التفاسير

< >
عرض

قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
٦٥
بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ
٦٦
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ
٦٧
لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٦٨
قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٦٩
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ
٧٠
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٧١
قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
٧٢
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ
٧٣
وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
٧٤
وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
٧٥
-النمل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

ذكر بعض المفسرين أن كفار مكة سألوا النبى صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة، فنزل قوله - تعالى -: {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ..}.
والغيب: مصدر غاب يغيب، وكثيرا ما يستعمل بمعنى الغائب، ومعناه: مالا تدركه الحواس، ولا يعلم ببداهة العقل.
و "من" اسم موصول فى محل رفع على أنه فاعل "يعلم " و "الغيب" مفعوله فيكون المعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لكل من سألك عن موعد قيام الساعة: لا يعلم أحد من المخلوقات الكائنة فى السموات والأرض، الغيب إلا الله - تعالى - وحده، فإنه هو الذى يعلمه.
ويجوز أن يكون لفظ "من" فى محل نصب على المفعولية و "الغيب" بدل منه، ولفظ الجلالة "الله" فاعل "يعلم" فيكون المعنى: قل لا يعلم الأشياء التى تحدث فى السموات والأرض الغائبة عنا، إلا الله - تعالى -.
قال القرطبى: وفى صحيح مسلم عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم يعلم ما فى غد، فقد أعظم على الله الفرية" .
وقوله - سبحانه -: {وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} تأكيد لانفراد الله - تعالى - بعلم الغيوب، ولفظ "أيان" ظرف زمان متضمن معنى متى.
أى: وما يشعر هؤلاء الكافرون الذين سألوا عن وقت قيام الساعة، ولا غيرهم، متى يكون بعثهم من قبورهم للحساب، إذ علم وقت قيام الساعة لا يعلمه إلى الله وحده.
فالجملة الكريمة تنفى عنهم العلم بموعد قيام الساعة فى أدق صورة وأخفاها، فهم لا يشعرون ولا يحسون بقيام الساعة،
{ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } ثم بين - سبحانه - حقيقة أمرهم فى الآخرة بصورة أكثر تفصيلا. فقال: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ..}.
وقوله - تعالى - {بَلِ ٱدَّارَكَ...} قرأه الجمهور - بكسر اللام وتشديد الدال وبعدها ألف - وأصله تدارك، بزنة تفاعل.
وللعلماء فى تفسير هذه الآية أقوال أشهرها: أن التدارك بمعنى الاضمحلال والفناء، وأصله التتابع والتلاحق. يقال: تدارك بنو فلان، إذا تتابعوا فى الهلاك، و "فى" بمعنى الباء.
أى: بل تتابع علم هؤلاء المشركين بشئون البعث حتى اضمحل وفنى، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا مع توافر أسبابه ومباديه من الدلائل.
والمقصود: أن أسباب علمهم بأحوال الآخرة مع توافرها قد تساقطت من اعتبارهم لكفرهم بها، فَأُجْرِى ذلك مُجْرَى تتابعها فى الانقطاع.
ومنهم من يرى أن التدارك هنا التكامل، فيكون المعنى: بل تكامل علمهم بشئون الآخرة، حين يعاينون ما أعد لهم فيها من عذاب، بعد أن كانوا ينكرون البعث والحساب فى الدنيا.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} إضراب عما تقدم على وجه يفيد تأكيده وتقريره... والمعنى: بل تتابع علمهم فى شأن الآخرة، التى ما ذكر من البعث حال من أحوالها، حتى انقطع وفنى، ولم يبق لهم علم بشىء مما سيكون فيها قطعا، مع توفر أسبابه، فهو ترق من وصفهم بجهل فاحش إلى وصفهم بجهل أفحش... وجوز أن يكون "ادارك" بمعنى استحكم وتكامل...
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للقولين، على معنى أن المشركين اضمحل علمهم بالآخرة لكفرهم بها فى الدنيا، فإذا ما بعثوا يوم القيامة وشاهدوا العذاب، أيقنوا بحقيقتها، وتكامل علمهم واستحكم بأن ما كانوا ينكرونه فى الدنيا. قد صار حقيقة لا شك فيها، ولا مفر لهم من عذابها..
ومن الآيات التى توضح هذا المعنى قوله - تعالى -:
{ لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَـٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ } أى: علمك بما كنت تنكره فى الدنيا قد صار فى نهاية القوة والوضوح.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {بَلِ ٱدَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} - بسكون اللام من بل. وهمزة قطع مفتوحة مع سكون الدال فى "أَدْرَك" فهو بزنة أفعل.
أى: بل كمل علمهم فى الآخرة، وذلك بعد أن شاهدوا أهوالها، ورأوها بأعينهم، وقد كانوا مكذبين بها فى الدنيا.
وقوله - سبحانه -: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ} بيان لأحوالهم فى الدنيا.
أى: أن هؤلاء المشركين كانوا فى الدنيا يشكون فى الآخرة، بل كانوا فى عمى عنها، بحيث لا يفتحون بصائرهم أو أبصارهم، عما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بشأنها.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد انتقلت فى تصوير كفر هؤلاء المشركين بالآخرة، من حالة شنيعة إلى حالة أخرى أشد منها فى الشناعة والجحود.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: هذه الإِضرابات الثلاثة ما معناها؟ قلت: ما هى إلا تنزيل لأحوالهم؛ وصفهم أولا بأنهم لا يشعرون وقت البعث، ثم لا يعلمون بأن القيامة كائنة، ثم إنهم يخبطون فى شك ومرية، فلا يزيلونه مع أن الإِزالة مستطاعة... ثم بما هم أسوأ حالا وهو العمى، وأن يكون مثل البهيمة قد عكف همه على بطنه وفرجه، لا يخطر بباله حق ولا باطل، ولا يفكر فى عاقبة.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك أقوالهم الباطلة، التى جعلتهم فى عمى عن الآخرة فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ}.
أى: وقال الذين كفروا على سبيل الإِنكار للبعث والحساب: أئذا متنا وصرنا مثل التراب، وصار آباؤنا كذلك مثل التراب، أنبعث ونخرج إلى الحياة مرة أخرى بعد أن صرنا جميعا عظاما نخرة وأجسادا بالية؟
يقولون هذا، وينسون لجهلهم وانطماس بصائرهم أن الله - تعالى - أوجدهم بقدرته ولم يكونوا شيئا مذكورا.
والاستفهام للإِنكار والنفى، والعامل فى "إذا" محذوف، دل عليه "مخرجون" وقوله" {وَآبَآؤُنَآ} معطوف على اسم كان، أى: أنبعث ونخرج نحن وآباؤنا إذا كنا كذلك؟
ثم يتبعون قولهم هذا، بقول أشد منه فى الإِنكار والتهكم فيقولون: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَـٰذَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}.
والأساطير: جمع أسطورة، كأحاديث وأحدوثة، وأكاذيب وأكذوبة.
ومرادهم بها: الخرافات والتخيلات التى لا حقيقة لها.
أى: لقد وعدنا الإِخراج والإعادة إلى الحياة، نحن وآباؤنا من قبل، أى: من قبل أن يخبرنا محمد صلى الله عليه وسلم بذلك، فنحن وآباؤنا ما زلنا نسمع من القصاص أن هناك بعثا وحسابا، ولكن لا نرى لذلك حقيقة ولا وقوعا...
وما هذا الذى نسمعه من محمد صلى الله عليه وسلم فى شأن الآخرة إلا أكاذيب الأولين، وخرافاتهم التى لا مكان لها فى عقولنا.
وهكذا يؤكدون إنكارهم للآخرة، بشتى ألوان المؤكدات، المصحوبة بالتهكم والاستخفاف.
وهنا يلفت القرآن أنظارهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم، ويأمر النبى صلى الله عليه وسلم أن يحذرهم من سوء مصير هذا الإِنكار والاستهزاء، فيقول: {قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ}.
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: سيروا فى الأرض لتروا بأعينكم مصارع المكذبين بما جاءهم به الرسل من قبلكم. ولتعتبروا بما أصابهم بسبب إجرامهم، وإنكارهم للبعث والحساب يوم القيامة.
فالآية الكريمة توجههم إلى ما من شأنه أن يفتح مغاليق قلوبهم المتحجرة وأن يزيل عن نفوسهم قسوتها وعنادها.
وبعد هذا التوجيه الحكيم تأخذ السورة الكريمة فى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من حزن بسبب كفرهم فتقول: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} والحزن: اكتئاب نفسى يحدث للإِنسان من أجل وقوع ما يكرهه.
والمقصود بالنهى عن الحزن: النهى عن لوازمه، كالإِكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، ويصعب نسيانها.
والمكر: التدبير المحكم. أو صرف الغير عما يريده بحيلة، لقصد إيقاع الأذى به.
أى: ولا تحزن - أيها الرسول الكريم - على هؤلاء المشركين، بسبب إصرارهم على الكفر والجحود ولا يضيق صدرك، ويمتلىء هما وغما بسبب مكرهم فإن الله - تعالى - عاصمك منهم، وناصرك عليهم.
ثم تعود السورة التى سرد أباطيلهم فتقول: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أى: ويقول هؤلاء المشركون للرسول صلى الله عليه وسلم ولأصحابه: متى يحصل هذا الوعد الذى توعدتمونا به، وهو أن عذابا سيصيبنا إذا لم نؤمن بما أنتم مؤمنون به.
إن كنتم صادقين فى وعدكم لنا بهذا العذاب، فأنزلوه بنا، فنحن قد طال انتظارنا له. وهكذا الأشرار يتعجلون مصيرهم الأليم، ويبحثون عن حتفهم بظلفهم، وذلك لإِيغالهم فى الغرور والعناد.
ولذا جاء الرد عليهم، يحمل فى طياته العذاب الشديد، والتهكم المرير، فيقول - تعالى - آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم {قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ ٱلَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ}.
والرديف - كما يقول صاحب المصباح - الذى تحمله خلفك على ظهر الدابة... ومنه ردف المرأة، وهو عَجُزُها، والجمع أرادف... وترادف القوم: إذا تتابعوا، وكل شىء تبع شيئا فهو ردفه.
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تتعجلوا العذاب فعسى ما تستعجلونه من عذاب، بعضه قد لحقكم ونزل بكم، وبعضه فى طريقه إليكم، وأنتم لا تشعرون بذلك، لشدة غفلتكم، وتبلد مشاعركم.
والتعبير بقوله: {رَدِفَ لَكُم} يشعر بأن العذاب ليس بعيدا عنهم، وإنما هو قريب منهم، كقرب الراكب فوق الدابة ممن هو ردفه - أى خلفه - عليها.
ولقد لحقهم شىء من هذا العذاب الذى تعجلوه فى مكة، عندما أصيبوا بالقحط والجدب، ولحقهم شىء منه بعد ذلك فى بدر، عندما قتل المسلمون أكثر زعمائهم، كأبى جهل، وغيره... ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس، فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ}.
أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - لذو فضل عظيم، وإنعام كبير على الناس. ومن مظاهر ذلك: أنه لم يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وعصيانهم، ولكن أكثر هؤلاء الناس لا يشكرونه - سبحانه - على فضله وإنعامه.
والتعبير "بأكثر" للإشعار بأن هناك قلة مؤمنة من الناس، ملازمة لشكر الله - تعالى - فى السراء والضراء، والعسر واليسر.
ثم بين - سبحانه - شمول علمه لكل شىء فقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ} - أيها الرسول الكريم - {لَيَعْلَمُ} علما تاما {مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} أى: ما تخفيه وتستره صدورهم من أسرار، ويعلم - أيضا - {وَمَا يُعْلِنُونَ} أى: ما يظهرونه من أقوال وأفعال.
{وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أى: وما من شىء غائب عن علم الخلق سواء أكان فى السماء أو فى الأرض.
{إِلاَّ} وهو عندنا {فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أى: إلا وهو عندنا فى كتاب واضح لمن يطالعه بإذن ربه، وهذا الكتاب المبين هو اللوح المحفوظ الذى سجل - سبحانه - فيه أحوال خلقه.
وما دام الأمر كذلك، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لما عليه هؤلاء المشركون من جحود وعناد، بل فوض إلينا أمرنا، فأنت عليك البلاغ، ونحن علينا الحساب.
ثم مدحت السورة الكريمة القرآن الكريم، وساقت المزيد من التسلية للنبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -: {إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ...}.