التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٧٧
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٨
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

روى المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} الآية روايات منها: ما أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على مال امرىء مسلم بغير حقه لقى الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله. ثم قرأ علينا رسول الله مصداقه من كتاب الله، {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ} إلخ.
وفى رواية قال: "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقى الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله - تعالى - تصديق ذلك {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ}. قال عبد الله: فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن قلنا: كذا وكذا. فقال: صدق. فى نزلت، كان بينى وبين رجل خصومة فى بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شاهداك أو يمينه؟ قلت: إنه إذاً يحلف ولا يبالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان" ، ونزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ}.
وروى البخارى عن عبد الله بن أوفى أن رجلا أقام سلعة فى السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ}.
وقال الفخر الرازى: قال عكرمة إنها نزلت فى أحبار اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم فى التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا بأنه من عند الله لئلا يفوتهم الرشا".
هذه ثلاث روايات فى سبب نزول تلك الآية الكريمة، وأرجحها رواية الشيخيين، ولذا وجب الأخذ بها إلا أن نزول الآية فى قصة معينة لا يمنع شمول حكمها لكل ما يشبه هذه القصة أو الحادثة، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب - كما يرى جمهور العلماء -.
فكل من حلف بالله كاذبا، واشترى بعهده - سبحانه - ثمنا قليلا حقت عليه العقوبة التى بينتها الآية الكريمة. ويدخل تحت هذه العقوبة دخولا أوليا أولئك اليهود الذين خانوا عهد الله بإنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم يعرفون صدقه معرفة جليلة.
والمراد بقوله {يَشْتَرُونَ} أى يستبدلون، وذلك لأن المشترى يأخذ شيئاً ويعطى شيئاً. فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر.
والمراد {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} كل ما يجب الوفاء به، فيدخل فيه ما أوجبه الله - تعالى - على عباده من فرائض وتكاليف، ومن إيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، كما يدخل فيه - أيضاً - ما أوجبه الله على أهل الكتاب من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم الذى يجدون نعته فى كتبهم، ويعرفون صدقه كما يعرفون أبناءهم.
والباء فى قوله - تعالى - {بِعَهْدِ ٱللَّهِ} داخلة على المتروك الذى تركوه وأخذوا فى مقابله الثمن القليل.
وقوله {وَأَيْمَانِهِمْ} معطوف على عهد الله.
والمراد بأيمانهم تلك: الأيمان الكاذبة التى يحلفونها ليؤكدوا ما يريدون تأكيده من أقوال أو أفعال.
والمراد بالثمن القليل: حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو المال والمنافع الزائلة، التى أخذوها نظير تركهم لعهود الله، وحلفهم الكاذب.
وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات، بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل نظير خيانة عهود الله تحقيراً له، إذ أنه لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أغراض الدنيا بجانب رضا الله والوفاء بعهوده.
وقوله {أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فى ٱلآخِرَةِ} أى الذين يخونون عهد الله ويحلفون الأيمان الكاذبة فى مقابل عرض من أعراض الدنيا، لا نصيب لهم ولا حظ من نعيم الآخرة بسبب ما ارتكبوه من غدر وافتراء.
وقوله {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} أى لا يكلمهم بما يسرهم بل يكلمهم بما يسوؤهم ويخزيهم يوم القيامة بسبب أعمالهم السيئة.
أو أن عدم كلام الله - تعالى - لهم: كناية عن عدم محبته لهم، لأن من عادة المحب أن يقبل على حبيبه ويتحدث إليه، أما المبغض لشىء، فإنه ينصرف عنه.
وإلى هذا المعنى ذهب الإِمام الرازى فقد قال ما ملخصه: "وقوله - تعالى - {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ} فيه سؤال وهو أنه - تعالى - قال:
{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فكيف الجمع بين الآية التى معنا وبين قوله { لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } والجواب: أن المقصود من كل هذه الكلمات: بيان شدة سخط الله عليهم، لأن من منع غيره كلامه، فإنما ذلك بسخط عليه، وإذا سخط إنسان على آخر قال له: لا أكلمك، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول: لا أرى وجه فلان، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل، فثبت أن الآية كناية عن شدة الغضب نعوذ بالله منه. وهذا هو الجواب الصحيح".
وقوله {وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ} أى لا يعطف عليهم ولا يرحمهم ولا يحسن إليهم، وذلك كما يقول القائل لغيره: انظر إلى، يريد: ارحمنى واعطف على.
ويقال: فلان لا ينظر إلى فلان، والمراد من ذلك نفى الإِحسان إليه وترك الاعتداد به، فقد جرت العادة بأن من اعتد بإنسان وعطف عليه التفت إليه.
قالوا: فلهذا السبب صار المراد بعدم نظر الله - تعالى - إلى هؤلاء الخائنين عبارة عن ترك العطف عليهم والإِحسان إليهم والرحمة بهم.
ولا يجوز أن يكون المراد من عدم النظر إليهم، وعدم رؤيتهم، لأنه - سبحانه - يراهم كما يرى غيرهم من خلقه.
وقوله - تعالى - {وَلاَ يُزَكِّيهِمْ} أى أنه - سبحانه - لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وأوزارهم بالمغفرة، بل يعاقبهم عليها. أو أنه - سبحانه - لا يثنى عليهم كما يثنى على الصالحين من عباده، بل يسخط عليهم وينتقم منهم جزاء غدرهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان النتيجة المترتبة على هذا الغضب منه عليهم، فقال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
أى ولهم عذاب مؤلم موجع بسبب ما ارتكبوه من آثام وسيئات.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلا بأنهم لا حظ لهم من نعيم الآخرة، وأنهم ليسوا أهلا لرضا الله ورحمته وإحسانه، وأنهم سينالون العذاب المؤلم الموجع بسبب ما قدمت أيديهم.
ثم بين - سبحانه - بعض الرذائل التى صدرت عن فريق من أهل الكتاب فقال - تعالى -: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} والضمير فى قوله - تعالى - {مِنْهُمْ} يعود إلى أهل الكتاب الذين ذكر القرآن طرفاً من رذائلهم ومسالكهم الخبيثة فيما سبق.
قال الفخر الرازى: اعلم أن هذه الآية {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً} تدل على أن الآية المتقدمة وهى قوله - تعالى - {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} نازلة فى اليهود بلا شك، لأن هذه الآية نازلة فى حق اليهود وهى معطوفة على ما قبلها، فهذا يقتضى كون تلك الآية المتقدمة نازلة فى اليهود أيضا".
وقال ابن كثير: يخبر - سبحانه - عن اليهود - عليهم لعائن الله - أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد ليوهموا الجهلة أنه فى كتاب الله كذلك وينسبونه إلى الله. وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا فى ذلك كله".
وقوله {يَلْوُونَ} مأخوذ من اللى. وأصل اللى الميل يقال: لوى بيده ولوى برأسه إذا أماله. والتوى الشىء إذا انحرف ومال عن الاستقامة إلى الاعوجاج والمعنى: "وإن من هؤلاء اليهود الذين كتموا الحق واشتروا بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلا. إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب" أي يعمدون إلى كتاب الله فينطقون ببعض ألفاظه نطقا مائلا محرفا يتغير به المعنى من الوجه الصحيح الذى يفيده ظاهر اللفظ إلى معنى آخر سقيم لا يدل عليه اللفظ ولكنه يوافق أهواءهم ونواياهم السيئة، ومقاصدهم الذميمة.
وذلك كأن ينطقوا بكلمة {رَاعِنَا} نطقا ملتويا يوافق فى لغتهم كلمة قبيحة يقصدون بها الإِساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم. وقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الألفاظ حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإِساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -
{ يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا } وكأن ينطقوا بكلمة "السلام عليكم" بقولهم: "السام عليكم" بحذف اللام يعنون الموت عليكم لأن السام معناه الموت.
وكأن يغيروا لفظاً من كتابهم فيه ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر، أو يؤولوا المعانى تأويلا فاسدا، وقد وبخهم الله - تعالى - على هذا التحريف فى كثير من آيات القرآن الكريم، ومن ذلك قوله - تعالى -
{ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وقوله - تعالى - { مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وقوله - تعالى - {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً} إنصاف منه - سبحانه - للفريق الذى لم يرتكب هذا الفعل الشنيع وهو تحريف كلامه - عز وجل - وتلك عادة القرآن فى أحكامه لا يظلم أحداً ولكنه يمدح من يستحق المدح ويذم من يستحق الذم.
وقوله {يَلْوُونَ} صفة لقوله {فَرِيقاً}.
والباء فى قوله {بِٱلْكِتَابِ} بمعنى "فى" مع حذف المضاف. أى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم فى حال قراءتهم للكتاب، إما بحذف حروف يتغير المعنى بحذفها، أو بزيادة تفسد المعنى، أو بغير ذلك من وجوه التغيير والتبديل.
وقوله - تعالى - {لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} بيان للدوافع السيئة التى دفعتهم إلى ارتكاب هذا التحريف الذميم.
والضمير المنصوب فى قوله {لِتَحْسَبُوهُ} وكذلك ضمير الغائب {هُوَ}: يعودان إلى الكلام المحرف الذى لووا به ألسنتهم والمدلول عليه بقوله {يَلْوُونَ}.
أى إن من هؤلاء اليهود فريقاً يلوون ألسنتهم فى نطقهم بالكتاب ويحرفونه عن وجهه الصحيح، لتظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذى لووا به ألسنتهم من كتاب الله الذى أنزله على أنبيائه، والحق بأن هذا المحرف ليس من كتاب الله فى شىء، وإنما هو من عند أنفسهم نطقوا به زورا وبهتاناً إرضاء لأهوائهم. وقوله {مِنَ الْكِتَابِ} هو المفعول الثانى لقوله {لِتَحْسَبُوهُ}.
والمخاطب بقوله {لِتَحْسَبُوهُ} هم المسلمون وقال {وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ} بتكرار لفظ الكتاب، ولم يقل وما هو منه، للتنبيه على أن كتاب الله المنزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - برىء كل البراءة من تحريفهم وتبديلهم، ومما يزعمونه ويفترونه عليه. ثم بين - سبحانه - أنهم قد بلغت بهم الجرأة فى الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا الذى حرفوه وغيروه من كتبهم إلى الله - تعالى - فقال: {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
أى أن هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب؛ ليوهموا غيرهم بأن هذا المحرف من الكتاب، لا يكتفون بهذا التحريف، بل يقولون {هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أى هذا المحرف هو نزل من عند الله هكذا، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه حرفا، والحق أن هذا المحرف ليس من عند الله ولكنهم قوم ضالون يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.
ففى هذه الجملة الكريمة بيان لإِصرارهم على الباطل، ولتعمدهم الكذب على الله، وتوبيخ لهم على هذا الافتراء العجيب. وقد أكد الله جرأتهم فى النطق بالزور والبهتان بمؤكدات منها:
أن كذبهم لم يكن تعريضا وإنما كان فى غاية الصراحة، فهم يقولون عن المحرف {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}.
وأن كذبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على الله الذى خلقهم والذى يعلم ما يسرون وما يعلنون {وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}.
وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على هذا الكذب، وهذا ما يشهد به قوله - تعالى - {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
وهكذا القلوب إذا فسدت، واستولى عليها الحسد والجحود، ارتكبت كل رذيلة ومنكر بدون تفكر فى العواقب، أو تدبر لما جاءت به الشرائع، وأمرت به العقول السليمة.
وفى هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة {ٱللَّهِ} قد تكرر ثلاث مرات، كذلك لفظ {الْكِتَابِ} تكرر ثلاث مرات، ولم يكتف بالضمير الذى يدل عليهما، وذلك لقصد الاهتمام باسم الله - تعالى - وباسم كتابه، وبالخبر المتعلق بهما، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ذكره، وقد جاء ذلك كثيرا فى أشعارهم، ومنه قول الشاعر:

لا أرى الموت يسبق الموت شىءنغص الموت ذا الغنى والفقيرا

فقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره.
وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا بأشد ألوان الوعيد، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود، وعن جرأتهم فى النطق بالكذب عن تعمد وإصرار، حتى يحذرهم المسلمون.
ثم نزه الله - تعالى - أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم، عقب تنزيهه - سبحانه - لذاته عما تقوله المفترون فقال - تعالى -: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ....}.