التفاسير

< >
عرض

هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٧
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى -: {مُّحْكَمَاتٌ} من الإِحكام - بكسر الهمزة - وهذه المادة تستعمل فى اللغة لمعان متعددة، ترجع إلى شئ واحد هو المنع يقال: أحكم الأمر أى أتقنه ومنعه عن الفساد ويقال: أحكمه عن الشئ أى أرجعه عنه ومنعه منه. ويقال حكم نفسه وحكم الناس، أى منع نفسه ومنع الناس عما لا يليق. ويقال أحكم الفرس أى جعل له حكمة تمنعه من الجموح والاضطراب.
وقوله: {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أى أصله الذى فيه عماد الدين وفرائضه وحدوده وما يحتاج إليه الناس فى دنياهم وآخرتهم. وأم كل شئ: أصله وعماده.
قال ابن جرير: والعرب تسمى الأمر الجامع لمعظم الشئ أماً له. فيسمون راية القوم التى تجمعهم فى العساكر أمهم. ويسمون المدبر لمعظم أمر البلدة والقرية أمها".
وقوله {مُتَشَابِهَاتٌ} من التشابه بمعنى أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر ومماثلا ومشاكلا له مشاكلة تؤدى إلى الالتباس غالباً. قال: أمور مشتبة ومشبهة - كمعظمة -: أى مشكلة. ويقال: شبه عليه الأمر تشبيها: لبس عليه.
ولقد جاء فى القرآن ما يدل على أنه كله محكم كما فى قوله - تعالى - {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} وجاء فيه ما يدل على أنه كله متشابه كما فى قوله - تعالى -
{ ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً } وجاء فيه ما يدل على أن بعضه متشابه كما فى الآية التى نحن بصدد تفسيرها. ولا تعارض بين هذه الإِطلاقات الثلاثة، لأن معنى إحكامه كله: أنه متقن متين لا يتطرق إليه خلل أو اضطراب. ومعنى كونه كله متشابها أنه يشبه بعضه بعضا فى بلاغته وفصاحته وإعجازه وهدايته، ومعنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فسنبينه بعد سرد بعض الأقوال التى قالها العلماء فى تحديد معنى كل منهما.
فمنهم من يرى أن المحكم هو الواضح الدلالة الذى لا يحتمل النسخ، والمتشابه هو الخفى الذى لا يدرك معناه وهو ما استأثر الله بعلمه كقيام الساعة والروح.
ومنهم من يرى أن المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان. والمتشابه هو الذى لا يستقل بنفسه، بل يحتاج إلى بيان، فتارة يبين بكذا، وتارة يبين بكذا، لحصول الاختلاف فى تأويله.
ومنهم من يرى أن المحكم هو الذى لا يحتمل فى تأويله إلا وجها واحداً والمتشابه هو الذى يحتمل أوجها. ومنهم من يرى أن المحكم ما كانت دلالته راجحة وهو النص والظاهر. أما المتشابه فهو ما كانت دلالته غير راجحة، وهو المجمل والمؤول والمشكل.
هذه بعض الأقوال فى تحديد معنى المحكم والمتشابه. وقد اختار كثير من المحققين هذا القول الأخير، ومعنى الآية الكريمة - بعد هذا التمهيد الموجز:
الله - عز وجل - الذى لا إله إلا هو الحى القيوم، والذى أنزل الكتب السماوية لهداية الناس، والذى صورهم فى الأرحام كيف يشاء، وهو الذى أنزل عليك - يا محمد - هذا الكتاب الكريم المعجز العظيم الشأن، لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، وقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يجعل هذا الكتاب {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ} أى واضحات الدلالة، محكمات التراكيب، جليات المعانى، متقنات النظم والتعبير حاويات لكل ما يسعد الناس فى معاشهم ومعادهم، بينات لا التباس فيها ولا اشتباه.
وقوله {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} أى هذه الآيات المحكمات الواضحات الدلالة المانعات من الوقوع فى الالتباس لانكشاف معانيها لكل ذى عقل سليم، هن أصل الكتاب الذى يعول عليه فى معرفة الأحكام، ويرجع إليه فى التمييز بين الحلال والحرام، ويرد إليه ما تشابه من آياته، وما استشكل من معانيها.
والجار والمجرور {مِنْهُ} خبر مقدم، و {آيَاتٌ} مبتدأ مؤخر، و{مُّحْكَمَاتٌ} صفة لآيات. وقوله {هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَابِ} صفة ثانية للآيات.
قال الجمل: وأخبر بلفظ الواحد وهو {أُمُّ} عن الجمع وهو {هُنَّ} لأن الآيات كلها فى تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام الله واحد. أو أن كل واحدة منهن أم الكتاب كما قال - تعالى -:
{ وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } أى كل واحد منهما. أو لأنه مفرد واقع موقع الجمع".
وقوله {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أى ومنه آيات أخر متشابهات وذلك كالآيات التى تتحدث عن صفات الله - تعالى - مثل: الاستواء، واليد والغضب، ونحو ذلك من الآيات التى تحدثت عن صفاته - سبحانه - وكالآيات التى تتحدث عن وقت الساعة، وعن الروح وعن حقيقة الجن والملائكة وكالحروف المقطعة فى أوائل السور.
قال الشيخ الزرقانى ما ملخصه: ومنشأ التشابه إجمالا هو خفاء مراد الشارع من كلامه. أما تفصيلا فنذكر أن منه ما يرجع خفاؤه إلى اللفظ من جهة غرابته كلفظ الأب فى قوله تعالى:
{ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً } أو من جهة اشتراكه بين معان عدة كما فى قوله - تعالى - { فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِٱلْيَمِينِ } أى فأقبل إبراهيم على الأصنام يضربها بيمينه، أو بقوة، أو بسبب اليمين التى حلفها. ومن هذا النوع فواتح السور المبدوءة بحروف التهجى لأن التشابه والخفاء فى المراد منها جاء من ناحية ألفاظها.
ومنه ما يرجع خفاؤه إلى المعنى، ومثاله كل ما جاء فى القرآن وصفا لله - تعالى - أو لأهوال القيامة، أو لنعيم الجنة.. فإن العقل البشرى لا يمكن أن يحيط بحقائق صفات الخالق، ولا بأهوال يوم القيامة، ولا بنعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار.
ثم قال -رحمه الله - ويمكننا أن ننوع المتشابهات ثلاثة أنواع:
النوع الأول: مالا يستطيع البشر جميعا أن يصلوا إليه كالعلم بذات الله وحقائق صفاته، وكالعلم بوقت القيامة ونحوه مما استأثر الله بعلمه.
النوع الثانى: ما يستطيع كل إنسان أن يعرفه عن طريق البحث والدرس، كالمتشابهات التى نشأ التشابه فيها من جهة الإِجمال والبسط والترتيب. والأمثلة على ذلك كثيرة، فمثال التشابه بسبب الإِجمال قوله - تعالى:
{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ } فإن خفاء المراد فيه جاء من ناحية إيجازه. والأصل: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ} لو تزوجتموهن فانكحوا من غيرهن {مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ}.
النوع الثالث: ما يعلمه خواص العلماء دون عامتهم ولذلك أمثلة كثيرة من المعانى العالية التى تفيض على قلوب أهل الصفاء والاجتهاد عند تدبرهم لكتاب الله".
ثم بين - سبحانه - موقف الذين فى قلوبهم مرض وانحراف عن الحق من متشابه القرآن فقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} فالجملة الكريمة تفصيل لإِجمال اقتضاه الكلام السابق.
والزيغ - كما يقول القرطبى - الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال: زاغ يزيغ زيغاً إذا ترك القصد، ومنه قوله - تعالى -:
{ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإِشارة بها فى ذلك الوقت إلى نصارى نجران.
والابتغاء: الاجتهاد فى الطلب. يقال: بغيت الشئ وابتغيته، إذا طلبته بجد ونشاط. والفتنة: من الفتن: وأصل الفتن إدخال الذهب للنار لتظهر جودته من رداءته. والمراد بها هنا الإِضلال وإثارة الشكوك حول الحق.
والتأويل: يطلق بمعنى التفسير والتوضيح والبيان. ويطلق بمعنى حقيقة الشئ وما يؤول إليه أمره، مأخوذ من الأول وهو الرجوع إلى الأصل.
يقال: آل الأمر إلى كذا يؤول أولاً أى رجع. وأولته إليه: رجعته.
المعنى: لقد اقتضت حكمتنا - يا محمد - أن ننزل عليك القرآن مشتملا على آيات محكمات هن أم الكتاب، وعلى أخر متشابهات. فأما الفاسقون الذين فى قلوبهم انحراف عن طلب الحق، وميل عن المنهج القويم، وانصراف عن القصد السوى فيتبعون ما تشابه منه، أى: يتعلقون بذلك وحده. ويعكفون على الخوض فيه. ولا تتجه عقولهم إلى المحكم ليردوا المتشابه إليه، وإنما يلازمون الأخذ بالمتشابه كما يلازم التابع متبوعه، لأنه يوافق اعوجاج نفوسهم وسوء نياتهم. وتحكم أهوائهم وشهواتهم.
وقد بين - سبحانه - أن اتباع هؤلاء الزائغين للمتشابه إنما يقصدون من ورائه أمرين:
أولهما: {ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ} أى طلبا لفتنة المؤمنين فى دينهم. وتشكيكهم فى عقيدتهم، وإثارة الريب فى قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذى جاء به القرآن، بأن يقولوا - كما حكى القرآن عنهم -
{ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } وبأن يقولوا: كيف يكون نعيم الجنة، وما حقيقة الروح ولماذا يعذبنا الله على أعمالنا مع أنه هو الخالق لكل شئ، إلى غير ذلك من الشبهات الزائفة التى يثيرها الذين فى قلوبهم زيغ طلبا لتشكيك المؤمنين فى دينهم.
وثانيهما: {وَٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أى: ويتعلقون بالمتشابه ويتبعونه طلبا لتأويل آيات القرآن تأويلا باطلا، وتفسيرها تفسيرا فاسداً بعيداً عن الحق زاعمين أن تفسيرهم هذا هو الحق بعينه، لأنه يتفق مع أهوائهم وشهواتهم وميولهم الأثيمة.
وفى جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغة فى عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد.
وفى تعليل الاتباع - كما يقول الآلوسى - "بابتغاء تأويله دون نفس تأويله وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة أو الحقيقة. إيذان بأنهم ليسوا من أهل التأويل - فى عير ولا نفير ولا قبيل ولا دبير - وأن ما يبتغونه ليس بتأويل أصلا لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه".
وقد ذم النبى صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين يتبعون ما تشابه من القرآن طلبا للفتنة والتأويل الباطل، وحذر منهم فى أحاديث كثيرة. ومن ذلك ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ}.. إلخ الآيات قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" .
وقد استجاب الصحابة - رضى الله عنهم - لوصايا الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا يتباعدون عن الذين فى قلوبهم زيغ. ويزجرونهم ويكشفون عن أباطيلهم.
قال القرطبى: "حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضى: قال: أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار أن صَبِيغ بن عِسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء: فبلغ ذلك عمر - رضى الله عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل. فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر - وانا عبد الله عمر: ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين!! فقد والله ذهب ما كنت أجد فى رأسى".
ثم بين - سبحانه - أن تأويل المتشابه مرده إلى الله - تعالى - وأن الراسخين فى العلم يعلمون منه ما يوفقهم الله لمعرفته فقال، {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}.
وقوله - تعالى - {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} من الرسوخ وهو الثبات والتمكن وأصله فى الأجرام، أن يرسخ الجبل والشجر فى الأرض، واستعمل فى المعانى ومنه رسخ الإِيمان فى القلب. أى ثبت واستقر وتمكن.
والألباب، جمع لب وهو - كما يقول الراغب - العقل الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما فى الإِنسان من معانيه، كاللباب واللب من الشئ وقيل هو ما زكا من العقل، فكل لب عقل وليس كل عقل لبا، ولهذا علق الله - تعالى - الأحكام التى لا يدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب".
قال الآلوسى: "وقوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} فى موضع الحال من ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة. أى يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله - تأويلا فاسداً - والحال أن التأويل المطابق للواقع - كما يشعر به التعبير بالعلم والإِضافة إلى الله - تعالى - مخصوص به - سبحانه - وبمن وفقه - عز شأنه - من عباده الراسخين فى العلم. أى الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا فى مزال الأقدام، ومداحض الأفهام، دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة، هذا ما يقتضيه الظاهر فى تفسير الراسخين".
وقوله. {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} جملة موضحة لحال الراسخين فى العلم، ومبينة لما هم عليهم من قوة الإِيمان، وصدق اليقين.
أى يقول الراسخون فى العلم عندما يقرءون ما تشابه من آيات القرآن آمنا به وصدقنا وأذعنا فنحن لا نشك فى أن كلا من الآيات المتشابهة والآيات المحكمة من عند الله وحده فهو الذى أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم بمقتضى حكمته ومشيئته.
وقوله {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}، معطوف على جملة {يَقُولُونَ} وقد ختم به - سبحانه - هذه الآية على سبيل المدح لهؤلاء الراسخين فى العلم.
أى: وما يدرك هذه الحقائق الدينية ويعتبر بها ويتذكر ما اشتمل عليه القرآن من أحكام وآداب وهدايات وتشريعات إلا أصحاب العقول السليمة، والألباب المستنيرة التى لا تتأثر بالأهواء والشهوات، ولا تركن إلى البدع الزائفة والأفكار الفاسدة.
قال ابن كثير: "وقوله - تعالى - {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ} اختلف القراء فى الوقف هنا فقيل الوقف على لفظ الجلالة، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال: "التفسير على أربعة انحاء فتفسير لا يعذر أحد فى فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون فى العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله". وعن أبى مالك الأشعرى أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"لا أخاف على أمتى إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} الآية وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يسألون عنه" .
وحكى ابن جرير أن قراءة عبد الله بن مسعود، إن تأويله إلا عند الله، والراسخون فى العلم يقولون آمنا به. واختار هذا القول ابن جرير - وهو مذهب الأكثرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم خصوصا أهل السنة.
ومنهم من يقف على قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا الخطاب بما لا يفهم بعيد. وقد روى عن ابن عباس أنه قال. أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله، وروى عن مجاهد أنه قال والراسخون فى العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به.
وفى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال:
"اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل" .
والذى نراه أنه إذا فسر المتشابه بما استأثر الله - تعالى - بعلمه كقيام الساعة وحقيقة الروح، كان الوقف على لفظ الجلالة وكانت الواو فى قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ} للاستئناف، والراسخون مبتدأ وجملة "يقولون" خبر عنه.
أى والراسخون فى العلم يقولون آمنا به ويفوضون علمه إليه - سبحانه - ولا يقتحمون أسواره، كأهل الزيغ والضلال الذين أولوه تأويلا فاسدا.. وإذا فسر المتشابه بما لا يتبين معناه إلا بعد نظر دقيق بحيث يتناول المجمل ونحوه كان الوقف على لفظ العلم، وكانت الواو فى قوله {وَٱلرَّاسِخُونَ} للعطف.
أى: لا يعلم تأويل المتشابه تأويلا حقا سليما إلا الله والراسخون فى العلم أما أولئك الذين فى قلوبهم زيغ فهم أبعد ما يكونون عن ذلك.
ويجوز الوقف على هذا الرأى أيضاً على لفظ الجلالة؛ لأنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه علما كاملا إلا الله. أولا يعلم كنهه وحقيقته أحد سواه.
وإذا فسر المتشابه بما قام الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد. مع عدم قيام الدليل على تعيينه، كمتشابه الصفات أو ما يسمى بآيات الصفات مثل قوله - تعالى -
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } جاز الوقف والعطف عند من يؤولون هذه الصفات تأويلا يليق بذاته - تعالى - وهم جمهور علماء الخلف ووجب الوقف على لفظ الجلالة عند من يفوض معانى هذه المتشابهات إلى الله - تعالى - مع تنزيهه عن ظواهرها المستحيلة وهم جمهور علماء السلف وهذه المسألة من المسائل التى أفاض القول فيها الباحثون فى علم الكلام.
هذا وقد ذكر العلماء حكما متعددة لاشتمال القرآن على المحكم والمتشابه، منها: الابتلاء والاختبار، لأن الراسخون فى العلم سيؤمنون به وإن لم يعرفوا تأويله، ويخضعون لسلطان الربوبية، ويقرون بالعجز والقصور، وفى ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة. وأما الذين فى قلوبهم زيغ فيؤولونه تأويلا باطلا لإِضلال الناس وتشكيكهم فى دينهم.
ومنها : رحمة الله بهذا الإنسان الضعيف الذى لا يطيق معرفة كل شىء. فقد أخفى - سبحانه - على الناس معرفة وقت قيام الساعة لكيلا يتكاسلوا ويقعدوا عن الاستعداد لها، ولكيلا يفتك بهم الخوف فيما لو أدركوا بالتحديد قرب قيامها.
ومنها - كما يقول الفخر الرازى: "أنه متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، ومنها: أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص من ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية، فحينئذ يبقى فى الجهل والتقليد. ومنها أن اشتماله على المحكم والمتشابه يحمل الإنسان على تعلم علوم كثيرة كعلم اللغة والنحو وأصول الفقه وغير ذلك من أنواع العلوم، ومنها: أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو فى أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام فى أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفى فوقع فى التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، وبذلك يكون مخلوطا بما يدل على الحق الصريح. فالقسم الأول وهو الذى يخاطبون به فى أول الأمر يكون من المتشابهات، والقسم الثانى وهو الذى يكشف لهم فى آخر الأمر هو المحكمات".
ومنها - كما يقول الجمل نقلا عن الخازن: "فإن قيل القرآن نزل لإرشاد الناس فهلا كان كله محكماً؟ فالجواب أنه نزل بألفاظ العرب وعلى أسلوبهم. وكلامهم على ضربين: الموجز الذى لا يخفى على سامع هذا هو الضرب الأول، والثانى المجاز والكنايات والإِرشادات والتلويحات وهذا هو المستحسن عندهم، فأنزل القرآن على ضربين ليتحقق عجزهم فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكما لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا".
قال بعض العلماء: والذى يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها، أن الآيات المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التى كلف عامة المسلمين أن يقوموا بها، وأنه لا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام التكليفية قد انتقل النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى دون أن يبينها، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية، لأن الله - تعالى - يقول:
{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } ولا شك من أول بيان ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية.
لذلك نقول جازمين: إنه ليس فى آيات الأحكام آية متشابهة، وإن اشتبه فهمها على بعض العقول، لأنه لم يطلع على موضوعها، فليس ذلك لأنها متشابهة فى ذاتها، بل لاشتباه عند من لا يعلم، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية فى القرآن متشابهة".
وبعد أن بين - سبحانه - موقف الناس من محكم القرآن ومتشابهه، شرع فى بيان ما يتضرع به المؤمنون الصادقون الذين يؤمنون بكل ما أنزله الله - تعالى - فقال: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا...}.