التفاسير

< >
عرض

إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ
١٥
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
١٦
فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٧
-السجدة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ} ويصدق {بِآيَاتِنَا} الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا، أصحاب النفوس النقية الصافية، الذين إذ ذكروا بها، أى: بهذه الآيات.
{خَرُّواْ سُجَّداً} لله - تعالى - من غير تردد {وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} أى: ونزهوه عن كل ما لا يليق به - عز وجل -
{وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عن طاعته - سبحانه -، وعن الانقياد لأمره ونهيه.
ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى عبادتهم وتقربهم إلى الله، تصويراً بديعاً فقال: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً}.
والتجافى: التحرك إلى جهة أعلى. وأصله من جفا فلان السرج عن فرسه، إذا رفعه. ويقال تجافى فلان عن مكانه، إذا انتقل عنه.
والجنوب: جمع جنب. وأصله الجارحة، والمراد به الشخص.
والمضاجع: جمع مضجع، وهو مكان الاتكاء للنوم.
والمعنى: أن هؤلاء المؤمنين الصادقين، تتنحى وترتفع أجسامهم، عن أماكن نومهم، وراحتهم، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة {خَوْفاً} من سخطه عليهم، {وَطَمَعاً} فى رضاه عنهم.
{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} من فضلنا وخيرنا {يُنفِقُونَ} فى وجوه البر والخير.
وقوله - سبحانه -: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...} بيان للعطاء الجزيل، والثواب العظيم. أى: فلا تعلم نفس من النفوس سواء أكانت لملك مقرب، أم لنبى مرسل، ما أخفاه الله - تعالى - لهؤلاء المؤمنين المتهجدين بالليل والناس نيام، من ثواب تقر به أعينهم، وتسعد به قلوبهم، وتبتهج له نفوسهم..
وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة فى الدنيا.
وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد الله الصالحين، وللثواب الذى لا تحيط به عبارة، والذى أكرمهم الله - تعالى - به.
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات، عدداً من الأحاديث الواردة فى فضل قيام الليل، منها ما رواه الإِمام أحمد
"عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه - قال: كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه. ونحن نسير، فقلت: يا نبى الله، أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة، ويباعدنى من النار. فقال: لقد سألت عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل فى جوف الليل شعار الصالحين، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً...}" .
وعن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم. ثم يرجع فينادى: ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع" .
وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله - تعالى - قال: أعددت لعبادى الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن عدالته قد اقتضت عدم التسوية بين الأخيار والأشرار، وأن كل إنسان إنما يجازى يوم القيامة على حسب عمله فقال - تعالى -: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً...ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}.