التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً
٧
لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً
٨
-الأحزاب

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والميثاق: العهد الموثق المؤكد، مأخوذ من لفظ وثق، المتضمن معنى الشد والربط على الشئ بقوة وإحكام.
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن أخذنا من جميع النبيين العهد الوثيق، على أن يبلغوا ما أوحيناه إليهم من هداياتا للناس، وعلى أن يأمروهم بإخلاص العبادة لنا، وعلى أن يصدق بعضهم بعضا فى أصول الشرائع ومكارم الأخلاق.. كما أخذنا هذا العهد الوثيق منك، ومن أنبيائنا نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.
وخص هؤلاء الأنبياء بالذكر، للتنويه بفضلهم، فهم وألو العزم من الرسل، وهم الذين تحلموا فى سبيل إعلاء كلمة الله - تعالى - أكثر ما تحمل غيرهم.
وقدم صلى الله عليه وسلم فى قوله {وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} لمزيد فضله صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء.
قال الآلوسى: ولا يضر تقديم نوح - عليه السلام - فى سورة الشورى، أعنى قوله - تعالى -:
{ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ } إذ للك مقام مقال. والمقام فى سورة الشورى وصف دين الإِسلام بالأصالة. والمناسب فيه تقديم نوح، فكأنه قيل: شرع لكم الدين الأصيل الذى بعث عليه نوح فى العهد القديم، وبعث عليه محمد صلى الله عليه وسلم فى العهد الحديث، وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء.
وقوله - سبحانه -: {وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} معطوف على ما قبله وهو {أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ}، لإِفادة تفخيم شأن هذا الميثاق المأخوذ على الأنبياء، وبيان أنه عهد فى أقصى درجات الأهمية والشدة.
أى: وأخذنا من هؤلاء الأنبياء عهدا عظيم الشأن، بالغ الخطورة، رفيع المقدار.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فماذا أراد بالميثاق الغليظ؟
قلت: أراد به ذلك الميثاق بعينه. إذ المعنى: وأخذنا منهم بذلك الميثاق ميثاقا غليظا.
والغلظ استعارة فى وصف الأجرام.: والمراد: عظم الميثاق وجلالة شأنه فى بابه.
وقيل: المراد بالميثاق الغليظ: اليمين بالله على الوفاء بما حملوا.
وقوله - سبحانه -: {لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ} متعلق بقوله: {أَخَذْنَا}، أو بمحذوف. والمراد بالصادقين: الأنبياء الذين أخذ الله عليهم الميثاق.
أى: فعل - سبحانه -: ذلك ليسأل يوم القيامة أنبياءه عن كلامهم الصادق الذى قالوه لأقوامهم، وعن موقف هؤلاء الأقوام منهم.
والحكمة من هذا السؤال تشريف هؤلاء الرسل وتكريمهم، وتوبيخ المكذبين لهم فيما جاءوهم به من كلام صادق ومن إرشاد حكيم.
وقوله - سبحانه -: {وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً} معطوف على ما دل عليه قوله، ليسأل الصادقين.
أى: أثاب - عز وجل - الأنبياء الكرام بسبب صدقهم فى تبليغ رسالته وأعد للكافرين الذين أعرضوا عن دعوة أنبيائهم عذابا أليما، بسب هذا الإِعراض.
وهكذا جمعت الآية الكريمة بين ما أعده - سبحانه - من ثواب عظيم للصادقين. ومن عذاب أليم للكافرين.
وبعد هذا البيان الحكيم لبعض الأحكام الشرعية. انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن غزوة الأحزاب، وعن فضل الله - تعالى - على المؤمنين فيها، فقال - سبحانه -: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ...عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً}.