فى الأرض، وعدم الإِصلاح فيها، بأى حال من الأحوال.
وقد تعاهد هؤلاء التسعة. وأكدوا ما تعاهدوا عليه بالأيمان المغلظة. على أن يباغتوا نبيهم وأهله ليلا، فيقتلوهم جميعا، ثم ليقولن بعد جريمتهم الشنعاء لأقارب صالح - عليه السلام -: ما حضرنا هلاك أهله وهلاك صالح معهم، ولا علم عندنا بما حل بهم وبه من قتل، وإنا لصادقون فى كل ما قلناه.
وهكذا المفسدون فى الأرض، يرتكبون أبشع الجرائم وأشنعها، ثم يبررونها بالحيل الساذجة الذميمة ثم بعد ذلك يحلفون بأغلظ الأيمان أنهم بريئون من تلك الجرائم.
ومن العجيب أن هؤلاء المجرمين الغادرين يقولون فيما بينهم: {تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ} أى: احلفوا بالله، على أن تنفذوا ما اتفقنا عليه من قتل صالح وأهله ليلا غيلة وغدرا. فهم يؤكدون إصرارهم على الإِجرام بالحلف بالله، مع أن الله - تعالى - برئ منهم ومن غدرهم.
وقولهم: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} نفى منهم لحضور قتلهم، فضلا عن مباشرة قتلهم، كأنهم أرادوا بهذه الجملة الإِتيان بحيلة يبررون بها كذبهم، أى: أننا قتلناهم فى الظلام، فلم نشاهد أشخاصهم، وإنا لصادقون فى ذلك.
ولكن هذا المكر السىء، والتحايل القبيح قد أبطله الله - تعالى - وجعله يحيق بهم وبأشياعهم، فقد قال - تعالى - {وَمَكَرُواْ مَكْراً} أى: بهذا الحلف فيما بينهم على قتل صالح وأهله غدرا {وَمَكَرْنَا مَكْراً} أى: ودبرنا لصالح - عليه السلام - ولمن آمن به، تدبيرا محمودا محكما {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} أى: وهم لا يشعرون بتدبيرنا الحكيم، حيث أنجينا صالحا ومن معه من المؤمنين، وأهلكنا أعداءه أجمعين.
ثم بين - سبحانه - الآثار التى ترتبت على مكرهم السىء، وعلى تدبيره المحكم فقال - تعالى -:
{فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} أى: فانظر - أيها العاقل - وتأمل واعتبر فيما آل إليه أمر هؤلاء المفسدين، لقد دمرناهم وأبدناهم، وأبدنا معهم جميع الذين كفروا بنبينا صالح - عليه السلام.
قال بعض العلماء ما ملخصه: قوله - تعالى -: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} قرأه الجمهور بكسر همزة {إِنَّا} على الاستئناف، وقرأه عاصم وحمزة والكسائى: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} بفتح الهمزة وفى إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها أوجه منها: أنه بدل من {عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ} ومنها: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هى أى: عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم...
وقوله - سبحانه -: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ..} مقرر ومؤكد لما قبله من تدمير المفسدين وإهلاكهم.
أى: إن كنت - أيها المخاطب - تريد دليلا على تدميرهم جميعا، فتلك هى بيوتهم خاوية وساقطة ومتهدمة على عروشها، بسبب ظلمهم وكفرهم ومكرهم.
{إِنَّ فِي ذٰلِكَ} الذى فعلناه بهم من تدمير وإهلاك {لآيَةً} بينة، وعبرة واضحة، {لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أى: يتصفون بالعلم النافع الذى يتبعه العمل الصالح.
ثم ختم - سبحانه - هذه القصة بتأكيد سنته التى لا تتخلف فقال: {وَأَنجَيْنَا} أى: بفضلنا وإحساننا، {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وهم نبينا صالح وأتباعه {وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} أى: وكانوا يتقون الله - تعالى - ويخافون عذابه.
وبذلك تكون السورة الكريمة قد ساقت لنا جانبا من قصة صالح مع قومه هذا الجانب فيه ما فيه من عظات وعبر لقوم يعقلون.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك طرفا من قصة لوط مع قومه، فقال - تعالى -: {وَلُوطاً إِذْ قَالَ...}.