التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١٥٦
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ
١٥٧
وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ
١٥٨
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} الخ كلام مستأنف قصد به تحذير المؤمنين من التشبه بالكافرين ومن الاستماع إلى أقوالهم الذميمة.
والمراد بالذين كفروا المنافقون كعبد الله بن أبى بن سلول وأشباهه من المنافقين الذين سبق للقرآن أن حكى عنهم أنهم قالوا:
{ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا } وإنما ذكرهم بصفة الكفر للتصريح بمباينة حالهم لحال المؤمنين وللتنفير عن مماثلتهم ومسايرتهم. وقيل المراد بهم جميع الكفار.
والمراد بإخوانهم: إخوانهم فى الكفر والنفاق والمذهب أو فى النسب وقوله {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} أى سافروا فيها للتجارة أو غيرها فماتوا. وأصل الضرب: إيقاع شىء على شىء ثم استعمل فى السير، لما فيه من ضرب الأرض بالأرجل، ثم صار حقيقة فيه.
وقوله: {غُزًّى} جمع غاز كراكع وركع، وصائم وصوم، ونائم ونوم.
والمعنى: يا من آمنتم بالله واليوم الآخر لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا بفزع وجزع من أجل إخوانهم الذين فقدوهم بسبب سفرهم للتجارة أو بسبب غزوهم فى سبيل الله.
قالوا على سبيل التفجع: لو كان هؤلاء الذين ماتوا فى السفر أو الغزو مقيمين معنا، أو ملازمين بيوتهم، ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا فيها لبقوا أحياء ولما ماتوا أو قتلوا.
وقولهم هذا يدل على جبنهم وعجزهم، كما يدل على ضعف عقولهم وعدم إيمانهم بقضاء الله وقدره، إذ لو كانوا مؤمنين بقضاء الله وقدره لعلموا أن كل شىء عنده بمقدار، وأن العاقل هو الذى يعمل ما يجب عليه بجد وإخلاص ثم يترك بعد ذلك النتائج لله يسيرها كيف يشاء.
وقولهم هذا بجانب ذلك يدل على سوء نيتهم، وخبث طويتهم، لأنهم قصدوا به تثبيط عزائم المجاهدين عن الجهاد، وعن السعى فى الأرض من أجل طلب الرزق الذى أحله الله.
والنهى فى قوله - تعالى {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يشعر بالتفاوت الشديد بين المقامين: مقام الإِيمان ومقام الكفران، وأنه لا يليق بالمؤمن أن ينحدر إلى المنحدر الدون وهو التشبه بالكافرين، بعد أن رفعه الله بالإِيمان إلى أعلى عليين، وفى هذا تقبيح للمنهى عنه بأبلغ وجه وبأدق تصوير.
واللام فى قوله {لإِخْوَانِهِمْ} يرى صاحب الكشاف أنها للتعليل فقد قال: قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} أى لأجل إخوانهم، كقوله - تعالى -
{ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ } ويجوز أن تكون اللام للدلالة على موضع الخطاب، ويكون المعنى: لا تكونوا أيها المؤمنون كهؤلاء الذين كفروا وقالوا لإِخوانهم الأحياء: لو كان أولئك الذين فقدناهم ملازمين لبيوتهم ولم يضربوا فى الأرض ولم يغزوا لما أصابهم ما أصابهم من الموت أو القتل.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: فإن قيل إن قوله {قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} يدل على الماضى، وقوله {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب من وجوه:
أولها: أن قوله {قَالُواْ} تقديره: يقولون، فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإِخوانهم كذا وكذا...
وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضى للتأكيد وللإِشعار بأن جدهم فى تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد ينظر إلى هذا المستقبل كالكائن الواقع.
وثانيها: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية. والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا فى الأرض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك فلا بد أن يقول: قالوا.
وثالثها: قال "قطرب" كلمة "إذ" و "وإذا يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى وهو حسن لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم أولى".
وقوله {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} معطوف على {ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} من عطف الخاص بعد العام، اعتناء به لأن الغزو هو المقصود فى هذا المقام وما قبله توطئة له.
قالوا: على أنه قد يوجد الغزو بدون الضرب فى الأرض بناء على أن المراد بالضرب فى الأرض السفر البعيد، فيكون على هذا بين الضرب فى الأرض وبين الغزو خصوص وعموم من وجه.
وإنما لم يقل أو غزوا: للإِيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة، أو لا نقضاء ذلك، أى كانوا غزاة فيما مضى.
وقوله {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} فى محل نصب مقول القول.
ثم بين - سبحانه - ما ترتب على أقوالهم من عواقب سيئة فقال: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ}.
والحسرة - كما يقول الراغب - هى غم الإِنسان على ما فاته، والندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذى حمله على ما ارتكبه، أو انحسرت قواه - أى انسلخت - من فرط الغم، وأدركه إعياء عن تدارك ما فرط".
فالحسرة هى الهم المضنى الذى يلقى على النفس الحزن المستمر والألم الشديد، واللام فى قوله {لِيَجْعَلَ} هى التى تسمى بلام العاقبة، وهى متعلقة بقالوا أى قالوا ما قالوا لغرض من أغراضهم التى يتوهمون من ورائها منفعتهم ومضرة المؤمنين فكان عاقبة قولهم ومصيره إلى الحسرة والندامة لأن المؤمنين الصادقين لن يلتفتوا إلى هذا القول. بل سيمضون فى طريق الجهاد الذى كتبه الله عليهم وسيكون النصر الذى وعدهم الله إياه حليفهم وبذلك يزداد الكافرون المنافقون حسرة على حسرتهم.
ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويكون المعنى: ان الله - تعالى - طبع الكفار على هذه الأخلاق السيئة بسبب كفرهم وضلالهم لأجل أن يجعل الحسرة فى قلوبهم والغم فى نفوسهم والضلال بهذه الأقوال والأفعال فى عقولهم.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما متعلق ليجعل؟ قلت: قالوا. أى قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة فى قلوبهم على أن اللام مثلها فى
{ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } أو لا تكونوا بمعنى: لا تكونوا مثلهم فى النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله الله حسرة فى قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. فإن قلت: ما معنى إسناد الفعل إلى الله؟ قلت: معناه أن الله - تعالى - عند اعتقادهم ذلك المعتقد الفاسد يضع الغم والحسرة فى قلوبهم ويضيق صدورهم عقوبة لهم.. كما قال - تعالى - { وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ } ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دل عليه النهى، أى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثهلم حسرة فى قلوبهم؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغمهم ويغيظهم".
والجعل هنا بمعنى التصيير، وقوله {حَسْرَةً} مفعول ثان له، وقوله، {فِي قُلُوبِهِمْ} متعلق بيجعل.
وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها، لإِرادة التمكن، والإِيذان بعدم الزوال.
وقوله {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} رد على قولهم الباطل أثر بيان سوء عاقبته وحض للمؤمنين على الجهاد فى سبيل الله وترغيب لهم فى العمل الصالح، أى أن الأرواح كلها بيد الله يقبضها متى شاء، ويرسلها متى شاء فالقعود فى البيوت لا يطيل الآجال كما أن الخروج للجهاد فى سبيل الله أو للسعى فى طلب الرزق لا ينقصها وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يسارع إلى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، وأن يسعى فى الأرض ذات الطول والعرض ليأكل من رزق الله وأن يباشر الأسباب التى شرعها الله بدون عجز أو كسل وليعلم أن الله مطلع على أعمال الناس وأقوالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة بما يستحقون من خير أو شر.
ثم رد الله - تعالى - على أولئك الكافرين برد آخر، فيه تثبيت للمؤمنين، وترغيب لهم فى الجهاد فقال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} أيها المؤمنون وأنتم تجاهدون {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} على فراشكم بدون قتل بعد أن أديتم رسالتكم فى الحياة على أكمل وجه، وأطعتم ربكم فيما أمركم به أو نهاكم عنه لنلتم مغفرة من الله - تعالى - لذنوبكم ولظفرتم برحمته الواسعة التى تسعدكم.
وقوله {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أى خير مما يجمعه الكفرة من متع الدنيا وشهواتها الزائلة بخلاف مغفرة الله ورحمته فإنهما باقيتان ولا كدر معهما ولا تعب ولا قلق. واللام فى قوله {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} موطئة للقسم، أى: والله لئن قتلتم فى سبيل الله أو متم.
وقوله {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} جواب القسم وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه.
ثم بين - سبحانه - أن مصير العباد جميعا إليه وحده فقال. {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ}.
أى ولئن متم - أيها المؤمنون - وأنتم فى بيوتكم أو فى أى مكان، أو قتلتم بأيدى أعدائكم وأنتم تجاهدون فى سبيل الله، فعلى أى وجه من الوجوه كان انقضاء حياتكم فإنكم إلى الله وحده جميعا تعودون وتحشرون فيجازيكم على أعمالكم.
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتملت على أبلغ ألوان الترغيب فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله، لأنها قد بينت أن الحياة والموت بيد الله وحده وأنه سبحانه قد يكتب الحياة للمسافر والغازى مع اقتحامهما لموارد الحتوف، وقد يميت المقيم والقاعد فى بيته مع حيازته لأسباب السلامة.
وأن الذين يموتون على الإِيمان الحق، أو يقتلون وهم يجاهدون فى سبيل الله فإن لهم من مغفرة الله ورحمته ما هو خير مما يجمعه الكافرون من حطام الدنيا.
وأن جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم سيعودون إلى الله ليجازيهم على أعمالهم يوم الدين.
قال الفخر الرازى: واعلم أن فى قوله: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} دقائق:
أحداها: أنه لم يقل: تحشرون إلى الله، بل قال: لإِلى الله تحشرون، وهذا يفيد الحصر، وهذا يدل على أنه لا حاكم فى ذلك اليوم ولا نافع ولا ضار إلا هو.
وثانيهما: أنه ذكر من أسمائه هذا الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة. وكمال القهر، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد.
وثالثها: أن قوله {تُحْشَرُونَ} فعل لم يسم فاعله، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله وإنما لم يقع التصريح به لأنه - تعالى - هو العظيم الكبير الذى شهدت العقول بأنه هو الذى يبدىء ويعيد، ومنه الإِنشاء والإِعادة فترك التصريح فى مثل هذا الموضع أدل على العظمة.
ورابعها: أن قوله {تُحْشَرُونَ} خطاب مع الكل فهو يدل على أن جميع العاملين، يحشرون إلى الله فيجتمع المظلوم مع الظالم والمقتول مع القاتل، والله - تعالى - هو الذى يتولى الحكم بينهم.
وقبل أن تتم السورة حديثها مع الذين آمنوا عن أحداث غزوة أحد وما دار فيها من نصر وهزيمة، وعن الأسباب الظاهرة والخفية لذلك. أخذت فى بيان حال النبى صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من قيادة حكيمة وأخلاق كريمة، وأنه - صلى لله عليه وسلم - لم يقابل مخالفة المخالفين له والفارين عنه بالانتقام منهم وإنزال العقوبات بهم وإنما قابل ذلك بالحلم واللين والسياسة الرشيدة. فقال - تعالى -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ...}.